قبر اشرف الخلق محمد صلى الله عليه و سلم

الأحد، 27 يونيو 2010

الاسراء والمعراج

الإسراء والمعراج
وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها من سقيمها

تأليف
محمد ناصر الدين الألباني

المكتبة الإسلامية
عمان - الأردن
الطبعة الخامسة - 1421هـ - 2000م

1 - حديث أبي هريرة
وله عنه طرق:
الأولى: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((حين أسري بي لقيتُ موسى عليه السلام - فنعته النبي صلى الله عليه وسلم - فإذا رجل - حسبته قال: - مضطرب، رجِلُ الرأس، كأنه من رجال شنوءة.
قال: ولقيت عيسى - فنعته النبي صلى الله عليه وسلم - فإذا ربْعَةٌ أحمر كأنما خرج من ديماس. يعني: حماماً.
قال: ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، وأنا أشبه ولده به.
فأتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر. فقيل لي: خُذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته، فقال: هُديت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك)).
أخرجه البخاري(3394 و3437 و4709 و5576 و5603)، ومسلم (272)، وأحمد (2/282 و512)، والبغوي في ((شرح السنة)) (3761).

الثانية: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لقد رأيتُني في الحجْر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثلها قط، قال: فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعدٌ، كأنه من رجال شنوءة. وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي، أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعد الثقفي. وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم. يعني : نفسه.
فحانت الصلاة فأممتُهُم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد! هذا مالك صاحب النار فسلم عليه. فالتفتُّ إليه، فبدأني بالسلام)).
أخرجه مسلم (278).

2 - حديث أنس بن مالك
وقد جاء عنه من طرق؛ مع اختلاف أصحابه في إسناده على وجه:
1 - فرواه الزهري عنه عن أبي ذر رضي الله عنهما.
2 - ورواه قتادة عنه عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما.
3 - ورواه شريك بن أبي نمر وثابت البناني عنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة.
وفي سياق كل من الثلاثة عنه ما ليس عند الآخر؛ كما أفاده الحافظ في ((فتح الباري)) (1/460).
فلنسق رواية كل منهم عنه؛ ليتيسر لنا فيما بعد التقاط ما عندهم من الزيادات على بعضهم؛ بشرط الصحة، فأقول:
1 - عن الزهري عن أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( فُرجَ عن سقف بيتي بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً، فأفرغه في صدري ثم أطبقه.

ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحدٌ؟ قال: نعم؛ معي محمد صلى الله عليه وسلم. قال: أرسل إليه؟ قال: نعم. ففتح.
[قال: (م)] فلما فتح علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد، على يمينه أسودةٌ، وعلى يساره أسوِدَةٌ، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح.
قلت لجبريل: من هذا؟( ) قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبِلَ شماله بكى.
حتى عَرَجَ بي إلى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح)).

قال أنس : فذكر أنه وجد في السماوات: آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم صلوات اله عليهم، ولم يُثبِتْ كيف منازلهم؛ غير أنه ذكر: أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة( ).
قال أنس: فلما مرّ جبريل بالنبي(وفي رواية: ورسول الله: [م]) صلى الله عليه وسلم بإدريس قال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح.
((فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس.
ثم مررت بموسى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى.
ثم مررت بعيسى( )، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى.
ثم مررت بإبراهيم، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح)).

قال ابن شهاب : فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حية الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم :
((ثم عرج بي، حتى ظهرتُ لمستوىً أسمع فيه صريف الأقلام( ) )). قال ابن حزم وأنس بن مالك : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( ففرض الله علي أمتي خمسين صلاة.
[قال: (م)] فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال : ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض [عليهم: (م)] خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك.
[قال: (م)] [فرجعت، فراجعت ربي: (خ)] فراجعني، فوضع شطرها.

[قال: (م) فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها. فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها.
فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك.
[قال: (م)] فراجعته ، فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لديّ.
[قال: (م)] فرجعت إلى موسى، فقال راجع ربك. فقلت: استحييتُ من ربي.
[قال: (م)] ثم انطلق بي [جبريل: (م)] حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟
[قال: (م)] ثم أُدخلت الجنة، فإذا فيها حبائل (وفي رواية: جنابذ: [خ عبد])( ) اللؤلؤ؛ وإذا ترابها المسك)).
أخرجه البخاري (349 و1636 و3342)، ومسلم (263)، وروى النسائي بعضه في أول ((الصلاة))؛ لكنه لم يذكر أبا ذر.
ورواه عبد الله بن أحمد (5/143 - 144)؛ لكنه ذكر أُبيّ ابن كعب مكان أبي ذرّ، وهو وهم من بعض الرواة؛ كما أشار إليه ابن كثير.
2 - عن قتادة: ثنا أنس عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم :
((بينا أنا عند البيت (وفي رواية : عند الكعبة: (حم). وفي أخرى: في الحطيم. وربما قال قتادة: في الحجر مضطجع: [حم خ]) بين النائم واليقظان؛ إذا أقبل أحد الثلاثة بين الرجلين، فأُتيت بطست من ذهب ملأه حكمة وإيماناً، فشقّ من النّحر إلى مراقّ البطن، فغسَل القلب بماء زمزم، ثم مُلئ حكمة وإيماناً، [ثم أعيد: (حم خ) [مكانه: (جرير)].
ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار)). [قال: فقال الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم]. [((يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحُملتُ عليه: (حم خ)].
[ثم انطلقنا حتى أتينا إلى بيت المقدس، فصليت فيه بالنبيين والمرسلين إماماً: (جرير)]. ثم انطلقت مع جبريل عليه السلام، فأتينا السماء الدنيا، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: ومن معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال:
نعم. قيل: مرحباً به، ونعم المجيء جاء. [قال: ففتح: (حم)].
فأتيت على آدم عليه السلام ، [فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه: (حم خ) ]، فسلمت عليه، فـ[ردّ السلام و: (حم خ)] قال: مرحباً بك من ابن ونبي (وفي رواية: بالابن الصالح والنبي الصالح:[حم خ]).
ثم [صعد [بي: (خ)] حتى: (حم) ] أتينا السماء الثانية، [فاستفتح، فـ: (حم)] قيل : من هذا؟ قيل : جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فأتيت على يحيى عيسى عليهما السلام، [وهما ابنا الخالة، فقال: هذا يحيى وعيسى فسلِّم عليهما: (حم خ)]، فسلمت عليهما، فـ[ردّا السلام ثم: (حم خ)] قالا: مرحباً بك من أخ ونبي (وفي الرواية الأخرى: بالأخ الصالح والنبي الصالح: [حم خ]).
ثم [صعد [بي: (خ)] حتى: (حم)] أتينا السماء الثالثة، فمثل ذلك.
فأتيت على يوسف عليه السلام، [قال: هذا يوسف فسلّم عليه. قال: (حم خ) ]فسلمت عليه، فـ[ردّ السلام و: (حم خ)] قال: مرحباً بك من أخ ونبي ( وفي الرواية الأخرى: بالأخ الصالح والنبي الصالح: [حم خ]).
ثم [صعد[بي: (خ)] حتى: (حم)] أتينا السماء الرابعة، فمثل ذلك.
فأتيت على إدريس عليه السلام، [قال: هذا إدريس فسلّم عليه. قال: (حم خ)] فسلمت عليه، فـ[ردّ السلام ثم : (حم)] قال: مرحباً بك من أخ ونبي (وفي الرواية الأخرى: بالأخ الصالح والنبي الصالح: [حم خ]).
[قال: (حم)]: ثم [صعد [بي: (خ)] حتى: (حم)] أتينا السماء الخامسة، فمثل ذلك.
فأتيت على هارون عليه السلام، [قال: هذا هارون فسلم عليه. قال: (حم خ)] فسلمت عليه( ). [قال: فرد السلام ثم: (حم)] قال: مرحباً بك من أخ ونبي (وفي الرواية الأخرى: بالأخ الصالح والنبي الصالح: [حم خ]).
[قال: (حم) ]ثم [صعد[بي: (خ)] حتى : (حم) ] أتينا السماء السادسة، فمثل ذلك.

ثم أتيت على موسى عليه السلام، [قال: هذا موسى فسلّم عليه: (حم خ)]. فسلمت عليه ، فـ[ردّ السلام، ثم: (حم)]قال: مرحباً بك من أخٍ ونبي( وفي الرواية الأخرى: بالأخ الصالح والنبي الصالح: [حم خ]).
فلمّا جاوزته بكى. قيل: ما أبكاك؟! قال: يا ربّ ! هذا الغلام الذي بعثته بعدي يدخل من أمته الجنّة أكثر وأفضل مما يدخل من أمتي!
[قال: (حم)] ثم [صعد[بي: (خ)] حتى: (حم)] أتينا السماء السابعة، فمثل ذلك.
فأتيت على إبراهيم عليه السلام، [فقال: هذا[أبوك: (خ)] إبراهيم فسلّم عليه: (حم)]، فسلمت عليه، فـ[ردّ السلام ثم: (حم خ)] قال: مرحباً بك من ابن ونبي_( وفي الرواية الأخرى: بالابن الصالح والنبي الصالح: [حم خ] )).
[قال قتادة: وحدثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (حم خ) ] قال: ((ثم رُفع إليّ البيت المعمور، فسألت جبريل عليه السلام؟ فقال: هذا البيت المعمور، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخرَ ما عليهم( ).
[ثم رجع إلى حديث أنس، قال: (حم)].
[((ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، قال: فأخذت اللبن. قال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك: (حم)].
قال: ثم رُفعتُ إلى سدرة المنتهى؛ فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. [فقال: هذه سدرة المنتهى: (حم خ) ]. وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان،ونهران ظاهران، فسألت جبريل؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالفرات والنيل.
قال: ثم فُرضت علي خمسون صلاة [كل يوم: (حم خ)]، [قال: فرجعت: (حم خ)]، فأتيت على موسى عليه السلام فقال: ما صنعت؟ قلت: فُرضت علي خمسون صلاة[كل يوم: (حم خ)]. فقال: إني [والله: (خ)] أعلم بالناس منك (وفي رواية : قد جرّبت الناس قبلك، و:[خ]) إني عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لن يطيقوا ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك.
قال: فرجعت إلى ربي عز وجل، فسألته أن يخفف عني، فجعلها أربعين.
ثم رجعت إلى موسى فأتيت عليه، فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها أربعين. فقال لي مثل مقالته الأولى.
فرجعت إلى ربي عز وجل، فجعلها ثلاثين.
فأتيت موسى عليه السلام فأخبرته، فقال لي مثل مقالته الأولى، فرجعت إلى ربي فجعلها عشرين، ثم عشرة، ثم خمسة.
فأتيت على موسى فأخبرته، فقال لي مثل مقالته الأولى.
فقلت: إني أستحي من ربي عز وجل؛ من كم أرجع إليه؟ [ولكن أرضى وأسلم: (حم خ)]. فـ[لما نفذت: (حم)] نودي (وفي رواية : نادى منادٍ: [حم خ]): أن قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي بالحسنة عشر أمثالها)).
أخرجه أحمد (4/207 - 210)، والسياق له في إحدى رواياته من طريق هشام الدستوائي، والبخاري (3207 و3393 و3430 و3887)، ومسلم(264 و265)، وابن جرير (15/3).
واعلم أن الرواة قد اختلفوا على قتادة في ترتيب ما بعد السماء السابعة من الآيات؛ ففي رواية الدستوائي منهم - وهو أوثقهم - جعلها على الترتيب الآتي كما سبق:
1- البيت المعمور.
2- الأواني.
3- السدرة.
4- الأنهار.
أما رواية همام - وهو ثقة ربما وهم عند ابن حجر - فقد رتبتها هكذا:
1- السدرة.
2- الأنهار.
3- البيت المعمور.
4- الأواني.
وهي رواية البخاري. وفي أخرى عنده عَنْهُ خلافها؛ لكنه قرن معه سعيداً وهشاماً، فذكر البيت المعمور أولاً، ثم السدرة ثم الأنهار، ولم يذكرني الأواني، ويغلب على الظن أنها رواية سعيد - وهو ابن أبي عروبة - لموافقتها لرواية سعيد عند أحمد (4/210)؛ لكن هذه عند مسلم مطابقة تماماً لرواية الدستوائي في الترتيب؛ لكنها لم تذكر السدرة.
3 - أما رواية أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة؛ فقد رواه عنه ثابت البناني، وشريك بن أبي نمر؛ كما تقدم:
أ - أما رواية ثابت ؛ فقال: عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((اُتيت بالبراق - وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه - قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يَرْبط به الأنبياء.
قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت.
فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر ، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت َالفطرة( ).
ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: ومن أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال:محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه.( ) ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحّب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: ومن أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرسل إليه. قال: ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحّبا ودَعوا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل : ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أُرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف عليه السلام، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت: قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرسل إليه، ففتح الباب، فإذا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم قال: يقول الله عز وجل: ﴿ورفعناه مكاناً عليّاً﴾[مريم/57].
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل:وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى عيه السلام، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم، وإذا هو مستند( وفي رواية: مسندٌ ظهره) إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها وفي رواية: ينعتها) من حسنها.
قال: فأوحى الله عز وجل إلي ما أوحى، وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلتُ حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، وغني قد بلوتُ بني إسرائيل وخبرتهم.
قال: فرجعت إلى ربي عز وجل، فقلت: أيْ ربّ خفف عن أمتي. فحطّ عني خمساً.
فرجعت إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ قلت: حط عني خمساً. قال: إن أمتك لا تطيق ذلك ، فأرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، ويحط عني خمساً خمساً، حتى قال: يا محمد! هن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة.
ومن همّ بحسنة فلم يعملها؛كتبت [له] حسنة، فإن عملها كتبت [له] عشراً. ومن همّ بسيئة فلم يعملها؛ لم تكتب شيئاً فإن عملها كتبت سيئة واحدة.

[قال: ] فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [فقلت:] لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحييت [منه])).
أخرجه أحمد (3/148)، والسياق له، ومسلم (259) من طريق حماد بن سلمة: أنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ... فذكره.
والروايات الأخرى مع الزيادات لمسلم.
وفي رواية لأحمد (3/152 و247) من الوجه المذكور عنه: أنه قرأ هذه الآية : ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( أعطيت الكوثر، فإذا هو نهر يجري، ولم يُشقّ شقّاً ، فإذا حافتاه قبابُ اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى تربته؛ فإذا هو مسكة ذَفرَة، وإذا حصاه اللؤلؤ)).
وهذا طرف من حديث المعراج كما يأتي في بعض الطرق، ولذلك أوردته.
وفي رواية عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني وسليمان التيمي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((أتيت (وفي رواية: مررت) على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي على قبره)).
أخرجه مسلم(164)، والنسائي في ((قيام الليل))، وأحمد (3/148 و248).
(فائدة): قال الحافظ ابن كثير - بعد أن ساق الحديث بطول من رواية أحمد - :
((رواه مسلم بهذا السياق، وهو أصح من سياق شريك (يعني الآتي قريباً) . قال البيهقي: وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية)).
ورواه النسائي في أول ((الصلاة)) من طريق أخرى عن البناني عنه:
((أن الصلوات فرضت بمكة، وأن ملكين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبا به إلى زمزم، فشقا بطنه وأخرجا حشوه في طست من ذهب فغسلاه بماء زمزم، ثم كبسا جوفه حكمةً وعلماً)).
وسنده صحيح.
ب - أما رواية شريك بن أبي نمر؛ فقال: سمعت أنس بن مالك يقول: (وفي رواية: يحدثنا عن) ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من من مسجد الكعبة:
أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم. فقال أحدهم: خذوا خيرهم.
فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، و[النبي صلى الله عليه وسلم ] تنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل.
فشق جبريل ما بين نحره إلى لبّته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوّاً إيماناً وحكمة، فحسا به صدره ولغاديده - يعني : عروق حلقه - ثم أطبقه.
[ثم ركب البراق، فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس، فصلى فيه بالنبيين والمرسلين إماماً (جرير)]( ).

ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب باباً من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: فمرحباً به وأهلاً. فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يُعلمهم.
فوجد في السماء الدنيا آدم. فقال له جبريل: هذا أبوك فسلم عليه. فسلم عليه وردّ عليه آدم وقال: مرحباً وأهلاً يا بني! نعم الابن أنت.
فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطّردان، فقال: ((ما هذا النهران يا جبريل؟)). قال: هذان النيل والفرات: عنصرهما .
ثم مضى به في السماء، فإذا بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر. قال: ((ما هذا يا جبريل؟ )). قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.
ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت الأولى: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟

قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به وأهلاً.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية.
ثم عرج به إلى الرابعة ، فقالوا له مثل ذلك .
ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك .
ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك .
ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك . كلّ سماء فيها أنبياء قد سماهم، فأوعيت منهم إدريس في الثانية.
وهارون في الرابعة.
وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه.
وإبراهيم في السادسة.
وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: ربّ! لم أظن أن يرفع علي أحد.
ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله .
حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربّ العزة فتدلّى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى.
فأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة،
ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة)). قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم. فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار فقال - وهو مكانه - : ((يا ربّ! خفّف عني فإن أمتي لا تستطيع هذا)). فوضع عنه عشر صلوات.
ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردّده موسى إلى ربه؛ حتى صارت إلى خمس صلوات.
ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد! والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفف عنك ربك.
كلّ ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل.
فرفعه عند الخامسة فقال: ((يا ربّ! إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم؛ فخفف عنا)). فقال الجبار: يا محمد! قال: لبيك وسعديك! قال: إنه لا يبدل القول لدي؛ كما فرضت عليك في الكتاب. قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك .
فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفف عنا؛ أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها)).
قال موسى: قد - والله - راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضاً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا موسى! قد - والله - استحييت من ربي مما اختلفت إليه)).
قال: فاهبط باسم الله.
قال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام.
أخرجه البخاري(3570 و7517)، ومسلم (262)، والرواية الثانية له، وهي رواية للبخاري، وفيها الزيادة، ولم يسق مسلم الحديث إلا طرفه الأول إلى قوله: ((وهو نائم في المسجد الحرام)). وقال عقبه:
((وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدم فيه شيئاً وأخر، وزاد ونقص)).
ورواه ابن جرير أيضاً (15/3 - 5)؛ لكن وقع في متنه اختلاف، إنه ذكر نهري الفرات والنيل في السماء الثانية، ونهر الكوثر في السماء الثالثة، بينما هي عند البخاري في السماء الدنيا ولعل هذا الاختلاف هو من شريك نفسه، فإنه وإن كان من رجال الشيخين؛ فقد تكلموا في حفظه؛ كما تراه مبسوطاً في كتب الرجال، وقال الحافظ فيه في((التقريب)): ((صدوق يخطئ)).
ومِصْداق ذلك في هذا الحديث نفسه في مواضع منه، ذكرت آنفاً أحدها، ويأتي ذكر سائرها أو بعضها، وكأنه لذلك لم يسق الإمام مسلم لفظ حديثه كما تقدم، ولذا قال ابن كثير في ((التفسير)):
((وهو كما قال مسلم، فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه، ولم يضبطه؛ كما سيأتي بيانه في الأحاديث الأخر، ومنهم من يجعل هذا مناماً توطئة لما وقع بعد ذلك. والله أعلم.
وقد قال الحافظ البيهقي: ((في حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى عز وجل. يعني: قوله:
((ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾)).
قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته صلى الله عليه وسلم جبريل أصح)).
وهذا الذي قاله البيهقي رحمه الله في هذه المسألة هو الحق؛ فإن أبا ذر قال: يا رسول الله! هل رأيت ربك؟ قال: ((نور أنى أراه؟!)). وفي رواية: ((رأيت نوراً)). أخرجه مسلم.
وقوله: ﴿ثم دنا فتدلي﴾: إنما هو جبريل عليه السلام ؛ كما ثبت في ((الصحيحين)) عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك و في ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا)). انتهى كلام ابن كثير.
قلت: وانظر كتابي ((ظلال الجنة في تخريج كتاب السنة)) (1/191).
ومن ذلك قول شريك في أول الحديث: ((قبل أن يوحي إليه)). قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (13/480):
((أنكره الخطابي وابن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي. وعبارة النووي: وقع في رواية شريك - يعني: هذه - أوهام أنكرها العلماء؛ أحدها: قوله: ((قبل أن يوحي إليه))، وهذا غلط لم يوافق عليه. وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي؟! انتهى.

وصرح المذكورون بأن شريكاً تفرد بذلك، وفي دعوى التفرد نظر! فقد وافقه كثير بن خُنيس - بمعجمة ونون مصغر - عن أنس؛ كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في ((كتاب المغازي)) من طريقه)). انتهى كلام ابن حجر.
قلت: وهذه المتابعة لا تدفع غلط القول المذكور؛ إلا على افتراض أن ذلك كان في الليلة الأولى، وهو الظاهر من السياق، فقوله بعده: ((حتى أتوه ليلة أخرى)) ليس فيه ذلك؛ فإنه لم يعين المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أُوحي إليه، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج، وبهذا جزم الحافظ في ((الفتح)) (13/480)، وردّ به قول من ادعى أنه خالف الإجماع. فراجعه.
ثم أفاض الحافظ في ذكر المواضع التي خالف فيها شريك غيره، فبلغت عشرة بل أكثر، وأجاب عنها واحدة بعد أخرى؛ إما بدفع دعوى التفرد ؛ وإما بالتأويل.
والحق أن بعض ذلك مما لا جواب عليه حتى عند الحافظ؛ كقوله:
((الرابع: مخالفته في محل سدرة المنتهى، وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلا الله . والمشهور أنها في السابعة أو السادسة كما تقدم.
الخامس : مخالفته في النهرين؛ وهما النيل والفرات، وأن عنصرهما في السماء الدنيا. والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة، وأنهما من تحت سدرة المنتهى.
السابع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة؛ كما تقدم التنبيه عليه.
الثامن: نسبة الدنو والتدلي إلى الله عز وجل، والمشهور في الحديث أنه جبريل؛ كما تقدم التنبيه عليه.
الحادي عشر: رجوعه صلى الله عليه وسلم بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى عليه السلام أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع.
الثاني عشر: زيادة ذكر التور في الطست.
قلت:ولذلك؛ فإن القلب لا يطمئن للاستفادة من حديث إلا فيما توبع عليه، وهو قليل جداً، وقد حسن الحافظ بعضهما. والله أعلم.

ثم إن لحديث أنس طرقاً أخرى؛ أكثرها مختصر، وبعضها فيه بعض الطول، فلنسقها إيضاً لنتكلم عن أسانيدها ، ثم نلتقط منها فوائدها وزوائدها إذا كانت على شرطنا.
الأولى: عن قتادة عنه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بالبراق ليلة أسري به مُلجماً مُسرجاً، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟! فما ركبك أحدٌ أكرم على الله منه.
قال: فارْفَضَّ عرقاً.
أخرجه أحمد(3/164)، والترمذي (3131)، وابن جرير (15/15)، وإسناده صحيح، وقال الترمذي:
((حديث حسن غريب)).
وعن قتادة عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((رُفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة، نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل! ما هذان؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة؛ وأما الظاهران فالنيل والفرات)).

أخرجه أحمد (3/164): ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن قتادة.
قلت: وهذا إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد علقه البخاري في ((صحيحه)) (5610) فقال: وقال إبراهيم بن طهمان عن شعبة عن قتادة به ، وزاد:
((فأتيت بثالثة أقداح : قدح فيه لبن ، وقدح فيه عسل، وقدح فيه خمر، فأخذت الذي فيه اللبن فشربت، فقيل لي: أصبت الفطرة أنت وأمتك)).
وقال الحافظ(10/73):
((وصله أبو عوانة والإسماعيلي والطبراني في ((الصغير)) من طريقه، ووقع لنا بعلو في ((غرائب شعبة)) لابن منده، قال الطبراني: لم يروه عن شعبة إلا إبراهيم بن طهمان، تفرد به حفص بن عبد الله النيسابوري عنه)).
قلت: وهو ثقة من شيوخ البخاري، وكذا من فوقه ثقات فالسند صحيح.
وفي رواية للبخاري (4964)، وأحمد (3/207) من طريق شيبان: حدثنا قتادة عنه رضي الله عنه قال:
لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: (( (وفي راوية : بينا أنا أسير في الجنة حم 3/207) أتيت على نهر حافتاه قباب( وفي رواية حُميد 3/263 : خيام) اللؤلؤ (وفي الرواية الأخرى: الدرا) المجوّف. فقلت: ما هذا يا جبريل؟! قال: هذا الكوثر [الذي أعطاك ربك عز وجل. قال: فضربت بيدي فيه(وفي رواية ثالثة: فأهوى الملك بيده)، فإذا طينه المسك الأذفر، وإذا رضراضه اللؤلؤ] )).
والرواية الأخرى للبخاري أيضاً (6581) ، وكذا أحمد (3/191 و207 و289)، والزيادة له في رواية (3/231 و232)، وهي في الرواية الأخرى للبخاري وأحمد دون قوله: ((رضراضه اللؤلؤ)).
وأما الرواية الثالثة؛ فهي في رواية شيبان عند أحمد.
وفي أخرى له (3/232) : ((قال الملك الذي معي: أتدري ما هذا؟ هذا الكوثر الذي أعطاك ربك. فضرب بيده إلى أرضه، فأخرج من طينه المسك)).
ولم يستحضر الحافظ بن حجر هاتين الروايتين من ((المسند))؛ فعزا في ((الفتح)) (8/732) الأولى منهما للبيهقي فقط!
الثانية: عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عنه قال:
لما جاء جبريل عليه والسلام بالبراق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكأنها ضربت بذنبها، فقال لها جبرئيل: مه يا براق! فوالله؛ إن ركبك مثله!
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو بعجوز ناء عن الطريق( أي على جنب الطريق. قال أبو جعفر: ينبغي أن يقال: نائية، ولكن أسقط منها التانيث)، فقال: ((ما هذه يا جبرئيل؟)). قال: سر يا محمد!
فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا شيء يدعوه متنحياً عن الطريق يقول: هلم يا محمد! قال جبرئيل: سر يا محمد!
فسار ما شاء الله أن يسير.
قال: ثم لقيه خلق من الخلائق، فقال أحدهم: السلام عليك يا أول! والسلام عليك يا آخرَ! والسلام عليك يا حاشر! فقال له جبرئيل: اردُدِ السلام يا محمد ! قال: فرد السلام.
ثم لقيه الثاني، فقال له مقالة الأول، [ثم الثالث كذلك]( ).

حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء واللبن والخمر، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن، فقال له جبرئيل: أصبت يا محمد ! الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك.
ثم بُعث له آدم فمن دونه من الأنبياء، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة.
ثم قال له جبرئيل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق؛ فلم يبق من الدنيا إلا بقدر ما بقي من عمر تلك العجوز.
وأما الذي أراد أن تميل إليه؛ فذاك عدوّ الله إبليس؛ أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك؛ فذاك إبراهيم وموسى وعيسى.
أخرجه ابن جرير (15/6)، والبيهقي في ((الدلائل))؛ كما في ((تفسير ابن كثير)) (3/5)، وقال:
((وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة)).
قلت: وعلته عبد الرحمن بن هاشم هذا، فإني لم أجد من ترجمه. ومن طريقه أورده السيوطي في ((الخصائص)) (1/387) برواية ابن مردويه أيضاً في ((التفسير)) ، والبيهقي.

الثالثة عن يزيد بن أبي مالك قال: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل عليه السلام.
فسرتُ، فقال: انزل فصلّ. ففعلت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر.
ثم قال: انزل فصلّ. فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بـ(طور سيناء) حيث كلم الله عز وجل موسى عليه السلام.
ثم قال: انزلْ فصلّ. فنزلت فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بـ(بيت لحم) حيث ولد عيسى عليه السلام.
ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء عليه السلام، فقدمني جبريل حتى أممتهم.
ثم صعد بي إلى السماء الدنيا... (قلت: فذكر السماوات السبع والأنبياء الذين فيهم، ثم قال):
ثم صعد بي فوق سبع سماوات، فأتينا سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة ، فخرت ساجداً، فقيل لي: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك.
فرجعت إلى إبراهيم، فلم يسألني عن شيء.
ثم أتيت على موسى فقال: كم فرض الله عليك وعلى أمتك؟قلت: خمسين صلاة. قال: (قلت: فذكر أمر موسى إياه بمراجعة ربه ليخفف عنه على نحو ما تقدم؛ حتى ردّت إلى خمس صلوات، ثم قال: ).
قال: فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين فما قاموا بهما.
فرجعت إلى ربي عز وجل، فسألته التخفيف، فقال إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك. فعرفت أنها من الله صرّى.
فرجعت إلى موسى عليه السلام فقال: ارجع.
فعرفت أنها من الله تبارك وتعالى صرّى( أي: حتم)، فلم أرجع)).
أخرجه النسائي.
ويزيد - هو ابن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي - صدوق ربما وهمن يرويه عنه سعيد بن عبد العزيز - وهو التنوخي الدمشقي - وهو ثقة إمام، ولكنه اختلط في آخر عمره؛ كما في ((التقريب))، ولذلك قال ابن كثير في هذه الطريق:
((فيها غرابة ونكارة جدّاً)).
وقد تابعه خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن أنس، فذكر أوله إلى: ((طرفها))، وقال:
فلما بلغ بيت المقدس؛ وبلغ المكان الذي يقال له : باب محمد صلى الله عليه وسلم؛ أتى إلى الحجر الذي ثمة، فغمزه جبريل بإصبعه فنقبه، ثم ربطها.
ثم صعد، فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل: يا محمد! هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ فقال: نعم)) فقال: انطلق إلى أولئك النسوة؛ فسلم عليهن وهن جلوس عن يسار الصخرة.
قال: ((فأتيتهن فسلمت عليهن، فرددت السلام، فقلت: من أنتن؟ فقلن: نحن خيّرات حسان، نساء قوم أبرارا، نُقّوا فلم يدرَنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلّداوا فلم يموتوا.
قال: ثم انصرفت، فلم ألبث إلا يسيراً؛ حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن، وأقيمت الصلاة.
قال: فقمنا صفوفاً ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل عليه السلام، فقدمني، فصليت بهم.
فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد ! أتدري من صلى خلفك؟ قال: قلت: لا. قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله عز وجل.
قال: ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي إلى السماء (قلت: فذكر عروجه إلى السماوات ولقاءه الأنبياء فيها بنحو ما سبق ثم قال: ).
ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير خضر؛ أنعم طير رأيت فقلت يا جبريل! إن هذا الطير لناعم. قال: يا محمد! أتدري أي نهر هذا؟ قال: قلت: لا. قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه . فإذا فيه آنية الذهب والفضة، يجري على رضراص من الياقوت والزمرّد، ماؤه أشد بياضاً من اللبن.
قال: فأخذت من آنيته آنية من الذهب، فاغترفت من ذلك الماء فشرب، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك.
ثم انطلق بي حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني سحابة فيها من كل لون، فرفضني جبريل، وخررت ساجداً لله عز وجل، فقال الله لي: يا محمد! إني يوم خلقت السماوات والأرض... )) (قلت: فذكر الحديث بنحو حديث ابن عبد العزيز إلى خمس صلوات، وأنهن خمس بخمسين، ثم قال: )
قال: ثم انحدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ((ما لي لم آت أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا لي غير رجل واحد فسلمت عليه فرد علي السلام، ورحب بي ولم يضحك لي؟ قال يا محمد! ذاك مالك خازن جهنم ؛ لم يضحك منذ خلق، ولو ضحك إلى لضحك إليك)).
قال: ثم ركب منصرفاً ، فبينما هو في الطريق مرّ بعير لقريش تحمل طعاماً ؛ منها جمل عليه غرارتان: غرارة سوداءة وغرارة بيضاء ، فلمّا حاذى بالعير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر.

ثم إنه مضى؛ فأصبح فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله؛ أتوا أبا بكر فقالوا: يا أبا بكر! هل لك في صاحبك؟! يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ورجع في ليلته؟! فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن كان قاله فقد صدق، وإنا لنصدّقه فيما هو ابعد من هذا؛ لنصدقه على خبر السماء.
فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما علامة ما تقول؟
قال: ((مررت بعير لقريش وهي في مكان كذا وكذا، فنفر الإبل منا واستدارت، وفيها بعير عليه غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فصُرع فانكسر)).
فلما قدمت العير سألوهم، فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك سمي أبو بكر: الصديق.
وسألوه وقالوا: هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى ؟ قال: ((نعم)). قالوا: فصفهم لنا. قال:
((نعم؛ أما موسى فرجل آدم؛ كأنه من رجال أزد (عمان)، وأما عيسى؛ فرجل ربعةٌ سَبِط، تعلوه حمرة، كأنما يتحادر من شعره الجُمان)).

أخرجه ابن أبي حاتم كما في ((تفسير ابن كثير))، وقال: ((هذا سياق فيه غرائب عجيبة)).؟
قلت: وآفته خالد بن يزيد، فإنه ضعيف مع كونه فقيهاً وقد اتهمه ابن معين كما في ((التقريب)).
الرابعة: عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( [لما] انتهيت إلى السدرة [المنتهى]، فإذا نبقها مثل الجرار وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتاً أو زمرداً أو نحو ذلك)).
أخرجه أحمد (3/128): ثنا محمد بن أبي عدي عن حميد به.
قلت: وهذا إسناده ثلاثي صحيح على شرط الشيخين.
وكذا رواه بن أبي عاصم في ((السنة)) (591 - بتحقيقي) والزيادتان له، وابن جرير (27/53).
وهذه الطريق مما فات على الحافظ ابن كثير، ثم السيوطي!
ثم روى أحمد (3/103) بإسناده المذكور عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( دخلت الجنة؛ فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك أذفر.
قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله)).
ثم أخرجه (3/115 - 116 و263) من طريقين آخرين عن حميد به.
الخامسة: عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك قال:
فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً، ثم نودي: يا محمد! إنه لا يبدّل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين.
أخرجه أحمد (3/161)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
السادسة: عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك[ عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( مررت - ليلة أسري بي - على موسى، فرأيته قائماً يصلي في قبره)).
أخرجه أحمد (3/120)، ومسلم (2375) ، والنسائي في ((قيام الليل))، والزيادة له في رواية، وكذا أحمد (5/59 و362 و365)، والبغوي في ((شرح السنة)) (3760).
وهو عندهم في رواية مقرون مع رواية ثابت البناني، وقد مضت (ص23).
(تنبيه): وقد غمز في صحة الحديث الدكتور خليل الهراس رحمه الله في تعليقه على ((الخصائص الكبرى)) بقوله (1/389):
((وقد اضطربت رواية هذا الحديث عن أنس؛ فمرة يروى مرفوعاً، ومرة موقوفاً ، ومرة يرويه أنس عن غيره من الصحابة والله أعلم)).
قلت: ومع اعترافي بعلم الدكتور وفضله رحمه الله ؛ أراني مضطراً إلى أن أقول: إن هذا الإعلال لا يمت بصلة إلى هذا العلم الشريف، فإن كون أنس يرويه - أو يروى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون واسطة تارة، وبالواسطة تارة؛ ليس بعلة عند أهل العلم بالحديث مطلقاً؛ لأنه إن كان لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الظاهر - فهو مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة حجة والصحابي الذي حدثه وإن لم يسمّ فهو ثقة؛ لأن الصحابة كلهم عدول.
وأما أنه يروى مرة موقوفاً؛ فهو مجرد دعوى، فإنه يشير بذلك إلى ما ذكره السيوطي - عقب حديث مسلم - من رواية أبي يعلى والبيهقي عن أنس قال: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
(( أن النبي صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به - مرّ على موسى وهو يصلي في قبره، قال: وذكر لي انه حمل على البراق، قال: ((فأوثقت الفرس - أو قال: الدابة - بالحلقة( ) )). فقال أبو بكر: صفها لي يا رسول الله! فقال: 00 هي كذه وذه)). قال: وكان أبو بكر قد رآها.
قلت: فلقوله في هذه الرواية: إن النبي صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به - مر ... إلخ؛ توهّم الدكتور أنه موقوف، وهذا أبعد ما يكون عن الصواب؛ لأنه مرفوع وإن لم يقل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه يتحدث عنه صلى الله عليه وسلم ؛ كأحاديث المناهي والشمائل وغيرها، فهل يقول أحد عنها: إنها موقوفة؟!
السابعة والثامنة: عن راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لما عرج بي ربي عز وجل؛ مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم)).
أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في ((الصحيحة)) (533)، وفيه الرد على من أعله بالإرسال.
التاسعة: عن علي بن زيد بن جدعان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( رأيت - ليلة أسري بي - رجالاً تُقرضُ شفاههم بمقاريض من نار. فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟
قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب؛ أفلا يعقلون؟!)).
أخرجه أحمد (3/120 و180 و231 و239)، والبغوي في ((شرح السنة)) (4159) من طريق حماد بن سلمة عنه، وقال البغوي: ((حديث حسن )).
قلت: وهو كما قال أو أعلى؛ فإن له طرقاً أخرى بعضها جيد كما سيأتي، وابن جدعان ضعيف.
لكنه قد توبع؛ فقد ذكره السيوطي في ((الخصائص)) (1/389)
- من رواية ابن مردويه - من طريق قتادة وسليمان وثمامة وعلي بن زيد عن أنس به. ولم يتكلم عليه بشيء كعادته، وأما الدكتور الهراس؛ فعلق عليه بقوله:
((هذا ثابت عن أنس من طرق كثيرة؛ فقد رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) .... وعبد بن حميد في ((مسنده)) و((تفسيره)) ... وابن مردويه في ((تفسيره)) ... عن حماد بن سلمة به عن علي ابن زيد عن أنس)).
هذا خلاصة تخريجه، وليس يخفى على البصير؛ أن هذه الطرق إنما هي عن حماد بن سلمة وليست عن أنس، فقوله: ((فقد رواه الإمام أحمد..)) إلخ بعد قوله: ((طرق كثيرة)) خطأ ظاهر.
وأمّا الطرق الكثيرة؛ فهي في رواية ابن مردويه التي ذكرها السيوطي؛ إن صح السند إليا، وما أظن ذلك؛ لا سيما والحافظ ابن كثير لم يذكر من رواية ابن مردويه إلا طريق ابن جدعان لكنه ذكر ما يأتي وهي:
العاشرة: من روايته، وكذا ابن حبان في ((صحيحه)) (رقم 35 - موارد) ، وابن أبي حاتم من حديث هشام الدستوائي عن المغيرة - يعني: ابن حبيب، خَتَن مالك بن دينار - عن مالك ابن دينار عن ثمامة عن أنس به.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات معروفون؛ غير المغيرة هذا، وقد روى عنه جمع من الثقات - غير هشام - تراهم في ((الجرح)) (8/220/991)، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، فالحديث بهذه الطريق صحيح. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وقد أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/276) باللفظ المتقدم، وقال:
((وفي رواية : تقرض ألسنتهم بمقاريض من نار، أو قال: حديد.
وفي رواية: أتيت على سماء الدنيا ليلة أسري بي، فرأيت فيها رجالاً تقطع ألسنتهم وشفاههم.. فذكر نحوه.
رواها كلّها أبو يعلى، والبزار ببعضها، والطبراني في ((الأوسط))، وأحد أسانيد أبي يعلى رجاله رجال (الصحيح) )).
وفاته أن الرواية الأولى عند أحمد أيضاً.
الحادية عشرة: رواه كثير بن سليم: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( ما مررت ليلة أسري بي بملأ إلا قالوا: يا محمد! مُرْ أمتك بالحجامة)).
أخرجه ابن ماجة (3479): حدثنا جُبارة بن المغلّس: ثنا كثير به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، لضعف جبارة وكثير؛ لكن له شواهد من حديث ابن عباس وابن مسعود يتقوى بها، فانتظرها( ).
الثانية عشرة: عن سليمان بن المغيرة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((عرج بي الملك ، قال:
ثم انتهيت إلى السدرة، وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ورقها وثمرها، قال: فلما عشيها من أمر الله ما غشيها ؛ تحولت حتى ما يستطيع أحدٌ أن يصفها)).
أخرجه ابن جرير (27/54) بسند صحيح على شرط البخاري.

3 - حديث أُبي بن كعب
تقدم حديثه من رواية ابن شهاب عن أنس عنه، وأنه وهم من بعض الرواة تحرف عليه (أبو ذر) إلى أبي بن كعب).
وأخرج ابن مردويه من طريق عبيد بن عمير عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لما أسري بي رأيت الجنة من درة بيضاء، قلت: يا جبرائيل! إنهم يسألوني عن الجنة؟ قال: فأخبرهم أن أرضها قيعان، وترابها المسك)).
ذكره السيوطي في ((الخصائص)) (1/392)، وسكت عليه كعادته!
وعبيد بن عمير - هو الليثي - تابعي ثقة، وإنما النظر فيمن دونه.
ثم ذكره من رواية ابن مردويه أيضاً من طريق قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب مرفوعاً بلفظ:
((ليلة أسري بي وجدت ريحاً طيبةً، فقلت: يا جبريل! ما هذه؟ قال: هذه الماشطة وزوجها وابنتها، بينا هي تمشط ابنة فرعون؛ إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعِس فرعون فأخبرت أباها؛ فقتلها)).
وسكت عن إسناده أيضاً.
لكن له شاهد من حديث ابن عباس يتقوى به، وسيأتي تحت حديثه إن شاء الله تعالى.

4 - حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي
يرويه أبو تُميْلَةَ عن الزبير بن جنادة عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لما كان ليلة أسري بي، قال: فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس، قال: فوضع أصبعه فيها، فخرقها ، فشدبها البراق)).
أخرجه الترمذي (3132)، وابن حبان (34 - موارد)، والحاكم (2/360)، والبزار - والسياق له - وقال:
((لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا أبو تميلة، ولا نعلم هذا الحديث إلا عن بريدة)).
قلت: وقال الترمذي: ((حديث غريب))؛ أي : ضعيف، ولعل ذلك من أجل الزبير بن جنادة ، فإنه لم يوثقه أحد غير ابن حبان؛ وتساهله في التوثيق معروف، وقال أبو حاتم: ((شيخ ليس بالمشهور)). وكأنه لذلك قال الحافظ في ((التقريب)): (مقبول). وأما الذهبي فإنه قال في ((الميزان)):
((ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخطأ من قال: فيه جهالة ولولا ابن الجوزي ذكره لما ذكرته)).
وكأنه لذلك وافق الحاكم على قوله عقب الحديث:
((صحيح الإسناد ، وأبو تميلة والزبير مروزيّان ثقتان))!
ولم تطمئن النفس لصحة هذا الحديث؛ لعدم شهرة الزبير هذا؛ ولأنه خلاف ما تقدم في حديث ثابت عن أنس الصحيح بلفظ:
(((فربطه بالحلقة التي يربط بها الأنبياء)).
وله بعض الشواهد كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وتكلف الزرقاني في ((شرح المواهب اللّدُنيّة)) - تبعاً لأصله(6/49) - في الجمع بين الحديثين، فلا داعي لذكره.

5 - حديث جابر بن عبد الله الأنصاري
يرويه ابن شهاب: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن : سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
((لما كذبتني قريش [حين أسري بي إلى بيت المقدس] قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه)).
أخرجه أحمد (3/377)، والبخاري (3886 و4710)، ومسلم (276)، والترمذي (3133)، وصححه ، والبغوي (3762).
والزيادة لأحمد، وعلقها البخاري في رواية، وقال الحافظ (8/392):
(وصله الذهلي في ((الزهريات))، وأخرجه قاسم بن ثابت في ((الدلائل)) من الطريق ذاته، ولفظه:
جاء ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك! يزعم أنه أتى بيت المقدس، ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟! قال أبو بكر: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لقد صدق)).

وعزاه في مكان آخر (7/199) للبيهقي في ((الدلائل)) أيضاً بلفظ: ((قال نعم؛ إني أصدقه بأبعد من ذلك ؛ أصدقه بخبر السماء. قال: فسُمّي بذلك الصديق)).
وروى عبد الكريم الجزري عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((ليلة أسري بي مررت على جبريل في الملأ الأعلى؛ كالحلس البالي من خشية الله عز وجل)) .
أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (621 - بتحقيقي) وغيره بإسناد جيد، وهو مخرج في ((الصحيحة)) (2289)، وعزاه السيوطي (1/393) لابن مردويه والطبراني في ((الأوسط))، وصحح إسناده، وزاد في ((الدر)) (4/152) فقال:
((وفي لفظ لابن مردويه: ((مررت على جبريل في السماء الرابعة؛ فإذا هو كأنه حِلس بالٍ من خشية الله ) )).

6 - حديث حذيفة بن اليمان
يرويه عاصم ابن بهدلة عن زرّ بن حُبيش عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل [ الظهر ممدوة هكذا: (ت) ]، يضع حافره عند منتهى طرفه، فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس.
ففتحت لنا أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار [ووعد الآخرة أجمع: (حم) ] )).
[ثم عادا عودهما على بدئهما : (حم) ] .
قال حذيفة : ولم يصلّ في بيت المقدس.
قال زر: فقلت له : بلى قد صلى.
قال حذيفة: ما اسمك يا أصلع؟ فإني أعرف وجهك ولا أعرف اسمك!
فقلت: أنا زر بن حبيش.
قال: وما يدريك أنه قد صلى؟!
قال: فقلت: يقول الله عز وجل: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنُريه من آياتنا إنه هو السميع البصيرُ﴾.
قال: فهل تجده صلى؟ لو صلّى لصليتم فيه كما تصلون (وفي رواية: لو صلى فيه لكتبت عليكم الصلاة فيه كما كتبت الصلاة: [ت] ) في المسجد الحرام.
قال زر: وربط الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء عليهم السلام.
قال حذيفة: أو كان يخاف أن تذهب منه وقد أتاه الله بها؟! (وفي رواية: ثم ضحك حتى رأيت نواجذه، قال: ويحدثون أنه ربطه! لمَ؟! أيفرّ منه ؟! وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة!: [حم] ) .
أخرجه أحمد (5/387 و392و394)، والترمذي (3147)،وابن حبان (33)، والحاكم (2/359)، وصححوه،ووافقهم الذهبي، وإنما هو حسن فقط للخلاف المعروف في عاصم ابن بهدلة، وهو في ((الصحيحة)) (874).
ورواه ابن أبي شيبة، والنسائي، وابن مردويه، والبيهقي؛ كما في ((الخصائص)) (1/393)، وابن جرير أيضاً (15/15 - 16).
والنسائي إنما رواه في ((الكبرى))؛ ولم تطبع بعد، ومنه أجزاء في ظاهرية دمشق؛ أحدها في ((التفسير))، وفيه أخرجه كما في ابن كثير.
واعلم أن في حديث حذيفة هذا عبرةً بالغة؛ وهي أن الصحابي قد يقول برأيه ما يخالف الواقع المروي عند غيره، من أجل ذلك كان من المتفق عليه بين العلماء: أن المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فنفي حذيفة رضي الله عنه لصلاته صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس؛ وربط البراق بالحلقة مما لا قيمة له مع إثبات غير واحد من الصحابة لذلك، وهو عمدة زر رحمه الله في معارضة حذيفة فيما نفاه، ولهذا قال ابن كثير:
((وهذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنه! وما أثبته غيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربط الدابة بالحلقة ؛ ومن الصلاة ببيت المقدس - مما سبق وما سيأتي - مقدَّم على قوله)).

7 - حديث شداد بن أوس
يرويه إسحاق بن إبراهيم بن الضحاك الزبيدي:
حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سلام الأشعري عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي: حدثنا الوليد بن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: حدثنا شداد بن أوس قال:
قلنا: يا رسول الله! كيف أسري بك؟ قال:
((صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتماً، فأتاني جبريل عليه السلام بدابة أبيض - أو قال: بيضاء - فوق الحمار ودون البغل، فقال: اركب، فاستصعب علي، فرازها( ) بأذنها، ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا؛ يقع حافرها حيث انتهى طرفها.
حتى بلغنا أرضاً ذات نخل فأنزلني، فقال: صلِّ. فصليت ثم ركبت، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بـ(يثرب)؛ صليت بـ(طيبة).
فانطلقت تهوي بنا؛ يقع حافرها عند منتهى طرفها.
ثم بلغنا أرضاً، قال: انزل. ثم قال: صلِّ. فصليت ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بـ(مَدْيَن) عند شجرة موسى.
ثم انطلقت تهوي بنا؛ يقع حافرها حيث أدرك طرفها.
ثم بلغنا أرضاً؛بدت لنا قصور، فقال: انزل. فنزلت، فقال: صلّ. فصليت.
ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بـ(بيت لحم) حيث ولد عيسى ا لمسيح ابن مريم.
ثم انطلق بنا حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني( ) فأتى قبلة المسجد، فربط فيه دابته.
ودخلنا المسجد من باب تميل فيه( ) الشمس والقمر
فصليت من المسجد حيث شاء الله.
وأخذني من العطش ما أخذني، فأُتيت بإناءين؛ في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، أُرسل إليّ بهما جميعاً، فعدلت بينهما، ثم هداني الله عز وجل؛ فأخذت اللبن، فشربت حتى عرقت به جبيني( ) وبين يديّ شيخ متكئ على مثواة( ) له، فقال: أخذ صاحبك الفطرة؛ إنه ليهدى.
ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنم تتكشف عن مثل الزرابي( )، قلت: يا رسول الله! كيف وجدتها؟ قال: وجدتها مثل الحمة المسخنة.
ثم انصرف بي، فمررنا بعيرٍ لقريش بمكان كذا وكذا، قد أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان، فسلمت عليهم. فقال: بعضهم هذا صوت محمد.
ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر، فقال: يا رسول الله! أين كنت الليلة؟ فقد التمستك في مظانك؟! فقال: علمتَ أني أتيت بيت المقدس من الليلة؟ فقال: يا رسول الله! إنه مسيرة شهر؛ فصفه لي.
قال: ففتُح لي صراط كأني أنظر إليه، لا يسألني عن شيء إلا أنبأته به. فقال أبو بكر: أشهد إنك لرسول الله. فقال المشركون انظروا إلى ابن أبي كبشة؛ يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة!
قال: فقال: إن من آية ما أقول لكم: أني مررت بعيرٍ لكم في مكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيراً لهم، فجمعه لهم فلاناً وأن مسيرهم ينزلون بكذا ثم كذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدُمهم جمل آدم، عليه مسحٌ أسود؛ وغرارتان سوداوان)).
فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين كان من قريباً من نصف النهار، حتى أقبلت العير؛ يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ذكره الحافظ ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم في ((تفسيره))، والبيهقي؛ وقال: ((هذا إسناد صحيح، وروي ذلك مفرقاً من أحاديث غيره، ونحن نذكر من ذلك إن شاء الله ما حضرنا)).
قال ابن كثير:
((ثم ساق أحاديث كثيرة في الإسراء كالشاهد لهذا الحديث... ولا شك أن هذا الحديث مشتمل على أشياء ؛ منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي؛ ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم، وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس، وغير ذلك. والله أعلم)).
قلت: وفي تصحيح البيهقي لإسناده نظر عندي - مع ما في المتن من النكارة - وذلك أن مداره على إسحاق الزبيدي، وهو مختلف فيه، وبه أعله الهيثمي؛ فقال(1/74):
((رواه البزار، والطبراني في ((الكبير))، وفيه إسحاق بن إبراهيم ابن العلاء؛ وثقه يحيى بن معين، وضعفه النسائي)).
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق يهم كثيراً، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب)).

8 - حديث صهيب
يرويه ابن لهيعة بإسناده عنه قال:
لما عُرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به - الماء، ثم الخمر، ثم اللبن؛ أخذ اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، وبه غُذيت كل دابة، ولو أخذت الخمر غويت وغوت أمتك، وكنت من أهل هذه. وأشار [بيده] إلى الوادي الذي فيه (وفي رواية: الذي يقال له: وادي) جهنم. ((فنظرت إليه فإذا هو نار تلتهب)).
أخرجه ابن مردويه، والسياق له، والطبراني في ((الكبير)) والرواية الأخرى له، وعزاه إليهما السيوطي في ((الخصائص (1/396 - 397)، وسكت عنه كعادته.
وأعله الهيثمي (1/78) بابن لهيعة؛ مشيراً إلى ضعفه وذلك لأنه معروف بسوء حفظه.

9 - يرويه مسكين بن ميمون: حدثني عروة بن رُويم عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((أسري بي ليلةً من المسجد الحرام)).
وكان بين المقام وزمزم جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فطارا حتى بلغ السماوات العلا، فلما رجع قال:
((سمعت صوتاً من السماوات العلا مع تسبيح وتكبير: سبحان رب السماوات العلا؛ ذي المهابة سبحانه وتعالى)).
كذا أورده الذهبي في ((الميزان)) بإسناده إلى سعيد بن منصور: حدثنا مسكين هذا ، وقال:
((لا أعرفه، وخبره منكر)).
ثم ساقه، وقال:
((رواه أبو نعيم في ((عوالي سعيد))، وصححه)).
وعزاه الهيثمي (1/78) للطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وأعله بمسكين وقول الذهبي فيه.
ومن طريقه أخرجه البخاري في ((التاريخ))، وابن السكن؛ كما في ((الإصابة)). وعزاه السيوطي في ((الخصائص)) (1/409) لسعيد بن منصور في ((سننه))، والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم في ((المعرفة))، وسكت عنه كما هي عادته، وأما محققه الدكتور الهراس؛ فأعله بالإرسال فقال:
((عبد الرحمن بن قرط تابعي، فالحديث مرسل)).
وهذا وهم نشأ من ظنه أن عبد الرحمن هذا هو الذي روى عن حذيفة، فهو التابعي، وإنما هو الثُّماليُّ الحمصي، وكان من أهل الصفة، وقد فرق بينهما في ((التهذيب)) وغيره، وفي ترجمة الأخير أورد الحديث في ((الإصابة)).
وجملة القول: إن علة الحديث الجهالة وليس الإرسال.
وسكت عنه ابن كثير!

10 - حديثُ عبدِ الله بن عبّاس
قلت:وله عنه طرق:
الأولى: عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال:
ليلة أُسري بنبي الله ودخل الجنة، فسمع من جانبها وجْساً، قال: ((يا جبريل! ما هذا؟)). قال: هذا بلال المؤذن. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم حين جاء إلى الناس:
((قد أفلح بلال؛ رأيت له كذا وكذا)).
قال: فلقيه موسى صلى الله عليه وسلم فرحب به، وقال: مرحباً بالنبي الأمي. قال: فقال:
((وهو رجل آدم طويل، سبِطٌ، شعره مع أذنيه أو فوقهما)).
فقال: ((من هذا يا جبريل؟)). قال: هذا موسى عليه السلام.
قال: فمضى، فلقيه عيسى فرحب به، وقال: ((من هذا يا جبريل؟)). قال: هذا عيسى.
قال: فمضى، فلقيه شيخ جليل مَهيب، فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال: ((من هذا يا جبريل؟))، قال: هذا أبوك إبراهيم.
قال: فنظر في النار؛ فإذا قوم يأكلون الجيَف. فقال: ((من هؤلاء يا جبريل؟)). قال: هؤلاء الذي يأكلون لحوم الناس.
ورأى رجلاً أزرق جعداً شعثاً إذا رايته؛ قال: ((من هذا يا جبريل؟)). قال: هذا عاقر الناقة.
قال: فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي، فالتفت ثم التفت؛ فإذا النبيون أجمعون يصلون معه.
فلما انصرف جيء بقدحين: أحدهما عن اليمين؛ والآخر عن الشمال، في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت القطرة.
أخرجه أحمد (1/257) وغيره بسند قال فيه ابن كثير: ((صحيح))، وتبعه السيوطي في ((الخصائص)) (1/397)!وهو تساهل واضح فإن قابوس - وهو ابن أبي ظبيان - فيه لين؛ كما قال في ((التقريب)).
الثانية: عن ثابت أبي زيد قال: ثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس قال:
أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته ، فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم.
فقال ناس: نحن نصدق محمداً بما يقول؟! فارتدّوا كفاراً، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل.
وقال أبو جهل: يخوّفنا محمد بشجرة الزقوم، هاتوا تمراً وزبداً فتزقموا!
ورأى الدجال في صورته - رؤيا عين ليس رؤيا منام - وعيسى، وموسى، وإبراهيم صلوات الله عليهم.
فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال؟ فقال:
(([فيلمانيّاً]( ) أقمر هجاناً( )، إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شجرة.
ورأيت عيسى شاباً أبيض، جعد الشعر، حديد البصر، مبطن الخلق( ).
ورأيت موسى أسحم آدم، كثير الشعر (وفي رواية: حسن الشعرة)، شديد الخلق.
ونظرت إلى إبراهيم؛ فلا أنظر إلى إرب من آرابه؛ إلا نظرت إليه مني؛ كأنه صاحبكم.
فقال جبريل عليه السلام: سلّم على مالك.فسلمت عليه)).
أخرجه أحمد (1/374)، والزيادة في الرواية الأخرى له، وعزاه السيوطي (1/398) لأبي يعلى أيضاً، وأبي نعيم ، وابن مردويه، وقال ابن كثير:
((ورواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت بن يزيد عن هلال - وهو ابن خبّاب - به ،وهو إسناد صحيح)).
كذا قال! وإنما حسن فقط؛ لأن ابن خباب فيه كلام، وقال الهيثمي (1/67):
((رواه أحمد ورجاله ثقات؛ إلا أن هلال بن خباب قال يحيى القطان: إنه تغير قبل موته. وقال يحيى بن معين: لم يتغير ولم يختلط، ثقة مأمون. ورواه أبو يعلى)).
قلت: فالإسناد حسن.
الثالثة: عن سفيان : حدثنا عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء/60] قال:
هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، [وليست رؤيا منام].
قال: ﴿والشجرة الملعونة في القرآن﴾: هي شجرة الزقوم.
أخرجه البخاري (3888 و4716 و6613)، وعنه البغوي في ((شرح السنة))(3755)، وابن جرير(15/110)، واستدركه الحاكم (2/362 - 363)؛ فوهم هو والذهبي!ورواه الطبراني في ((الكبير)) (11641).
الرابعة: عن قتادة عن أبي العالية: حدثنا ابن عمّ نبيكم - يعني : ابن عباس رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((رأيت - ليلة أسري بي - موسى [بن عمران عليه السلام ] رجلاً آدم طوالاً جعداً؛ كأنه من رجال شنوءة.
ورأيت عيسى رجلاً مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس.
ورأيت مالكاً خازن النار، والدجال)).
في آيات أراهن الله إياه، ﴿فلا تكن في مرية من لقائه﴾ [السجدة/23]؛ [إنه قد رأى موسى، ولقي موسى ليلة أسري به].
أخرجه البخاري (3239)، والسياق له، ومسلم (267)، والزيادة الأولى له، وأحمد (1/245 و259)، وابن جرير (21/112)، والزيادة الأخرى له، وهي عند مسلم من تفسير قتادة غير مسندة إلى ابن عباس، وكذلك هي عند البيهقي كما في ((تفسير ابن كثير))، وزاد:
﴿وجعلنا هدى لبني إسرائيل﴾ قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل.
وهو رواية لابن جرير.
الخامسة: عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لما كانت الليلة التي أسري بي فيها؛ أتت عليّ رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل! ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها.
قال: قلت: ما شأنها؟
قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم؛ إذ سقطت المدرى من يدها، فقالت: بسم الله. فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا؛ ولكن ربي ورب أبيك: الله. قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم. فأخبرته، فدعاها، فقال: يا فلانة! وإن لك ربّاً غيري؟! قالت: نعم؛ ربي وربك الله.
فأمر ببقرةٍ من نحاس فأحميت، ثم أمر بها أن تلقي هي وأولادها فيها.
قالت له: إن لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك؟ قالت: أُحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا.
قال: ذلك لك [لما لك] علينا من الحق.
قال: فأمر بأولادها؛ فألقوا بين يديها واحداً واحداً؛ إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها يرضع، وكأنها تقاعست من أجله، قال: يا أُمّه! اقتحمي؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فاقتحمت)).
قال: قال ابن عباس:
تكلم أربعة صغار: عيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة فرعون.
أخرجه أحمد(1/310)، وابن حبان (36 و37)، والطبراني (12279) وغيرهم، وفيه ضعف لاختلاط عطاء بن السائب، وما قيل من سماع حماد منه قبل اختلاطه؛ فقد قيل أيضاً: إنه سمع منه بعد الاختلاط؛ كما هو مبين في ((التهذيب))، و((الأحاديث الضعيفة)) (880)، فقول السيوطي في ((الخصائص)) (1/399): ((سنده صحيح)) مردود، ونحوه قول ابن كثير: ((إسناده لا بأس به))!
السادسة: عن عوف عن زرارة بن أبي أوفى عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لما كان ليلة أسري بي؛ وأصبحت بمكة؛ فظعت بأمري( ) وعرفتُ أن الناس مكذبيّ)).
فقعد معتزلاً حزيناً، فمر به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((نعم)). قال: ما هو ؟ قال:
((إنه أسري بي)).
قال: إلى أين؟
قال: ((إلى بيت المقدس)).
قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: ((نعم)).
قال: فلم يرَ أنه يكذبه؛ مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه. قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((نعم)).
فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي!
حتى قال: فانتفضت إليه المجالس، وجاؤوا حتى جلسوا إليهما.
قال: حدث قومك بما حدثتني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((إني أسري بي الليلة)).
قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى بيت المقدس)).
قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: ((نعم)).
قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً للكذب؛ زعَمَ!
قالوا: وهي تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت - قال: - فجيء بالمسجد وأنا أنظر؛ حتى وضع دون دار عقال - أو: عقيل - فنعتّه وأنا أنظر إليه.
قال: وكان مع هذا نعت لم أحفظه)).
قال: فقال القوم: أما النعت؛ فوالله لقد أصاب.
أخرجه أحمد (1/309)، والطبراني(12782)، وسنده صحيح، وعزاه السيوطي في ((الخصائص)) (1/400) لابن أبي شيبة أيضاً، والنسائي، والبزار، وأبي نعيم بسند صحيح، وحسنه الحافظ في ((الفتح)) (7/199).
السابعة: عن عبثر بن القاسم عن حُصين - وهو ابن عبد الرحمن - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم جعل يمر بالنبي والنبيين ومعهم القوم، والنبي والنبيين ومعهم الرهط، والنبي والنبيين وليس معهم أحد، حتى مر بسواد عظيم، ((فقلت: من هذا؟ قيل: موسى وقومه، ولكن ارفع رأسك وانظر. قال: فإذا هو سواد عظيم قد سد الأفق من ذا الجانب، ومن ذا الجانب، فقيل: هؤلاء أمتك، وسوى هؤلاء من أمتك سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب)).
فدخل ، ولم يسألوه ولم يفسر لهم.
فقالوا: نحن هم.
وقال قائل: هم أبناء الذين ولدوا على الفطرة والإسلام.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم :
((هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)).
فقام عكّاشة بن محصن فقال: أنا منهم يا رسول الله؟
قال: ((نعم)).
ثم جاءه آخر فقال: أنا منهم؟ فقال:
((سبقك بها عكاشة)).
أخرجه الترمذي (2446) : حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس: أخبرنا عبثر بن القاسم.. وقال:
((هذا حديث حسن صحيح)).
قلت: وهذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي حصين هذا؛ وهو ثقة؛ إلا أنه يبدو أنه وهم هو أو شيخه عبثر في ذكر الإسراء في هذا الحديث، فقد رواه جمع من الثقات عن حصين بن عبد الرحمن به دون الإسراء.
أخرجه البخاري (3410 و5705 و5752 و6472 و6541)، ومسلم (374 و375)، وأحمد (1/271).
وقد أشار الحافظ إلى شذوذ هذه الزيادة؛ فقد ذكره بها من رواية الترمذي والنسائي، ثم قال:
((فإن كان ذلك محفوظاً؛ كانت فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء، وأنه وقع بالمدينة أيضاً غير الذي وقع بمكة، فقد وقع عنه أحمد والبزار بسند صحيح قال:
أكرْيُنا( ) الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم [ذات ليلة]، ثم غدونا إليه فقال: ((عرضت علي الأنبياء الليلة بأُممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة..)) فذكر الحديث)).
قلت: الحديث عند أحمد (1/401 و420) من حديث عبد الله بن مسعود، وليس من حديث ابن عباس؛ كما يوهمه صنيع الحافظ رحمه الله بذكره إياه تحت حديث ابن عباس في شرحه؛ دون أن يصرح بأنه لابن مسعود، وهو من رواية الحسن عن عمران عنه. والحسن - وهو البصري - مدلس؛ لكن قد قرن به أحمد - في رواية - العلاء بن زياد، وهو ثقة، فصح به الإسناد ، والحمد لله.
وقد رواه الطيالسي في ((مسنده)) (352)، وأحمد أيضاً (1/403 و454) من طريق حماد بن سلمة عن عاصم ابن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً بلفظ:
((عرضت علي (وفي لفظ : أُريت) الأمم بالموسم... )) الحديث نحوه مختصراً.
قلت: وإسناده حسن، وهو صريح أن العرض لم يكن ليلة الإسراء؛ وإنما في موسم الحج، والجمع الذي ذهب إليه الحافظ جيد؛ لو كانت تلك الزيادة محفوظة، أما وهي شاذة فلا داعي حينئذ للجمع. والله أعلم.
ثم إن الحافظ السيوطي قد أبعد النجعة؛ فعزا حديث الباب لابن مردويه فقط! فانظر ((الخصائص)) (1/401).
الثامنة: عن شريك عن أبي علوان عبد الله بن عُصم عن ابن عباس قال:
فرض الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم الصلاة خمسين صلاة، فسأل الله عز وجل؛ فجعلها خس صلوات.
أخرجه أحمد (1/315)، وابن ماجة(1400)، وإسناده حسن في الشواهد.
التاسعة: عن عبّاد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((ما مررت بملإ من الملائكة ليلة أُسري بي إلا قالوا: عليك بالحجامة يا محمد!)).
أخرجه أحمد (1/354)، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الحاكم والذهبي!
ولا وجه له ؛ لضعف عباد؛ إلا بالنظر لشواهده، وقد تقدم أحدها من حديث أنس، ويأتي آخر من حديث ابن مسعود، وقد تكلمت عليها في ((الصحيحة)) (2263)، و((مشكاة المصابيح)) (4544).

11 - حديث عبد الله بن عمر
يرويه طلحة بسنده زيد بسنده عن ابن عمر:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به إلى السماء ؛ أوحى الله إليه بالأذان، فنزل به، فعلمه جبريل.
أخرجه الطبراني في ((الأوسط))؛ كما في ((مجمع الزوائد)) (1/329) وقال:
((وفيه طلحة بن زيد ، ونُسِبَ إلى الوضع)).

12 - حديث عبد الله بن مسعود
وله طرق
الأولى: عن مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن طلحة عن مرّة عن عبد الله قال:
لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتُهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة( )، إليها ينتهي ما يُعرج به الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبط به من فوقها ، فيقبض منها.
قال: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ [النجم/16]. قال:
فراشٌ من ذهب.
قال: فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً:
أعطي الصلوات الخمس.
وأعطي خواتيم سورة البقرة.
وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً: المقحمات( ).
أخرجه مسلم (279)، وأحمد (1/387 و422)، وابن جرير (27/52و55)، والبغوي في ((شرح السنة)) (3756).
وعن سفيان عن قيس بن وهب عن مرة عن ابن مسعود:
﴿لقد رآه نزلة أخرى﴾ قال:
جبريل في وبر رجليه كالدرر؛ مثل القطر على البقل.
أخرجه ابن جرير (27/51) من طريقين عن سفيان به.
قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم.
الثانية: عن قتادة بن عبد الله التميمي: حدثنا أبو ظبيان الجنبيّ قال: كنا جلوساً عند أبي عبيدة بن عبد الله - يعني: ابن مسعود - ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وهما جالسان، فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة: حدثنا عن أبيك ليلة أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقال أبو عبيدة: لا ؛ بل حدثنا أنت عن أبيك. فقال محمد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت. قال : أبو عبيدة يحدث - يعني - عن أبيه كما سئل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((أتاني جبريل عليه السلام بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه، ثم انطلق يهوي بنا، كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط؛ كأنه من رجال أزد شنوءة، فيرفع صوته يقول: أكرمته وفضلته.
قال: فدفعنا إليه، فسلمنا عليه فرد السلام، فقال من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد. قال: مرحباً بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته.
قال: ثم اندفعنا، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران.
قال: قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك؟
قلت: ويرفع صوته على ربه؟! قال: إن الله قد عرف له حِدّتَهُ!
قال: ثم اندفعنا؛ حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرح تحتها شيخ وعياله.
فقال: لي: اعمد إلى أبيك إبراهيم. فدفعنا إليه، فسلمنا عليه فرد السلام. فقال: إبراهيم: من هذا معك يا جبريل؟! قال: هذا ابنك أحمد. قال: فقال: مرحباً بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، يا بني! إنك لاقٍ ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك - أو جلّها - في أمتك فافعل.
قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة في الحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها.
ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد.
قال: ثم أُتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل عليه السلام منكبي، وقال: أصبت الفطرة وربّ محمد!
قال: ثم أقيمت الصلاة، فأممتهم.
ثم انصرفنا فأقبلنا)).
رواه الحسن بن عرفة في ((جزئه)) المشهور: حدثنا مروان بن معاوية عن قتادة بن عبد الله التيمي.. كما في ((تفسير ابن كثير))، وقال:
((إسناد غريب، ولم يخرجوه، فيه من الغرائب سؤال الأنبياء عنه عليه السلام ابتداء، ثم سؤاله عنهم بعد انصرافه، والمشهور في الصحاح)) - كما تقدم - أن جبريل كان يعلمه بهم أولاً؛ ليسلم عليهم سلام معرفة، وفيه أنه اجتمع بالأنبياء عليهم السلام قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السماوات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانياً وهم معه، وصلى بهم فيه، ثم إنه ركب البراق، وكرّ راجعاً إلى مكة. والله أعلم)).
قلت: ولإسناده علتان:
الأولى: الانقطاع بين أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأبيه؛ فإنه لم يسمع منه.
والأخرى: جهالة قتادة بن عبد الله التيمي؛ فقد أورده ابن أبي حاتم (7/135/759)، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وهو قتادة بن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، وأبوه ثقة من رجال الشيخين، وقد ذكر الحافظ - في ترجمته ابنه هذا في الرواة عنه. والله أعلم.
الثالثة: عن مؤثر بن عفازة( ) عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((لقيت - ليلة أسري بي - إبراهيم وموسى وعيسى.
قال: فتذاكروا أمر الساعة، فردّوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها. فردعوا الأمر إلى عيسها، فقال: أما وجْبَتها فلا يعلمها أحد إلا الله.
ذلك؛وفيما عهد إلى ربي عز وجل: أن الدجال خارج .
قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص.
قال: فيهلكه؛ حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافراً فاقتله.
قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم
قال: فعند ذلك يخرج ﴿يأجوج ومأجوج وهم من كل حدبٍ ينسلون﴾ [الأنبياء/96]، فيطؤون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرّون على ماء إلا شربوه، ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم الله ويميتهم، حتى تجوى( )من نَتْن ريحهم.
قال: فيُنزل الله عز وجل المطر، فتجرف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ثم تُنسف الجبال، وتمدّ الأرض مد الأديم.
قال: ففيما عهد إلي ربي عز وجل، أن ذلك إذا كان كذلك؛ فإن الساعة كالحامل المُتمّ التي لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادها ليلاً أونهاراً؟!)).
أخرجه أحمد (1/375)، وابن ماجه (4081)، والحاكم (4/488 - 489 و545) وغيرهم، وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد))، ووافقه الذهبي!
وفيه نظر بينته في ((الضعيفة) (4318).
الرابعة: عن حماد بن سلمة : ثنا أبو حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((أُتيت بالبراق، فركبت خلف جبريل عليه السلام، فسار بنا، إذا ارتفعت رجلاه ، وإذا هبط ارتفعت يداه.
قال: فسار بنا في أرض غمة منتنة، حتى أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة، فقلت: يا جبريل! إنا كنا نسير في أرض غمة منتنة، ثم أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة؟ قال: تلك أرض النار، وهذه أرض الجنة.
قال: فأتيت على رجل قائم يصلي، فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أخوك محمد. فرحب بي ودعا لي بالبركة، وقال: سل لأمتك اليسر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أخوك عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام .
قال: فسرنا، فسمعت صوتاً وتذمراً، فأتينا على رجل فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك محمد. فرحب بي ودعا لي بالبركة، وقال: سل لأمتك اليسر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أخوك موسى. قلت: على من كان تذمره وصوته؟ قال: على ربه. قلت: على ربه؟! قال: نعم؛ قد عرف ذلك من حدته.
قال: ثم سرنا ، فرأينا مصابيح وضوءاً. قال: قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه شجرة أبيك إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ أتدنو منها؟ قلت: نعم. فدنونا، فرحب بي ودعا لي بالبركة.
ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فنُشرت على الأنبياء : من سمى الله عز وجل منهم ومن لم يُسمّ، فصليت بهم؛ إلا هؤلاء الثلاثة: إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام)).
أخرجه الحاكم(4/606) قال:
((هذا حديث تفرد به أبو حمزة ميمون الأعور، وقد اختلفت أقوال أئمتنا فيه، وقد أتى بزيادات لم يخرجها الشيخان)).
وتعقبه الذهبي بقوله:
((قلت: ضعفه أحمد وغيره)).
قلت: لكن قال الهيثمي (1/74):
((رواه البزار، وأبو يعلى، والطبراني في ((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح) )).
وظاهره أنه عندهم من غير طريق أبي حمزة هذا؛ فإنه ليس من رجال ((الصحيح))، وجزم في ((التقريب)) أنه ضعيف، فليراجع. وعزاه السيوطي في ((الخصائص)) (1/406 - 407) للبزار، وأبي يعلى، والحارث بن أبي أسامة، والطبراني، وأبي نعيم، وابن عساكر من طريق علقمة، وسكت عنه كعادته، وكذلك فعل في ((الدر المنثور)) (4/147).
ثم رجعت إلى ((الطبراني الكبير)) (9976)، و((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (59)؛ فوجدت الحديث عندهما من طريق حماد بن سلمة به.
فتبينت أن الهيثمي وهم في قوله المتقدم.
وروى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ قال:
رأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق.
أخرجه البخاري (4858)، والطيالسي (278)، وابن جرير (27/57)، والطبراني في ((الكبير)) (9051 - 9053).
الخامسة: عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم عن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).
أخرجه الترمذي (3462) وقال:
((حديث حسن غريب من هذا الوجه)).
قلت: وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف اتفاقاً ، فلعل تحسين الترمذي لحديثه إنما هو لأن شواهد تقويه وقد ذكرت له شاهدين في ((الصحيحة)) (105)، وأحدهما يأتي قريباً.
(تنبيه): عزا السيوطي الحديث في ((الخصائص)) (1/407 - 408) لابن مردويه أيضاً بزيادة في آخر الحديث:
((ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)).
وزاد في تخريجه في ((الدر المنثور) (4/153): الطبراني مع الزيادة؛ دون قوله: ((العلي العظيم)). وهو كذلك في((المعجم الكبير)) (10363).
السادسة: عن سليمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبد الله قال:
﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم /18]، قال:
رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح.
أخرجه مسلم (282) ، والطبراني (9055).
وفي رواية لمسلم (281): ذكر قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ [النجم/11] مكان الآية المتقدمة.
وفي ثالثة له، والبخاري (4857)، والترمذي (3277) وصححه من طريق الشيباني قال: سألت زر بن حبيش عن قول الله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [النجم/9]؟ قال: أخبرني ابن مسعود به ...
وهي رواية لابن جرير (27/46)، وأحمد (1/398).
وفي رواية له (1/412 و460)، وابن جرير (7/49) عن حماد بن سلمة عن عاصم ابن بهدلة عن زر عن ابن مسعود؛ أنه قال في هذه الآية: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم/13]: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((رأيت جبريل عند سدرة المنتهى عليه ستمائة جناح؛ ينتثر من ريشه التهاويل: الدار والياقوت)).
قلت: وإسناده حسن ، وعزاه السوطي في ((الخصائص)) (1/408) للبيهقي وأبي نعيم فقط!
السابعة: عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((رأيت جبريل عليه السلام له ستمائة جناح)).
أخرجه الطبراني (10422) بسند جيد.
الثامنة: عن الحسين بن واقد: حدثني عاصم ابن بهدلة قال: سمعت شقيق بن سلمة يقول: سمعت ابن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( رأيت جبريل عند سدرة المنتهى وله ستمائة جناح)).
قال: سألت عاصماً عن الأجنحة؟ فأبى أن يخبرني، قال: فأخبرني بعض أصحابه: أن الجناح ما بين المشرق والمغرب.
أخرجه أحمد (1/407).
قلت: وإسناده حسن أيضاً.
وتابعه شريك عن عاصم به، ولفظه:
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته وله ستمائة جناح ؛ كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه - التهاويل والدر والياقوت - ما الله به عليم.
أخرجه أحمد أيضاً (1/395).
وشريك سيء الحفظ، وقوله: ((كل جناح منها قد سد الأفق)) منكر عندي، والله أعلم.
التاسعة: عن إسحاق بن أبي الكهتلة عن ابن مسعود أنه قال:
إن محمداً لم ير جبريل في صورته إلا مرتين؛أما مرة فإنه سأله أن يريه نفسه في صورته، فأراه صورته فسد الأفق.
وأما الأخرى؛ فإنه صعد معه حين صعد به، وقوله: ﴿وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾.
قال: فلما أحس جبريل ربه عاد في صورته وسجد، فقوله:
﴿ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذا يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾.
قال: خلق جبريل عليه السلام .
أخرجه أحمد (1/407)، والطبراني (10547)؛ وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات معروفون؛ غير إسحاق هذا، وقد روى عنه ثقتان، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
العاشرة : عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله في قوله: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ قال:
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في حُلّة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض.
أخرجه أحمد(1/394 و418)، والترمذي (3283)، وقال: ((حديث حسن صحيح))، والحاكم(2/468 - 469) وقال:
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي.
ورواه الطيالسي (323) عن قيس، وابن جرير (27/51) عن سفيان ؛ كلاهما عن أبي إسحاق به.

13 - حديث علي
يرويه زياد بن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي:
لما أراد الله تبارك وتعالى أن يعلم رسوله الأذان؛ أتاه جبريل بدابة يقال لها : البراق، فذهب يركبها، فاستصعبت، فقال لها جبريل: اسكني؛ فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم .
قال: فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تبارك وتعالى.
قال: فبينما هو كذلك؛ إذ خرج ملك من الحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا جبريل! من هذا؟ )). فقال: والذي بعثك بالحق؛ إني لأقرب الخلق مكاناً ، وإن هذا الملك ما رأيته قط منذ خلقتُ قبل ساعتي هذه. فقال الملك: الله أكبر الله أكبر. قال: فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر.
ثم قال: الملك: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي، لا إله إلا أنا. قال: فقال الملك: أشهد أن محمداً رسول الله. قال: فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أرسلت محمداً.
قال الملك: حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة. ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر.
ثم قال: لا إله إلا الله. قال: فقيل: من وراء الحجاب: صدق عبدي: لا إله إلا أنا.
قال: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه، فأمّ أهل السماء؛ فيهم آدم ونوح.
قال أبو جعفر محمد بن علي:
فيومئذ أكمل الله لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السماوات والأرض أخرجه البزار ((كشف الأستار)) (352)، وقال:
((لا نعلمه يروى عن علي بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد ،وزياد ابن المنذر شيعي، روى عنه مروان بن معاوية وغيره)).
قلت: قال في ((المجمع)) (1/329):
((وهو مجمع على ضعفه)).
وفي ((التقريب)):
((رافضي، كذبه يحيى بن معين)).
فالحديث ضعيف جدّاً، وعلامات الوضع عليه ظاهرة.

14 - حديث عمر بن الخطاب
عن أبي سنان عن عبيد الله بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب:
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بـ(الجابية)، فذكر فتح بيت المقدس، قال: فقال أبو سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟
قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخر؛ فكانت القدس كلها بين يديك.
فقال عمر رضي الله عنه : ضاهيت اليهودية! لا ؛ ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتقدّم إلى القبلة فصلى؛ ثم جاء فبسط رداءه، فكنس الكُنَاسة في ردائه، وكنس الناس.
أخرجه أحمد (1/38): ثنا أسود بن عامر: ثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان..
قلت: وهذا إسناد ضعيف، أبو سنان هذا هو عيسى بن سلنان القسملي، وهو لين الحديث.
وعبيد بن آدم لم يذكروا له راوياً غير أبي سنان ومع ذلك أورده ابن حبان في ((الثقات))! بناء على قاعدته في توثيق المجهولين!

15 - حديث مالك بن صعصعة
(تقدم في حديث أنس)
16 - حديث أبي أيوب الأنصاري
يرويه أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر أخبره عن سالم بن عبد الله : أخبرني أبو أيوب الأنصاري:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به - مر على إبراهيم فقال: من معك يا جبريل؟ قال: هذا محمد. فقال له إبراهيم:
مُر أمتك فليكثروا من غراس الجنة؛ فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة.
قال: ((وما غراس الجنة؟)). قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
أخرجه أحمد(5/418)، وابن جرير (15/255) ، والطبراني في ((الكبير)) (3898)؛ إلا أنهما قالا:
((عبدالله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه عن سالم بن محمد بن كعب القرظي)) !
وهذا اختلاف شديد، ولعله من أبي صخر - واسمه حميد ابن زياد، فإنه كان يهم؛ كما في ((التقريب)).
وشيخه عبد الله هذا؛ أورده ابن حجر في((التعجيل)) - حسبما ورد في ((المسند)) - ولم يزد على قوله: ((ذكره ابن حبان في (الثقات) )).
وأورده ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (5/98/454) - حسبما جاء في رواية ابن جرير - إلا أنه قال: ((روى عن سالم ومحمد بن كعب))، ولعل الصواب.
وعلى كل حال؛ فالرجل مجهول، والسند ضعيف؛ لكن المتن له شواهد تقدمت.


17 - حديث أبي ذرّ
(تقدم في حديث أنس)
وقال عبد الله بن شقيق: قلت لأبي ذر:
لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته! قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأى ربه عز وجل؟ قال: فإني قد سألته؟ قال:
((قد رأيته نوراً أنى أراه؟!)).
أخرجه أحمد (5/147 و175)، ومسلم (292).

الثلاثاء، 15 يونيو 2010

فضل الإسلام

فضل الإسلام

لشيخ الإسلام/ محمد بن عبد الوهاب

(رحمه الله تعالى)


وقول الله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة:2) وقوله تعالى : (قل يا أيها الناس إن كمتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم) (يونس:104) الآية ، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به وغفر لكم والله غفور رحيم) (الحديد:28) .

وفي الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجيراً فقال: من يعمل لي من غدوة إلي نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: مالنا أكثر عملا وأقل أجرا؟ قال: هل نقصتكم من حقكم شيئاً؟ قلوا: لا قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء).

وفيه أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة: نحن آخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة) .

وفيه تعليقا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحب الإيمان إلى الله الحنيفية السمحة).

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار. وليس من عبد على سبيل وسنة الرحمن فاقشعر جلده من مخالفة الله إلا كان كمثل شجرة يبس ورقها إلا تحاتت عنه ذنوبه كما تحات عن هذه الشجرة ورقها، وإن اقتصا في سنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم. كيف يعيبون سهر الحمقى وصومهم؟ مثقال ذرة من بر مع تقوى ويقين، أعظم وأفضل وأرجح من عبادة المغترين.

باب وجوب الإسلام

وقول اله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (آل عمران:85) وقوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (الأنعام: 153)

قال مجاهد: السبل : البدع والشبهات.

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليسمنه فهو رد ) وفي لفظ (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).

وللبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى - قيل: ومن أبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) .

وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه) (رواه البخاري)، وبند رج فيها كل جاهلية مطلقة أو مقيدة، أي في شخص دون شخص، كتابية، أو وثنية، أو غيرهما من كل مخالف لما جاء به المرسلون.

وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه قال: يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا، فإن أخذتم يمينا وشمالا فقد ضللتم ضلالا بعيدا.

وعن محمد بن وضح: كان يدخل المسجد فيقف على الحلق فيقول تذكرة وقال: أنبأنا ابن عيينة، عن مجالد عن الشعبي، عن مسروق، قال عبد الله- يعني ابن مسعود- ليس عام إلا والذي بعد أشر منه، لا تقول عام أخصب من عام،ولا أمير خير من أمير، لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم فيهدم الإسلام وينثلم.

باب تفسير الإسلام

وقول الله تعالى: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن) (آل عمران: 20) الآية.

وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا).

وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).

وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة) رواه أحمد .

وعن أبي قلابة عن عمرو بن عبسة عن رجل من أهل الشام عن أبيه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما الإسلام؟ قال: (أن تسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك) قال: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان قال: وما الإيمان؟ قالL أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت).

باب قول الله تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم (تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة فيقول : إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب إنك السلام وأنا الإسلام فيقول: إنك على خير ، بك اليوم آخذ وبك أعطى قال الله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (آل عمران:85) رواه أحمد .

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) (رواه أحمد) .

باب وجوب الاستغناء بمتابعته صلى الله عليه وسلم عن كل ما سواه

وقول الله تعالى: (ونزلنا عليك الكتب بينا لكل شيء) النحل:89

روى النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة من التوراة فقال: (لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ) فقال عمر: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا .

باب ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام

وقوله تعالى : (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا) الحج: 78 .

عن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (آمركم بخمس، الله أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم) فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام قال: (وإن صلى وصام فادعوا الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله ) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح.

وفي الصحيح: (من فارق الجماعة شبرا فميتته جاهلية) وفيه: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) قال أبو العباس: كل ما يخرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم مهاجري وأنصاري قال المهاجري: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار! قال صلى الله عليه وسلم (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟) وغضب لذلك غضبا شديداً . انتهى كلامه.

باب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه

وقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) (البقرة:208) وقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) النساء 60 الآية . وقوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) آل عمران: 106 . قال ابن عباس رضي الله عنه : تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليأتين على أمتي ما أتي على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل،حتى إن كان منهم من أتى أمة علانية كان في أمتي من يصنع ذلك، وأن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين ملة) وتمام الحديث قوله: (وتفترق هذبه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا ملة واحدة - قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ) يا لها موعظة وافقت من القلوب حياة) رواه الترمذي ورواه أيضاً من حديث معاوية عند أحمد وأبي داود وفيه: (إنه سيخرج من أمتي قوم تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله) وتقدم قوله: (ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية) .

باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر

لقوله عز وجل : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) النساء:48 وقوله تعالى: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون) النحل: 25

وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال في الخوارج: (أينما لقيتموهم فاقبلوهم) .

وفيه أنه نهى عن قتل أمراء الجور ما صلوا .

عن جرير عن عبد الله أن رجلاً تصدق بصدقة ثم تتابع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم .

وله من حديث أبي هريرة ولفظة : (من دعا إلى هدى - ثم قال - من دعا إلى ضلالة) .

باب ما جاء أن الله احتجر التوبة على صاحب البدعة

هذا مروي من حديث أنس من مراسيل الحسن .

وذكر ابن وضاح عن أيوب قال: كان عندنا رجل يرى رأياً فتركه فأتيت محمد بن سيرين فقلت: أشعرت أن فلانا ترك رأيه؟ قال: انظر إلى ماذا؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله : (يمرقون من الإسلام؟ ثم لا يعودون إليه) وسئل أحمد بن حنبل عن معنى ذلك فقال: لا يوفق للتوبة.

باب قول الله تعالى (يأهل الكتب لم تحاجون في إبراهيم)

قول الله تعالى: (يأهل الكتب لم تحاجون في إبراهيم) آل عمران: 65 إلى قوله: (وما كان من المشركين) آل عمران: 67 وقوله: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سله نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) البقرة:130 وفيه حديث الخوارج وتقدم وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (آل أبي فلان ليسو إلى بأولياء إنما أوليائي المتقون) وفيه أيضا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له أن بعض الصحابة قال: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال آخر: أما أنا فأقوم ولا أنام وقال آخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر فقال صلى الله عليه وسلم: (لكنني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني) فتأمل إذا كان بعض الصحابة أراد التبتل للعبادة قيل فيه هذا الكلام الغليظ وسمي فعله رغوباً عن السنة فما ظنك بغير هذا من البدع وما ظنك بغير الصحابة؟

باب قول الله تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا)

قول الله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الروم: 30

وقوله تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يبنى إن الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) البقرة: 132 وقوله: (ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) النحل:123

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل نبي ولاة من النبيين وأنا وليي منهم أبي إبراهيم وخليل ربي) ثم قرأ: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) آل عمران:68 رواه الترمذي.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكن وعمالكم).

ولهما عن ابن مسعود قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنا فرطكم على الحوض وليرفعن إلي رجال من أمتي حتى إذا أهويت لأناولهم احجبوا دوني فأقول: أي رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).

ولهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال: (أنتم أصحابي، وإخواني هم الذين لم يأتوا بعد) قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: (أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى قال: فإنهم يأتون غر محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال يوم القيامة عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول: سحقا سحقا) .

وللبخاري: (بينما أنا قائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت: أين ؟ قال: إلى النار والله . قلت : وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدم على أدبارهم القهقري ثم إذا زمرة - فذكر مثله - قال: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) .

ولهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: فأقول كما قال العبد الصالح: (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) المائدة/ 117

ولهما عنه مرفوعاً: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها) ثم قرأ أبو هريرة: (فطرت الله التي فطر الناس عليها) الروم: 30 متفق عليه.

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ (نعم وفيه دخن) قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم فتنة عمياء ودعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلن: يا رسول الله صفهم لنا قال: (قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا - قلت : يا رسول الله ما تأمرني إن أدركت ذلك قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: وإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك) أخرجاه وزاد مسلم: ثم ماذا؟ قال: يخرج الدجال معه نهر ونار فمن وقع في ناره وجب أجره قلت ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة) قال أبو العالية: تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تتحركوا عن الصراط يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم وإياكم وهذه الأهواء. انتهى .

تأمل كلام أبي العالية هذا ما أجله، واعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم) البقرة: 131 وقوله: (ووصى بهما إبراهيم بنيه ويعقوب يبني إن الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) البقرة: 132 وقوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) البقرة: 130 وأشباه هذه الأصول الكبار التي هي أصل الأصول والناس عنها في غفلة، وبمعرفته تبين معنى الأحاديث في هذا الباب وأمثالها، وأما الإنسان الذي يقرأها وأشباهها وهو مطمئن أنها لا تناله ويظنها في قوم كانوا فأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: (هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل مهنا شيطان يدعو إليه وقرأ: (وأن هذا صراط مستقيما فاتبعوه ولا تشبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) الأنعام: 153 رواه أحمد والنسائي.

باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء

وقول الله تعالى: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم) هود: 116 الآية وعن أبي هريرة مرفوعاً: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) رواه مسلم ورواه أحمد من حديث ابن مسعود فيه: من الغرباء؟ قال: (النزاع من القبائل والذين يصلحون إذ فسد الناس) .

وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبية عن جده (فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي) .

وعن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية؟ (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) المائدة: 105 قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال(بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحا مطاعاً وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم قلنا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم) رواه أبو داود والترمذي.

وروى ابن وضاح معناه من حديث ابن عمر ولفظه: (إن من بعدكم أياما للصابر فيها المتمسك بدينه مثل ما أنتم عليه اليوم، له أجر خمسين منكم ثم قال: أنبأنا محمد بن سعيد، أنبأنا أسد، قال سفيان بن عيينة: عن البصري، عن سعيد أخي الحين يرفعه قال: (إنكم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، ولم يظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش، وستحولون عن ذلك، فالمتمسك يومئذ بالكتاب والسنة له أجر خمسين) قيل: منهم؟ قال : (بل منكم) وله بإسناد عن المعافري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (طوبى للغرباء، الذين يتمسكون بالكتاب حين يترك، ويعملون بالسنة حين تطفأ) .

باب التحذير من البدع

عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: (أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة، وإن أمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عيها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) قال الترمذي حديث حسن صحيح.

وعن حذيفة قال: كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا طريق من كان قبلكم، رواه أبو داود وقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن المبارك، أنبأنا عمرو بن يحيى، قال: سمعت أبي يحدث عن أبية قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج أبو عبد الرحمن ؟ قلنا: لا، فجلس معنا، فلما خرج قال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرا، قال: فما هو؟ فقال: إن غشت فستراه قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا، أنتظر أمرك قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى حتى أتى حلقة، فقال: ما هذا؟ قالوا له: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: وكم من مريد للخير لم يصبه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله لعل أكثرهم إلا منكم فقال: عمرو بن سلمة رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج.

هذا آخر ما تيسر جمعه، نقلا عن موقع: (شمس الإسلام)


رجوع

الاثنين، 24 مايو 2010

معجزات اللرسول

من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم



ما جاء في تكثير النبي صلى الله عليه و سلم للماء

ما جاء في سلام حَجَر عليه صلى الله عليه و سلم

ما ظهر في كفه الشريف صلى الله عليه و سلم من الآيات

ما جاء في صوته صلى الله عليه و سلم من الآيات

تلبية عِرق شجرة لنداء النبي صلى الله عليه و سلم و إقباله عليه

ما جاء في انشقاق القمر له صلى الله عليه و سلم

ما جاء في حماية الملائكة الكرام له و الذَّب عنه

إضاءة المدينة المنورة لقدومه عليه الصلاة و السلام و ظلامها لموته

اهتزاز جبل أحد طرباً و وجداً للنبي صلى الله عليه و سلم

حنين جذع النخلة إليه صلى الله عليه و سلم

مخاطبته صلى الله عليه و سلم لقتلى بدر

سماعه صلى الله عليه و سلم لأهل القبور يتعذبون

رميه صلى الله عليه و سلم الحصى في وجوه المشركين

طيب ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من الآيات

ما ظهر من الآيات في شعره صلى الله عليه وسلم

عرقه صلى الله عليه وسلم وطيب رائحته وما فيهما من الآيات





المعجزة هي أمر خارق للعادة يظهر على يد مدَّعي النبوة موافقاً لدعواه، على وجه يعجِز المنكِرين الإتيان بمِثلِه. والحكمة في إظهار المعجزة على أيدي الأنبياء الدلالة على صدقهم فيما ادَّعوه، إذ كل دعوى لم تقترن بدليل فهي غير مسموعة، والتمييز بينهم (أي بين الأنبياء) وبين من يدَّعي النبوّة كاذباً ؛ وهي قائمة مقام قول الله تعالى: "صدَق عبدي فيما يدَّعي ".

وفي ما يلي أبرز المعجزات التي أيَّد الله سبحانه وتعالى رسوله المصطفى المختار صلوات الله وسلامه عليه:



ما جاء في تكثير النبي صلى الله عليه و سلم للماء:

عن عبد الله بن مسعود قال: " كنا نَعُد الآيات بَركة، و أنتم تَعُدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقَلَّ الماء، قال عليه الصلاة والسلام: اطلبوا لي فضلة من ماء. فأدخَل يده في الإناء وقال: حَيّ على الطَّهور المبارك، والبركة من الله. ويقول ابن مسعود: لقد رأيتُ الماء ينبع من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم، و لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل "، رواه البخاري.

ما جاء في سلام حَجَر عليه صلى الله عليه و سلم:

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " إنّي لأعرف حجراً بمكة كان يُسَلِّم عليّ قبل أن أبعث، إنّي لأعرفه الآن "، قيل الحجر الأسود وقيل غيره، رواه مسلم و الترمذي.

وقال عبد الله بن مسعود: " كنت أمشي في مكة فأرى حجراً أعرفه ما مرَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلا وسمعته بأذني يقول السلام عليك يا رسول الله ".

ما ظهر في كفه الشريف صلى الله عليه و سلم من الآيات :

عن أبي زيد بن أخطب رضي الله عنه قال : "مسح رسول الله صلى الله عليه و سلم على وجهي و دعا لي ".

قال عزرة أنَّه عاش مئة و عشرين سنة وليس في رأسه إلا شعيرات بيض، رواه الترمذي وحسنه الحاكم و وافقه الذهبي.

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " كان الصبيان يمرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من يمسح خده ومنهم من يمسح خديه فمررت به فمسح خدي فكان الخد الذي مسحه النبي صلى الله عليه وسلم أحسن من الخد الآخر"، أخرجه الطبراني وأصله في صحيح مسلم.

عن أبي ذر رضي الله عنه قال :" إني لشاهد عند رسول الله في حلقة وفي يده حصى فسبحن في يده وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فسمع تسبيحهن من في الحلقة ". أخرجه الطبراني في الأوسط مجمع البحرين، والبزار واسناد الطبراني صحيح رجاله ثقات .

ولله در الشيخ جمال الدين أبو زكريا يحى بن يوسف الصرصري حيث قال في قصيدة له

لئن سبحت صـم لجبال مجيبــه لداود أو لان الحديد المصفـح

فإن الصخور الصُـــمَّ لانت بكفه و إن الحصا في كفـه ليسبِّـح

وإن كان موسى أنبع الماء من العصـا فمن كفه قد أصبح الماء يطفـح



· ما جاء في صوته صلى الله عليه وسلم من الآيات :

عن عبد الرحمن بن معاذ رضي الله عنه قال :"خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و نحن بمنى، فَفُتِحَت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول و نحن في منازلنا و كنا جموع قريب من مئة ألف "، أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد ..

· تلبية عِرق شجرة لنداء النبي صلى الله عليه و سلم و إقباله عليه :

عن ابن عباس رضي الله عنه قال :"جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كان يداوي و يعالج، فقال له : يا محمد إنك تقول أشياء، فهل لك أن أداويك ؟ قال فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال له : هل لك أن أداويك ؟ قال : إيه . و عنده نخل و شجر، قال فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عِرقاً منها، فأقبل إليه و هو يسجد و يرفع و يسجد حتى انتهى (أي وصل إليه)، فأمره النبي عليه الصلاة و السلام قائلاً : ارجع إلى مكانك فرجع إلى مكانه، فقال الرجل : و الله لا أكذِّبك بشيء تقوله بعدها أبدا !" .

· ما جاء في انشقاق القمر له صلى الله عليه و سلم :

عن أنس رضي الله عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يُريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين . قال الخطابي : انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء و ذلك أنه ظهر في ملكوت السماوات خارجاً عن جل طباع ما في هذا العالم المُرَكَّب من الطبائع .. قال تعالى :{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1] .

و عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " انفلق القمر و نحن مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فصار فلقتين : فلقة من وراء الجبل و فلقة دونه . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اشهدوا " .

· ما جاء في حماية الملائكة الكرام له و الذَّب عنه :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ ( أي هل يصلي جهارة أمامكم )، فقيل : نعم . فقال : و اللات و العزى لئِن رأيته يفعل ذلك لأطَأنَّ على رقبته أو لأعَفِرَنَّ وجهه في التراب . فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يصلي لِيَطأ على رقبته، فما فاجأهم منه إلا و هو ينكص على عقبيه، و أخذ يقي وجهه بيديه، فقيل له : ما لك ؟ قال : إن بيني و بينه خندقاً من نار و هَولاً و أجنحة ‍‍‍!!!. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضوا . و أنزل الله تعالى : {كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى} [العلق: 6] إلى آخر السورة .



· إضاءة المدينة المنورة لقدومه عليه الصلاة و السلام و ظلامها لموته :

عن أنس رضي الله عنه قال : " لمَّا كان اليوم الذي قَدِم فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة، أضاء منها كل شيء، فلمَّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء . و قال : ما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الأيدي حتى أنكرْنا قلوبنا "، (أي فقدنا أنوار قلوبنا التي كنا نشعر بها، ورسول الله صلى الله عليه و سلم فينا) .



· اهتزاز جبل أحد طرباً و وجداً للنبي صلى الله عليه و سلم :

هل سمع أحدنا أنَّ الجماد أحبّ ؟ أن يحب أحد الجدار لجماله أمر معقول و لكن أن ينطق الجدار بحبِّه لفلان فهذا أمر غريب !!. يقول سيدنا علي رضي الله عنه : بعد غزوة أُحُد ابتعد كثير من المسلمين عن جبل أُحُد لأنه استشهد في سفحه و سهله سبعون من خيار الصحابة، و ذهب رسول الله صلى الله عليه و سلم فوقف يوماً على أُحُد و صلى على شهداء أُحُد و معه أبو بكر و عمر و عثمان و في رواية عمر و علي . و بينما نحن على أُحُد إذ بأُحُد يهتز و إذا بالرسول يبتسم و يرفع قدمه الطاهرة و يضربها على الجبل و يقول : اثبت. لِما اهتز الجبل يا ترى و لِما ثبت بعد الضربة ؟ . فالجبل حينما شعر أن قَدَم الحبيب محمد صلى الله عليه و سلم مسَّته راح يرتجف من الطرب ولله درّ القائل .

لا تلوموا اُحداً لاضطراب إذ علاه فالوجد داءُ

أُحد لا يلام فهـو محبٌ ولكم أطرب المحب لقاءُ



· حنين جذع النخلة إليه صلى الله عليه و سلم :

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب على جذع، فلمَّا صُنِع له منبراً ترك الجذع و صعد المنبر و راح يخطب، فإذا بالجذع يئن أنيناً يسمعه أهل المسجد جميعاً، فنزل من على خطبته و قطعها و ضمّ الجذع إلى صدره و قال : هدأ جذع، هدأ جذع، إن أردتَ أن أغرسك فتعود أخضراً يؤكل منك إلى يوم القيامة أو أدفنك فتكون رفيقي في الآخرة . فقال الجذع : بل ادفني و أكون معك في الآخرة " .

يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : "حينما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم كنا نقول : يا رسول الله إنَّ جذعاً كنتً تخطب عليه فترَكتَه فَحَنَّ إليك، كيف حين تركتنا لا تحنّ القلوب إليك ؟ .

· مخاطبته صلى الله عليه و سلم لقتلى بدر :

عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ليلة بدر : " هذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غداً و وضع يده على الأرض، هذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غداً و وضع يده على الأرض، فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود، جعلوا يُصرعون عليها، ثم أُلقوا في القليب و جاء النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا فلان بن فلان و يا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد الله حقاً ؟ قالوا :يا رسول الله تكلم أجساداً لا أرواح فيها ؟! فقال : ما أنتم بأسمع منهم و لكنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ " .

فائدة : سُئل السبكي عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه و سلم مع أنّ جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه (لقد أُهلِكت مدائن لوط بريشة من جناح جبريل)، فأجاب بأنّ ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و تكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش و دعاية لصورة الأسباب و سُنّتها التي أجراها الله في عباده .







· سماعه صلى الله عليه و سلم لأهل القبور يتعذبون :

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :" بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يمشيان بالبقيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال تسمع ما أسمع ؟ قال : لا والله يا رسول الله ما أسمعه قال : ألا تسمع أهل القبور يعذبون "، أخرجه الحاكم وقال ( صحيح على شرط الشيخين ) ووافقه الذهبي .

· رميه صلى الله عليه و سلم الحصى في وجوه المشركين :

عن إياس بن سلمة حدثني أبي قال : " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حُنَيناً ( إلى أن قال ) ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته الشهباء .. فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال : شاهدت الوجوه فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة فولوا مدبرين "، أخرجه مسلم .

عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفاً من الحصباء فاستقبلنا به فرمانا بها وقال : " شاهت الوجوه " فانهزمنا، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، أخرجه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي في المجمع اسناد حسن .

· طيب ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من الآيات :

قال الزيال : لقد رأيت حنظلة يؤتى بالرجل الوارم وجهه أو الشاة الوارم ضرعها فيقول : بسم الله موضع كف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمسحه فيذهب الورم .

عن أم موسى قالت: سمعت علياً يقول : " ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية "، أخرجه أحمد وأبو يعلى وقال الهيثمي : رجالهما رجال الصحيح غير أم موسى وحديثهما مستقيم .

عن يزيد بن أبي عبيد قال : " رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت : يا أبا مسلم ما هذه الضربة ؟ : هذه ضربة أصابتها يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة ... فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيت حتى الساعة "، أخرجه البخاري .

وروى عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده قال : " أصيبت عين أبي ذر يوم أحد فبزق فيها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أصح عينيه "، أخرجه البخاري .

· ما ظهر من الآيات في شعره صلى الله عليه وسلم :

عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال : قال خالد بن الوليد : " اعتمرنا مع النبي صلى عليه وسلم في عمرة اعتمرها فحلق شعره فاستبق الناس إلى شعره فسبقت إلى الناصية فجعلتها في مقدم هذه القلنسوة فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رزقت النصر"، أخرجه أبو يعلى والحاكم وقال الهيثمي في المجمع رواه الطبراني وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح .

عن عبد الله بن وهب قال : " أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قُصة فيها شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إذا أصاب الإنسان عن أو شيء بعث إليها مخضبة، فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حُمر "، أخرجه البخاري في صحيحه قال الحافظ في الفتح : المراد أنه كان من أشتكى أرسل أناء إلى أم سلمة فتجعل فيه تلك الشعرات تغسلها فيه وتعيده فيشربه صاحب الإناء أو يغتسل به استشفاء بها فتحصل له بركتها .

ويوجد بعض شعرات النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الكبير في طرابلس في لبنان عُهد بها لرجل فاضل من آل الميقاتي يخرجها في آخر يوم جمعة من رمضان في كل سنة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الجمعة .

· عرقه صلى الله عليه وسلم وطيب رائحته وما فيهما من الآيات :

قالت عائشة رضي الله عنها : " كان عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه مثل اللؤلؤ أطيب من المسك الأذفر، وكان كفه كف عطار طيباً مسها بطيب أو لم يمسها يصافحه المصافح فيظل يومه يجد ريحها ويضعها على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان من ريحها على رأسه "، أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة والبيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق وابن أبي خيثمة في تاريخه و أخرجه أبو يعلى والبزار وذكره الحافظ في الفتح وقال اسناده صحيح .

عن ليلى مولاة عائشة رضي الله عنها قالت : " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته، فدخلت ولم أر شيئاً ووجدت ريح المسك، فقلت يا رسول الله لم أر شيئاً !فقال : إن الأرض أمرت أن تكفيه منا معاشر الأنبياء "، أخرجه الحاكم في المستدرك بلفظه والطبراني في الأوسط وفي مجمع البحرين بنحوه وابن سعد في الطبقات وذكره السيوطي في الخصائص الكبرى ونسبه إلى البيهقي وأبو نعيم والحاكم والدارقنطي في الأفراد وقال هذا الطريق أقوى طرق الحديث قال ابن دحية في الخصائص بعد ايراده : هذا سند ثابت .

عن عائشة رضي الله عنها قالت : " مات النبي صلى الله عليه وسلم فلما خرجت نفسه ما شممت رائحة قط أطيب منها "، أخرجه البزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح .

و عن علي رضي الله عنه قال : " غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئاً وكان طيباً حياً وميتاً صلى الله عليه وسلم "، أخرجه الحاكم وقال ( صحيح على شرط الشيخين ) ووافقه الذهبي .





من خصائص رسول الله صلى الله عليه و سلم

طاعة النبي صلى الله عليه و سلم ومبايعته هي عين طاعة الله تعالى ومبايعته

قسم الله تعالى بعظيم قدره

اختصاصه صلى الله عليه وسلم بجواز أن يقسم على الله به

الرسول صلى الله عليه و سلم أولى بالمسلمين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم يحرم نكاحهن من بعده

نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق

رؤيته ما لا يرى غيره

بياض إبطيه

نُصِرَ بالرعب مسيرة شهر كامل

كان قرنه خير قرون بني آدم

حوضه



إن للنبي صلى الله عليه و سلم منزلة عند المولى عز وجل و رتبة أكرمه بها و لقد أنعم عليه بما لا تطيق العقول معرفة كنهه و غايته و لا تفي الأعمار بتحصيله .

و إليكم بعض ما خص الله سبحانه و تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم :

* طاعة النبي صلى الله عليه و سلم و مبايعته هي عين طاعة الله تعالى و مبايعته :

قال تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].

وقال عز و جل: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] .

و قال أيضا: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] .

* قسم الله تعالى بعظيم قدره :

قال الله تعالى : {لَعَمْرُكَ إنَّهُم لَفِي سَكْرَتِهِم يَعْمَهونَ} [الحجر: 72] .

اتفق أهل التفسير في هذا أنَّهُ قَسَمٌ من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناه : وبقائكَ يا محمدُ، وقيل وعيشك وقيل وحياتك وهذه نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف.

قال ابن عباس رضي الله عنه : " ما خلق الله تعالى، وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره ".

وقال تعالى: {لا أقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ * وأنتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ} [البلد : 1-2].

قيل: لا أُقْسِمُ به إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه، وقيل لا زائدة أي : أقسم به وأنت به يا محمدُ حَلاَلٌ أو حِلٌّ لك ما فعَلْتَ فيه على التفسيرين، والمراد بالبلد عند هؤلاء : مكة .

* اختصاصه صلى الله عليه وسلم بجواز أن يقسم على الله به :

أخرج البخاري في تاريخه، والبيهقي في الدلائل والدعوات وصححه، وأبو نعيم في المعرفة عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : ادع الله تعالى لي أن يعافيني . قال : " إن شئت أخرت ذلك وهو خير لك، وإن شئت دعوت الله . قال : فادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه، فيقضيها لي . اللهم شفعه فيّ "، ففعل الرجل، فقام، وقد أبصر.

* الرسول صلى الله عليه و سلم أولى بالمسلمين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم يحرم نكاحهن من بعده :

قال الله تعالى : {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6].

معنى " أولى بالمؤمنين من أنفسهم " أي لو كنتَ في مكان تُضرَب فيه عنقك و كان معك النبي صلى الله عليه و سلم موجوداً و خُيِّرتَ بين أن تُضرب عنقك أو تُضرب عنقه، فالواجب أن تقدِّم عنقك و تحمي عنقه، فهو أولى بنفسكَ منك . وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب: 53].

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " ما من مؤمن إلا و أنا أولى به في الدنيا و الآخرة " .

و من ولايته صلى الله عليه و سلم حِرصه على المؤمنين و تأثُّره عليهم و رأفته و رحمته بهم.

* نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق :

قال الإمام تاج الدين السبكي في رسالته التي سماها " التعظيم والمِنَّةِ في لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه " : قال الله تعالى : {وإِذ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّنَ لَمَآ ءَاتَيتُكُم مِن كِتَابٍ وحِكمةٍ ثُمَّ جَآءكُمْ رَسُولُُ مُصَدِّقُُ لِمَا مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بِه وَلَتَنصُرُنَّهُ} [أل عمران : 81] .

قال المفسرون: الرسول -في هذه الآية- هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأنه ما من نبي إلا أخذ الله تعالى عليه الميثاق ( أي ما من نبي إلا ورضي وقبِلَ ) أنه إن بُعِثَ محمد صلى الله عليه وسلم في زمانه لتؤمنن به ولتنصرنه، ويوصي ( أي كل نبي ) أمَّته بذلك ( أي بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنصرته )، وفي ذلك من التنويه بفضل النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العليّ ما لا يخفى، وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسَلاً إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم : " بُعِثتُ إلى الناس كافَّة "، لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة بل يتناول من قبلهم أيضاً، ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " كنتُ نبياً وآدم بين الروح والجسد " .

* النَّهي عن مناداته باسمه :

ما ناداه الله تعالى باسمه قط إلا مُكَنّى بالتكريم . و لا يُرفع صوت فوق صوته .

* استمرار الصلاة و السلام عليه صلى الله عليه و سلم في كل نفس من الأنفاس :

فلا يخلو زمان أو لحظة عن الصلاة و السلام عليه .

* مَن دخل في جوفه شيء من أثر النبي صلى الله عليه و سلم لا يدخل النار :

شريطة أن يكون قد مات على الإسلام .

* كان عليه الصلاة و السلام يقبل الهدية و لا يقبل الصدقة :

عن أبي هريرة و عائشة و عبد الله بن بسر رضي الله عنهم أن النبي عليه الصلاة قال :"إن الله حرَّم عليّ الصدقة و أهل بيتي " .

* لا يأكل متكئاً :

عن أبي جُحَيفة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أمَّا أنا فلا آكل مُتَّكئاً " .

* الخط و الشِّعر لا يُحسِنُهما :

قال تعالى : {وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت : الآية 48]. و قال عز و جل: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69].

* أُبيح له الوِصال في الصوم دون غيره:

قال صلى الله عليه و سلم : " إنّي لست مثلكم، إنّي أُطعَم و اُسقى "، متفق على صحته .

* الزكاة حرام عليه هو و ذوي القربى :

فإنها أوساخ أموال الناس كما أخرجه مسلم عن أبي هريرة، و أُبدِلَ عنها بالغنيمة المأخوذة بطريق العز و الشرف .

* لا يأكل البصل و الثوم و الكراث و ما له رائحة كريهة من البقول :

و هذا لا يعني تحريم أكلها و لكن النبي عليه الصلاة و السلام كان يكره رائحتها .

* ماله لا يُوَرث عنه ( و كذلك سائر الأنبياء ) :

قال صلى الله عليه و سلم : " لا نورِّث، ما تركناه صدقة"، متفق على صحته . و عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " لا نُوَرث ما تركناه صدقة " .

* سراج منير لا وهّاج :

إذا كانت الشمس سراجاً وهاجاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السراج المنير فكله منافع . قال ابن الجوزي : " إن النبي صلى الله عليه وسلم سراجٌ، والسراج لا يوقَد إلا ليلاً وهو صلى الله عليه وسلم بدر والبدر لا يظهر نوره إلا بالليل ".

* رؤيته ما لا يرى غيره :

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " ترون قِبلتي ههنا، فوالله ما يخفى عليّ ركوعكم و لا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري ". و في رواية : " فوالله ما يخفى عليَّ خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري"، أخرجه البخاري ومسلم . قال الشراح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرى من خلفه كما يرى بعيني بصره و اختلف هل كانت له جارحة يرى بها من ظهره أم لا ؟ و الأسلم أن نؤمن بما قال و نمسك عن البحث فيه .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ثم انصرف فقال : يا فلان ! ألا تحسن صلاتك ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي ؟ فإنما يصلي لنفسه، وإني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي"، أخرجه مسلم. هذه الرؤية معجزة خارقة وهي من خصائصه صلى الله عليه وسلم ولم تنقل إلينا في حق أي من النبيين والمرسلين . وقد اختلف في كيفية هذه الرؤية ونقل الإمام النووي عن الإمام أحمد بن حنبل وجمهور العلماء أن هذه الرؤية بالعين حقيقة انظر شرح صحيح مسلم للنووي و فتح الباري .

* بياض إبطيه :

قال الحافظ محب الدين الطبراني : " من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن الابط من جميع الناس متغير اللون غيره صلى الله عليه وسلم " و ذكر القرطبي مثله وزاد أنه لا شعر عليه وجرى على ذلك الإمام الأسنوي رحمهم الله .

* نُصِرَ بالرعب مسيرة شهر كامل :

هناك خوف يأتي من الطاعة إجلالاً و محبة و هناك خوف يأتي من الذنب قهراً و جبرا . فكان مَن أمامه صلى الله عليه و سلم إمّا أنّه يهابه خشية و إجلالاً، ليس من سطوته و إنّما من عظمة النور الذي وضعه الله فيه، فهذا لا يسمى رعب إنما خوف . قال تعالى :{وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] .

وكان كل من رآه بديهة هابه أي كل من رآه قبل النظر في أخلاقه العليّة و أحواله السَنِيّة، خافه لِما فيه من صفة الجلال الربانية و لِما عليه من الهيبة الإلهية . يقول ابن القيّم أن الفرق بين المهابة و الكبر أنّ المهابة أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الرب و محبته و إجلاله، فإذا امتلأ القلب بذلك حل فيه النور و نزلت عليه السكينة .

و أُلبِسَ رداء الهيبة، فكلامه نور و علمه نور، إن سكت علاه الوقار و إن نطق أخذ بالقلوب و الأبصار .و أمّا الكبر فإنّه أثر من آثار امتلاء القلب بالجهل و الظلم و العُجب، فإذا امتلأ القلب بذلك ترحلت عنه العبودية، و تنزلت عليه الظلمات الغضبية، فمشيته بينهم تبختر و معاملته لهم تَكَبُّر، لا يبدأ من لَقِيَه بالسلام و إن رد عليه يريه أنّه بالغ في الإنعام، لا ينطق لهم وجهه و لا يسعهم خُلُقه . أمّا من خالط النبي عليه الصلاة و السلام معرفةً أحَبَّه أي من عاشره معاشرة معرفة أو لأجل المعرفة أحبَّه حتى يصير أحَب إليه من والديه و ولده و الناس أجمعين لظهور ما يوجب الحب من كمال حسن خُلُقه و مزيد شفقته، هذا كله فيمن خالطه معرفة، أمّا من خالطه تكبّراً كالمنافقين فلا يحبه.

و من المعلوم أنّ الذي يذنب ويسيء حينما يجد أحداً أمامه يعرف ذنبه يخاف منه وهذا كان حال اليهود الذين كانوا يخافون النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم يعرفون أنه رسول الله .

* كان قرنه خير قرون بني آدم:

فالقرن الذي كان فيه صلى الله عليه و سلم خير قرن مرَّ على الدنيا كلها . عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة و السلام قال : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، رواه مسلم .

* حوضه :

قال صلى الله عليه و سلم : " حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيَب من المسك، و كيزانه (أي كؤوسه) كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبداً "، رواه مسلم.‍‍‍





وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم

كانت السنة العاشرة من الهجرة و لم يحجّ رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد، إذ أنّ الحج فُرِضَ في العام التاسع من الهجرة، فأعلن النبي عليه الصلاة و السلام الحجّ و توافد الناس إليه و أخذ معه عائشة و سار باتجاه مكة فدخلها في شهر ذي القعدة .

و أحرم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحجّ إفراداً و في رواية قِراناً و كان معه الهَديُ .

و طاف عليه الصلاة و السلام و أمر الناس أن يُحرِموا بعمرة لكي لا يشُقَّ عليهم، فأحرم الناس بعمرة ثم أحلّوا و بقي محرِماً إلى يوم التروية فأمر الناس بالسير إلى منى، فبات اليوم الثامن فيها ثم خرج إلى عرفة في اليوم التاسع حيث شُهِدَ أول موقف لدولة الإيمان، حول رسول الله صلى الله عليه و سلم جند الله تعالى مُحرِمين مُلَبّين بعد أن كادت تلك الأرض أن تيأس من أن يُعبَدَ الله تعالى وحده فوقها . و وقف رسول الله صلى الله عليه و سلم فأرى الناس مناسكهم و علَّمهم حَجَّهم و وقف يخطب بهم في عرفات، فحمد الله تعالى و أثنى عليه ثم قال :" أيها الناس اسمعوا قولي، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا .

أيها الناس، إنّ دماءكم و أموالكم حرامٌ عليكم كحُرمَة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا و إنّ كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع و دماء الجاهلية موضوعة و إنّ أول دم أضع من دمائنا دمُ ابن ربيعة بن الحارث وربا الجاهلية موضوع، و أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنّه موضوع كله .

أيها الناس، إنّ الشيطان قد يئس من أن يُعبَدَ بأرضكم هذه أبداً، و لكنه إن يُطَع فيما سوى ذلك فقد رضي به مِمّا تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم فإنّ خطر المعاصي على القلوب لعظيم .

أيها الناس، إنّ النَّسيء زيادة في الكفر يضِلُّ به الذين كفروا، يحلّونه عاماً و يُحَرِّمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرَّم الله، فيُحِلّوا ما حرَّم الله و يُحَرِّموا ما أحلَّ الله، و إنّ الزمان قد استدار كهَيأته يوم خَلَقَ الله السماوات و الأرض، السَّنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حُرُم، ثلاثة متواليات : ذو القعدة و ذو الحِجَّة. والمحرَّم و مُضَر الذي بين جمادى وشعبان (أي رجب).

و بهذا يكون رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أعلن في كلامه عن تطابق الزمن إذ ذاك مع أسماء الأشهر المقسَّم عليها و ذلك بعد طول تلاعب بها من العرب في الجاهلية و صدر الإسلام، فقد كانوا كما قال مجاهد و غيره يجعلون حَجَّهم كل عامين في شهر مُعَيَّن من السَّنة، فيحجّون في ذي الحجّة عامين، ثم في المحرَّم عامين و هكذا .

فلمّا حجَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا العام، وافق حَجُّه شهر ذي الحجة و أعلن رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ ذاك أنّ الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات و الأرض، أي فلا تتلاعبوا بالأشهر تقديماً و تأخيراً، و أنّه لا حجّ بعد اليوم إلا فيهذا الزمن الذي استقر اسمه "ذا الحجة". و ذكر بعضهم أن المشركين كانوا يحسبون السّنة اثنى عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، فكان الحج في رمضان و في شوال و ذي القعدة ..و في كل شهر من السنة، و ذلك بحُكم استدارة الشهر بسبب زيادة الخمسة عشر يوما. و لقد كان حجّ أبي بكر في السنة التاسعة من الهجرة واقعاً في شهر ذي القعدة بسبب ذلك، فلمّا كان العام المقبل، و فيه قام رسول الله صلى الله عليه و سلم بحجّ الوداع وافق حجّه ذا الحجة في العشر منه و طابق الأهِلَّة ن و أعلن حينئذ عليه الصلاة و السلام نسخ الحساب القديم للزمن و أنّ السّنة إنَّما تُعتبر بعد اليوم اثنى عشر شهراً فقط، فلا تداخل بعد اليوم.

قال القرطبي : و هذا القول أشبه بقول النبي صلى الله عليه و سلم : إنّ الزمان استدار .. أي إنّ زمان الحج قد عاد إلى وقته الأصلي الذي عيَّنه الله تعالى يوم خلق السماوات و الأرض، بأصل المشروعية التي سبق بها علمه .

ثم قال صلى الله عليه و سلم : "فإنّ لكم على نسائكم حقاّ و لهنّ عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فُرشكم أحداً تكرهونه و عليهن أن لا يأتين بفاحشة مبيَّنة، فإن فعلن فإنّ الله قد أذِنَ لكم أن تهجروهنّ في المضاجع و تضربوهنّ ضرباً غير مُبَرِّح، فإن انتهين فلهن رزقهن و كسوتهن بالمعروف .

أيها الناس، استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً و إنّكم إنَّما أخذتموهن بأمانة الله و استحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقِلوا قولي، إنّي قد بَلَّغت و قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً بعدي، كتاب الله و سُنَّة نبيّه .

أيها الناس اسمعوا قَولي و اعقلوه، تعلَمُنَّ أنّ كل مسلم أخ للمسلم و أنَّ المسلمين إخوة فلا يَحِلُّ لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تَظلِمُنَّ أنفسكم، اللهمَّ هل بَلَّغت ؟ فقال الناس : نعم .

فقال : "اللهمَّ اشهَد عليهم". ثم أفاض الرسول المصطفى صلى الله عليه و سلم من عرفات و عاد إلى المدينة فأقام بها ثلاثة أشهر : ذي الحجّة و المحرَّم و صَفَر، ثم هيَّأ جيش أسامة الحِبَّ ابن الحِبّ لِيَغزوا فيه أرض فلسطين في المكان الذي قُتِلَ فيه سيدنا زيد بن الحارثة و جعفر بن أبي طالب و عبد الله بن رواحة رِضوان الله عليهم في معركة مؤته.

بعد هذه الأشهر الثلاثة في وسط صَفَر-كما نقل أكثر الرواة - بدأ رسول الله صلى الله عليه و سلم بالشكوى من رأسه و كان ذلك بعد حجّة الوداع بإحدى و ثمانين يوماً، و أنزل الله تعالى قوله :

{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1-3]. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " نُعِيَت إليَّ نفسي " . فلمّا قالها رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال له جبريل : يا أخي و لَلآخرة خير لك من الأولى . و جاء سيدنا جبريل يستعرض معه القرآن فقرأه معه مرتين و اجتهد رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعبادة حتى صار كالثوب البالي من كثرة العبادة و كان كل يوم عندما يذهب و يجيء يقول : سبحان الله و بحمده استغفر الله و أتوب إليه . فقالت له أم سلمة : يا رسول الله إنّك تدعو بدعاء لم تدعه من قَبل . فقال : " إنّ ربي أخبرني أنّني سأرى علماً في أمَّتي و أنني إذا رأيته أسبِّح بحمده و أستغفره، ثم قرأ قوله تعالى : { إذا جاء نصر الله و الفتح ...} . و قبل وفاته صلى الله عليه و سلم بأيام خرج إلى قتلى أُحُد بعد ثمان سنين فوقف إليهم و سلم عليهم و حيّاهم و أكثر من الصلاة عليهم ثم عاد فصعد المنبر و جمع الناس فقال : أيها الناس إني بين أيديكم فرط و أنا عليكم شهيد و إنّ موعدكم الحوض و إني لأنظر إليه و أنا في مقامي هذا و إني قد أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض و إني لست أخشى عليكم أن تُشرِكوا بعدي و لكني أخشى عليكم أن تنافسوا فيها كما تنافسوا فيها فتُهلِكَكم كما أهلَكَتكم،ثم جلس ثم قام فقال : أيها الناس إنَّ عبداً خيَّره الله أن يؤتيه زخرف الدنيا و بين ما عنده فاختار ما عند مولاه . فقام أبو بكر و قال : فديناك بآبائنا و أمهاتنا يا رسول الله ! فتعجّب الناس من الصِدّيق و قالوا لِمَ فعل هذا ؟ إنّما يقول عن عبد خيَّره الله تعالى و لكن الصدّيق فَهِم مَن هذا العبد المخَيَّر، ثم قال الرسول صلى الله عليه و سلم : إنَّ أمَنّ الناس عليّ بصحبته و ماله أبو بكر، كلّ من كان له عندنا يداً كافأناه عليها إلا الصدّيق فإنا نترك مكافأته لله، لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً و لكن أخوَّة الإسلام، لا يبقى في المسجد بابٌ إلا ويُغلَق ألا باب أبي بكر.

ثم نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فما رُؤيَ بعدها على المنبر جالساً إلا مرة.

ثم دخل عليه الصلاة و السلام إلى بيته و في الليل خرج فرأى رجلاً من الصحابة فقال : يا فلان إني أُمِرتُ أن أستغفر لأهل أُحُد، فاخرج معي . فخرج في منتصف الليل إلى أُحُد، فاستغفر لهم و دعا لهم ثم عاد إلى البيت فدخل فإذا بعائشة قد عصبت رأسها من الألم، فقالت : يا رسول الله وا رأساه . قال : بل أنا يا عائشة وا رأساه .

ثم بدأ يدور على أزواجه حتى أتعبه المرض فاستأذن أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة فأذِنوا له، فحمله سيدنا العباس و سيدنا عليّ و إنّ رجلاه لتخطّان على الأرض خطاً لا يستطيع الوقوف عليهما من شدة المرض، فدخل بيت عائشة فقالت : بأبي أنت و أمي يا رسول الله . ثم جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم في بيتها و اشتدَّت عليه الحمى فدعا عائشة و حفصة و طلب أن يأتوه بقُرَب من آبار متعددة لتكون باردة فجاءوا بسبع قُرَب فجلس في مخضب و وُضِعَ الماء عليه و هو يشير أن صُبوا عليّ منها . يقول العباس : و كنت إذا لمسته ضربتني الحمّى، فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُنزَعُ كما يُنزَع الرجال من الناس .

و عن عبد الله بن عمر قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يوعَك وعكاً شديداً فقلت يا رسول الله إنّك توعك وعكاً شديداً، فقال عليه الصلاة و السلام : أجل إنني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت :ذلك أن لك لأجرين قال : أجل ذلك أن ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفَّر الله بها سيئاته .

و أخرج النسائي عن فاطمة بنت اليمان أنها قالت : أتيتُ النبي صلى الله عليه و سلم في نساء نعوده، فإذا سِقَاء يقطر عليه من شدة الحمى، وضعوا وعاء ماء يقطر عليه ليبرد عنه شدة الحمى، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أشدَّ الناس بلاء: الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" .

و رُوِيَ عن عروة أنه صلى الله عليه و سلم قال : "ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُه بخَيبر من الشاة المسمومة " .

و قد تُوفي رسول الله صلى الله عليه و سلم شهيداً، فهو قد نال صفات كمال البشر جميعاً، وهو سيد الكرماء و سيد العقلاء و سيد الحكماء .

و كان ابن مسعود و غيره من الصحابة يرون أنه مات شهيداً بالسُّمِّ .

نقل البخاري عن عائشة قولها : " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا مرض أو اشتكى نفث على نفسه بالمعَوِّذات، و كان ينفث فيمسح بها يده، فلما مرض مرضته هذه، كنت أنا أقرأ و أمسح على النبي صلى الله عليه و سلم. وقد جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم يوماً، و كان المرض قد اشتد به أُسكِتَ فلم يعد قادراً على الكلام، فدخل عليه سيدنا أسامة و كان قد جهز الجيش للمسيرة فتوقَّف، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه و سلم بين يديه و هو غير قادر على الكلام، فكان يضع يده على سيدنا أسامة ثم يرفع يديه إلى السماء، قال سيدنا أسامة : فعرفتُ أنه يدعو لي ثم يضمني إلى صدره، ثم يرفع يديه إلى السماء، ثم يمسحني بيديه . ثم فتح عينيه و قال عليه الصلاة و السلام :" يا عائشة إنه ليهون عليّ الموت أني رأيتكِ في الجنة"، ففرحت عائشة .

و كان في بيته حين مرضه سبعة دنانير، فإذا أُغميَ عليه ثم أفاق، صحا يقول : يا عائشة تصدّقي بها، فإذا استيقظ قال ما فعلتم بالمال ؟ يقولون : يا رسول الله شُغِلنا بك، يقول : ما ظنُّ محمد بربّه لو لقيَ الله وعنده هذه الدنانير، تصدّقوا بها كلها .ثم دعا النبي صلى الله عليه و سلم سيدتنا الزهراء فاطمة، فلمّا دخلَت عليه ابتسم و قرَّبها منه وهمس في أذنها فسارَّها بشيء، فبكت ثم دعاها فسارَّها بشيء، فضحكت، فسألتها عائشة فقالت : ما كنتُ لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم. وكان صلى الله عليه و سلم إذا دخلت عليه فاطمة قام إليها و قبَّلَها وأجلسها في مجلسه فلما مرض ودخلت عليه لم يستطع القيام فأكَبَّت على يديه فقبَّلتهما و قبَّلته من وجنتيه، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : "يا فاطمة إنَّ جبريل كان يعاودني القرآن كل سنة مرة، وإنه عاودني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي ويا فاطمة أبشري إنكِ أول أهل بيتي لحوقاً بي".

و عن عائشة قالت : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة : "يا فاطمة أخبرني جبريل أنه ليس من نساء المسلمين أعظم مُصاباً منكِ بي بعدي، فلا تكوني أدنى امرأة منهم صبراً، فاصبري يا ابنتي و احتسبي عند الله أجرك تكوني أول الناس لحوقاً بي"، فقامت فاطمة و قالت : احتسبتكَ عند الله " . و كانت رضي الله عنها قد توفيت بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم بستة أشهر.

و في ليلة الوفاة و يُقال ليلة الاثنين، عند صلاة الفجر و المسلمون ينتظرون رسول الله صلى الله عليه و سلم، بعث السيدة عائشة و قال لها : " مُري أبا بكر فَليُصَلِّ بالناس "، فقالت: يا رسول الله إنَّ أبا بكر رجل ضعيف الصوت، فقال عليه الصلاة و السلام : "إنَّكن صُوَيحبات يوسف، مُرنَ أبا بكر فليصلِّ بالناس"، فقالت: يا رسول الله إنَّ أبا بكر رجل رقيق لا يستطيع أن يقف مكانك و أنت مريض و إذا قرأ القرآن لا يسمع الناس قراءته من كثرة بكائه، فقال عليه الصلاة و السلام : "مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" . فصلى أبو بكر سبعة عشر صلاة بالناس، فلما ازداد مرض رسول الله صلى الله عليه و سلم وجعاً امتلأ المسجد بالناس لا يغادرونه حتى يطمئنوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم، حتى كان فجر ذلك اليوم الذي غادر فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم الدنيا، فوقف أبو بكر يؤمُّ الناس فإذا برسول الله صلى الله عليه و سلم يفتح حجاب البيت و ينظر فيجدُ المسجد مُلِء،َ فيبتسم و يقول الحمد لله ثم ينادي على عليّ و الفضل و العباس فيحملونه فيدخل المسجد و هو يخط بقدميه الأرض خطا . فابتسم الناس و عَلَت أصواتهم بالحمد و أحسَّ أبو بكر أن رسول الله خرج فتراجع و وقف مع المصلّين، فأمره رسول الله بالوقوف و جلس بجانبه و اقتدى رسول الله صلى الله عليه و سلم بأبي بكر و في رواية أخرى اقتدى أبو بكر بالرسول صلى الله عليه وسلم و اقتدى الناس بأبي بكر، أي كان أبو بكر مبلِّغاً (و من هنا قال الشافعية الأدب مُقَدَّمٌ على الأمر ) .

ثم بعد أن انتهى من الصلاة أمرهم أن يُصعِدوه المنبر، فجلس على أسفله، لم يستطع أن يرتفع كثيراً، ثم حَمِدَ الله تعالى و أثنى عليه و صلى على نفسه ثم قال : أيها الناس بلغني أنكم تخافون موت نبيِّكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بُعِثَ إليهم فأخلد فيكم ؟ ألا و إني لاحق بربي ألا و إنكم لاحقون بي، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً و أوصيكم في ما بينهم خيراً، فإنَّ الله يقول : {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3]، إنّ الأمور تجري بإذن الله فلا يحمِلَنَّكم استبطاء أمر على استعجاله، إنّ الله لا يَعجَل بعجلة أحد و من غالب الله غلبه و من خادع الله خدعه، فهل عسيتم أن تولَّيتم أن تفسدوا في الأرض و تُقَطِّعوا أرحامكم .

أيها الناس أوصيكم بالأنصار خيراً فإنهم الذين تبَوَّأوا الدار و الإيمان من قبلكم، و أن تُحسِنوا إليهم . أيها الناس ألم يشاطروكم في ثمارهم، ألم يوسعوا لكم في ديارهم، ألم يؤثروكم على أنفسهم و بهم الفقر و الخصاصة ؟!!!

ألا فمن وُلي أن يحكم بين رجلين فليقبل من مُحسِنِهم و ليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا و إني فرط لكم ( أي ذاهب قبلكم ) فأنتم لاحقون بي، ألا إنّ موعدكم الحوض، فمن أحبَّ أن يَرِدَه عليّ غداً فليكف يده و لسانه إلا فيما ينبغي . يا أيها الناس إنّ الذنوب تُغَيِّر النِّعَم و تبدِّل القِسَم فإذا ضر الناس ضرهم أئمَّتهم و إذا فجروا عقَّهم أئمَّتهم، ثم قال : حيَّاكم الله بالسلام، رحمكم الله جبركم الله رزقكم الله نصركم الله رفعكم الله آواكم الله، أوصيكم بتقوى الله، أستخلفه عليكم، أحذِّركم الله، إني لكم منه نذير مبين ألا تعلوا على الله في بلاده و عباده فإنه قال لي و لكم : {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] . فقام رجل و قال : يا رسول الله متى أجَلُك ؟ قال : يا أخي دنا الفراق و المنقَلب إلى الله و إلى الجنة المأوى .قلنا من يغَسِّلك ؟ قال : رجال أهل بيتي، قلنا و بما نُكَفِّنك ؟ قال : بثيابي و إن شئتم في ثياب بياض مصر . قلنا يا رسول الله : من يصلي عليك ؟ قال : إذا أنتم غسَّلتموني و كفَّنتموني فضعوني على سريري هذا على شفير قبري ثم انصرفوا عني ساعة فإنَّ أول من يصلي عليّ، جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت و أعوانه من جنود الملائكة، ثم ادخلوا عليّ أفواجاً أفواجاً فصلوا عليّ و سلِّموا تسليما . ثم لِيَبدأ بالصلاة عليّ رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم أنتم و أقرِئوا السلام على من تبعني على ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة .

تقول السيدة عائشة : لم يُقبض نبي حتى يريه الله تعالى مقعده في الجنة، تقول : فرأيتُ الرسول صلى الله عليه و سلم قد أغمض عينيه و رفع يده إلى السماء ففهِمتُ أنه يقول ربي، أريد ربي، هنا دخلت فاطمة فرات أباها في النَّزع فقالت : وا كرب أبتاه، فقال صلى الله عليه وسلم : لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، ثم قبض روحه ملك الموت، فسُمِعَ صوت في البيت يقول: " إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفاً من كل هالك و دَرَكاً من كل فائت فبالله فثِقوا وإيّاه فارجوا وإنَّما المصاب من حُرِمَ الثواب والسلام عليكم ورحمة الله ". تقول عائشة : فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه بين صدري و نحري و طلب شيئاً من الماء وضعه على شفتيه و قال : "اللهم سَهِّل عليّ سكرات الموت" . و بدأ ينزع عليه الصلاة والسلام، وأنا أنظر إليه ما أدري ما الأمر، فإذا به يثقل ويثقل ونظرت فإذا هو قد شَخَصَ ببصره إلى السماء فعرفتُ إنه قد قُبِض، فوضعتُ رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم وخرجتُ وأنا أبكي فاستقبلني الناس وكان عمر على الباب، فلمّا سمع خُبِلَ وجاءت النساء فرأوا الرسول صلى الله عليه وسلم شاخصاً، فإذا برجل يصيح من باب المسجد : وا رسول الله!!! فسمع أبو بكر الصوت على بُعْدٍ من المدينة، فإذا به يركض مُتَّجهاً إلى المسجد و هو يهُدُّ الأرض هدَّاً و يصل إلى المسجد فإذا بعمر قد أخذ سيفه ووقف أمام الناس و هو يقول : من يقول إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مات أضرب عنقه، إنّه لم يمت و لن يموت!.

فجاء الصدِّيق، فدخل على الرسول صلى الله عليه و سلم و عيناه تنهمران و زفراته تتردد و كان قد غُطّيَ وجهه الكريم صلى الله عليه و سلم، فجلس على ركبتيه و كشف عن وجه صاحبه و مسحه و جعل يبكي ويقول : " بأبي أنت و أمي يا حبيبي، طِبتَ حيّاً و ميتاً، لقد انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحدٍ من الأنبياء، جللتَ يا حبيبي عن البكاء و لو أنّ موتك كان اختياراً لَجُدنا لموتك بأرواحنا، يا حبيبي يا رسول الله، لولا أنّك نَهَيتنا عن البكاء لأنفدنا عليك ماء العيون لا يبرحان بنا إلى أن نلقاك بأبي أنت و أمي يا رسول الله، أمّا الميتة التي وعدك الله إيّاها فقد ذقتها، فلا أَلَم عليك بعد اليوم". ثم رفع يديه وقال: "اللهم أبلغه عنّا السلام، أُذكُرنا يا محمد عند ربك و لِنَكن في بالك، فلولا ما خلَّفتَ من السكينة لم نقم أبداً، اللهم أبلِغ نبيك عنّا و احفظه فينا " . ثم خرج فرأى عثمان يأتي المسجد و قد خرس لسانه، أمّا سيدنا عليّ فكأن رجلاه قد شلت فلا يستطيع القيام . ثم دخل أبو بكر إلى المسجد و عمر يجول كالأسد و لا يرضى أن يقول أحد بأنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قد مات .

فصعد على المنبر و قال : إليَّ إليَّ أيها الناس، فاجتمعوا حول الصدِّيق، فقال رضوان الله تعالى عليه : " أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أنّ محمداً عبده و رسوله، و أشهد أنّ الكتاب كما نُزِّل، و أنّ الدين كما شُرِّع، و أنّ الحديث كما حُدِّث، و أنّ الله هو الحق المبين .

أيها الناس من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات، و من كان يعبد الله فإنّ الله، حيّ لن يموت، إلا أنّ الله تعالى قبضه إلى ثوابه و خلَّف فيكم كتابه و سنَّة نبيِّه، فمن أخذ بهما عُرِف، و من فرَّق بينهما أنكر، و لا يشغلنَّكم الشيطان بموت نبيِّكم، و لا يلفتنَّكم عن دينكم " . فلمّا فرغ من خطبته قال : يا عمر أنت تقول أنّ النبي صلى الله عليه و سلم ما مات ! قال : نعم يا أبا بكر . فقال أبو بكر : أنسيت قول الله تعالى : {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] و في رواية أخرى تلا أبو بكر قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران : 144]. فسقط سيدنا عمر مغشيّاً عليه و تيقّن أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قُبِض.

ثم ذهب الناس و كأنّ المدينة قد غطتها سحابات الحزن و اجتمعوا في ثقيفة بني ساعدة و كانت الخلافة للصدِّيق .

ملاحظة : إنّ تعيين الخلافة كان قبل تغسيل رسول الله، و ذلك لأهمية وجود خليفة للمسلمين و للضرر العظيم الناتج عن عدم وجود خليفة و لو لساعات قليلة ! .

ثم دخل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم: العباس و عليّ بن أبي طالب يغسلون النبي صلى الله عليه و سلم . و حاروا كيف يغسِّلونه، أَيُجَرِّدُونَه ثيابه أم يتركونها عليه ؟ فجاءتهم سِنَةٌ من النوم جميعاً ( فناموا )، فما استيقظوا إلا وصوت يقول لهم : غسِّلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم في ثيابه.

فغسلوه عليه الصلاة و السلام في ثيابه ثم بدأوا بالتكفين بأثواب بيض، فكفَّنوه بثلاثة أثواب ثم بدأوا الصلاة فخرجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركوه ساعة من النهار ثم صلوا على النبي عليه الصلاة و السلام ثم بدأ الناس يدخلون على رسول الله صلى الله عليه و سلم أفواجاً أفواجاً وهم يصلُّون عليه بلا إمام فرسول الله صلى الله عليه و سلم إمام الأئمة.

ثم جاؤوا فحفروا القبر الشريف تحت فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم، فلمّا فرغوا و أنزلوا النبي عليه الصلاة و السلام فيه و بدأوا بِحَثي التراب، وبعد أن خرجوا إذ بفاطمة الزهراء تُقبِل، فلمّا دخلت البيت ورأت القبر قد سُمِد استدارت إلى الصحابة و قالت: كيف طابت أنفسكم أن تَحثوا التراب على أبي!! ثم مالت على تربة أبيها وقالت:

ماذا على من شمَّ تربة أحمدِ ألاَّ يشم مـدى الزمان غواليَ

وصُبَّت عليّ مصائبُ لو أنّها صُبَّت على الأيام عدنا لياليَ

فأخذها سيدنا عليّ وأقامها وأدخلها بيتها و هي تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتحت التراب تكون؟!!!

يقول أنس رضي الله عنه : "ما رأيتُ أوضأ ولا أضوأ من يوم أن دخل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم مهاجراً فلمّا دفنّاه ما رأيتُ أظلم من ذاك اليوم".

و يقول الصحابة بعد ذلك، إذا أُصيب أحدنا بمُصاب، كنّا نعزِّيه فنقول يا أخي أُذكُر مُصابك برسول الله صلى الله عليه و سلم، فينسى مصابه.

إنّه لأعظم مصاب و لكن نحن رضينا بقضاء الله و قَدَرِه، إنّ العين لتَدمع و إنّ القلب ليحزن و إنّا على فراقك يا رسول الله لَمَحزونون و لا نقول إلا ما يُرضي ربنا :

( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ) ثم ذهب بلال إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم أبي بكر، فقال له : إني سمعتُ رسول الله يقول، أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله .

قال له أبو بكر : فما تشاء يا بلال ؟ قال بلال : أردتُ أن أُرابط في سبيل اللهتعالى حتى أموت . فقال أبو بكر: و من يؤذِّن لنا؟ قال بلال و عيناه تفيضان من الدمع: إنّي لا أُؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم . قال أبو بكر: بل ابقَ و أذِّن لنا يا بلال .

قال بلال : إن كنتَ أعتقتني لأكون لكَ فليكن ما تريد و إن كنتَ أعتقتني لله فدعني و ما أعتقتني له . فقال أبو بكر : بل أعتقتك لله ! .

فَنَذَر بلال بقية حياته و عمره للمرابطة في ثغور الإسلام مصمِّماً على أن يلقى الله تعالى و رسوله و هو على خير عمل يُحِبَّانه . ولم يعد يصدح بالآذان صوته الشَّجي الحنون المهيب، ذلك أنه لم يكن ينطق في أذانه " أشهد أنَّ محمداً رسول الله" حتى تجيش به الذكريات فيختفي صوته تحت وقع أساه و تصيح بالكلمات دموعه و عَبَراته .و كان آخر أذان له أيام أن زار الشام أمير المؤمنين عمر و توسَّل المسلمون إليه أن يحمل بلالاً على أن يؤذِّن لهم . و صعد بلال و أذَّن فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله صلى الله عليه و سلم و بلال يؤذن له، بكوا كما لم يبكوا من قبل أبداً و كان عمر أشدهم بكاء .

و مات بلال في الشام مرابطاً في سبيل الله كما أراد فرضي الله تعالى عنه و عن سائر الصحابة الكرام .

وفي الختام أقتبس هذا البيت من قصيدة حسان بن ثابت في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض التصرف فأقول :

كتبت ما يسر الله في وصفه لعلي في جنة الخلد أخلدُ

مع المصطفى أرجو بذاك جواره وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهدُ

(الصلاة والسلام عليك يا رسول الله)



ميراث رسول الله صلى الله عليه و سلم :

روى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه مرَّ بسوق المدينة فوقف عليها فقال : يا أهل السوق ما أعجزكم ؟ قالوا و ما ذاك ؟ قال : ذاك ميراث محمد صلى الله عليه و سلم يُقسَم و أنتم هنا ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه ! قالوا : و أين هو ؟ قال : في المسجد . فخرجوا سراعاً، و وقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم : ما لكم ؟ فقالوا : يا أبا هريرة لقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نرَ فيه شيئاً يُقسَم ! فقال لهم أبو هريرة : و ما رأيتم في المسجد أحداً ؟ قالوا : بلى رأينا قوماً يصلّون و قوماً يقرؤون القرآن و قوماً يتذاكرون الحلال و الحرام .

فقال لهم أبو هريرة : ويحكم ! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه و سلم !!! .

* رسول الله صلى الله عليه وسلم حي على الدوام :

يؤخذ من الأحاديث التي وردت في شأنه صلى الله عليه وسلم أنه حي على الدوام، وذلك أنه محال عادة أن يخلوا الوجود كله من واحد يسلم عليه في ليل ونهار ونحن نؤمن ونصدق لأنه صلى الله عليه وسلم حي يرزق في قبره، وأن جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا، وزاد بعض العلماء، الشهداء والمؤذنين، وقد صح أنه كشف عن غير واحد من العلماء والشهداء فوجدوا لم تتغير أجسامهم، والأنبياء أفضل من الشهداء .ومن أدلة ذلك قوله تعالى : {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. [آل عمران: 169].

فإن الشهادة حاصلة له صلى الله عليه وسلم على أتم الوجوه، لأنه شهيد الشهداء، وقد صرح ابن عباس وابن مسعود وغيرهما رضي الله عنهم بأنه صلى الله عليه وسلم مات شهيداً .





فضيلة الصلاة على المصطفى المختار صلى الله عليه و سلم

المقصود بالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم

الحكمة في إضافة الصلاة إلى الله تعالى وملائكته دون السلام

الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون السلام

كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم

أفضل الكيفيات في الصلاة عليه

المراد بالبركة في قوله : " وبارك على محمد "

فضيلة الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم

فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم

فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته

الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وسيلة لنيل أرفع الدرجات

التحذير من ترك الصلاة عليه عند ذكره صلى الله عليه و سلم

استحباب ابتداء الدعاء بالصلاة و السلام عليه

الصلاة على النبي التي تجب بالنذر

الصلاة عليه عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث

الصلاة عليه عند كتابة الفتيا

الصلاة عليه عند القيام بصلاة الليل



يقول الله عز و جل في كتابه الكريم : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

لقد أمرنا الله سبحانه و تعالى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه الكريم وفي ذلك شرف منيف و فضل عظيم اختصّ به سيد خَلقه وصفوة عباده وخاتم رسله صلى الله عليه وسلم.

لقد أخبرنا الله عز و جل عن نفسه أنه سبحانه و تعالى يصلي على نبيِّه و أنّ ملائكته أيضاً يصلّون عليه ثم بعد ذلك أمر المؤمنين بقوله:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .

المقصود بالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم :



والصلاة من الله تعالى رحمة و رفع درجات ومن الملائكة استغفار ومن المؤمنين دعاء . ولم يُذكَر عن أحد سوى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أنه سبحانه وتعالى يصلي عليه هكذا ثم كلَّف به المؤمنين .

و للرسول صلى الله عليه و سلم أفضال عظيمة على الأمة كلها، فبه صلى الله عليه و سلم عرفنا خالقنا و مالكنا و تشرَّفنا بالإيمان و عن طريقه وصلت إلينا تلك التعليمات المباركة التي بها نحصل على فلاح الدنيا و الآخرة في صورة القرآن الكريم و الحديث الشريف .

قال ابن عبد السلام : ليست صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة منا له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه؛ لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا، وأفضاله علينا، إذ لا إحسان أفضل من إحسانه صلى الله عليه وسلم، وفائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه دلالة ذلك على نضوج العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والاحترام.

وقال أبو العالية: صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته، وصلاة الملائكة عليه الدعاء .

قال ابن حجر : وهذا أولى الأقوال، فيكون معنى صلاة الله عليه ثناؤه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من الله تعالى .

قال الطبري عن ابن عباس في تفسير هذه الآية : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} . [الأحزاب: 56] .

يقول : يباركون على النبي، ومعنى ذلك أن الله يرحم النبي، وتدعوا له ملائكته ويستغفرون، وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو الدعاء، ويقول الله تعالى ذكره : يا أيها الذين آمنوا ادعوا لنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم وسلموا عليه تسليما، يقول : وحيوه تحية الإسلام .

وصلاة الله على النبي ذكره بالثناء في الملأ الأعلى ؛ وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله سبحانه وتعالى، ويالها من مرتبة سنية حيث تردد جنبات الوجود ثناء الله على نبيه ؛ ويشرق به الكون كله، وتتجاوب به أرجاؤه، ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي . وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة وهذا التكريم، وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي وتسليمه، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم ؛ إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وتسليمهم إلى تسليمه، وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم .

معنى صلاة الله والملائكة والرسول على المؤمنين كلمة الصلاة تعني مزيجاً من الثناء والمحبة ورفعة الشأن والدرجة وهذه الكلمة وردت بالنسبة إلى أعمال صالحة قام بها أصحابها، فاستحقوا بها الصلاة، وبالنسبة إلى جمهور المؤمنين عموماً، فالذين يصبرون على مصابهم، ويتحملون بجلدٍ بلواهم هؤلاء لا يحرمون من عناية الله ورحمته، قال الله تعالى : {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة : 156-157].

وهناك صنف آخر من عباد الله، يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليهم، هؤلاء هم الذين يخرجون الحق المعلوم ويكبتون وساوس الشيطان التي تأمر بالبخل والكزازة ويبسطون أيديهم بالعطاء تفريجاً للكرب، ودعماً للجهاد، هؤلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ صدقاتهم، وأن يصلي عليهم، قال تعالى :

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103]، أي يجيب دعاءك لهم، وصلاتك عليهم .

ووردت آية أخرى تقول : {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] .

وتبين هذه الآية الكريمة أن رب العالمين يحب أهل الإيمان، ويتولاهم بالسداد والتوفيق، وتحيط بهم في الدنيا ظلمات شتى، فهو يخرجهم من الظلمة، ويبسط في طريقهم أشعة تهديهم إلى الغاية الصحيحة، وترشدهم إلى الطريق المستقيم، وهذا المعنى في عمومه ذكرته الآية :

{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، [البقرة: 257].

إن الصلاة التي يستحقها الصابرون على مصابهم، والصلاة التي يستحقها المؤتون للزكاة، والصلاة التي يخرج بها أهل الإيمان من الظلمة إلى الضوء، ومن الحيرة إلى الهدى، هذه الصلوات كلها دون الصلاة التي خصَّ الله بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن صلاة الله وملائكته على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تنويه بالجهد الهائل الذي قام به هذا الإنسان الكبير، كي يخرج الناس من الظلام إلى النور، وهو الذي بدد الجاهليات، وأذهب المظالم والظلمات .

لقد نقل النبي صلى الله عليه وسلم وحده العالم أجمع من الضلال إلى الهدى، وأكد هذا المعنى قوله جل جلاله :

{لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 1-3 ].

فما كان أهل الكتاب ولا كان المشركون ينفكون عن ضلالهم، يفارقون غوايتهم وحيرتهم وعوجهم وشروهم، ما كانوا يستطيعون الانفكاك من مواريث الغفلة وتقاليد العمى؛ إلا بعد أن جاء هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد جعل الحليمي في شعب الإيمان تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم من شعب الإيمان وقرر أن التعظيم منزلة فوق المحبة، ثم قال : فحق علينا أن نحبه ونبجله ونعظمه أكثر وأوفر من إجلاله كل عبد سيده وكل ولد والده، بمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله تعالى، ثم ذكر الآيات والأحاديث، وما كان من فعل الصحابة رضوان الله عليهم معه، الدال على كمال تعظيمه وتبجيله في كل حال وبكل وجه .

الحكمة في إضافة الصلاة إلى الله تعالى وملائكته دون السلام :

يحتمل أن يقال له معنيان : التحية والانقياد، فأمر به المؤمنون ؛ لصحتها منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهم دفعاً للإيهام والله أعلم .

الحكمة في أن الله تعالى أمرنا أن نصلي ونحن نقول : اللهم صَلّ على محمد وعلى آل محمد، فنسأل الله تعالى أن يصلي عليه ولا نصلى نحن بأنفسنا،يعني بأن يقول العبد في الصلاة : أصلي على محمد، قلنا : لأنه صلى الله عليه وسلم طاهر لا عيب فيه، ونحن فينا العيوب والنقائض، فكيف يثنى من فيه عيوب على طاهر؟ فنسأل الله أن يصلي عليه.

ولا يكفي للعبد أن يقول في الصلاة صليت على محمد ؛ لأن مرتبة العبد تقصر عن ذلك بل يسأل ربه أن يصلي عليه؛ لتكون الصلاة على لسان غيره، حينئذ فالمصلي في الحقيقة هو الله، ونسبة الصلاة إلى العبد مجازية بمعنى السؤال.

الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون السلام:

إن الصلاة مؤكدة بأن، وكذا بإعلامه تعالى أنه يصلى عليه وملائكته وكذلك السلام، فحسن تأكيده بالمصدر إذ ليس ثَّمَ ما يقوم مقامه، وقد وقع تقديم الصلاة على السلام في اللفظ، وكان للتقديم مزية ومزيد اهتمام، فحسن أن يؤكد السلام ؛ لتأخر مرتبته في الذكر لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره.

- كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم :

عندما نزلت الآية الكريمة، سأل الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة عليه فإنَّ كيفية السلام معلومة، فأخبرهم الرسول صلى الله عليه و سلم، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : " لقيني كعب بن عُجرة فقال : ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه و سلم ؟ فقلتُ : بلى فاهدها لي، فقال : سألنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقُلنا : يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ فإنَّ الله علَّمنا كيف نسلِّم عليك، قال : قولوا : اللهم صلِّ على محمد و على آل محمد كما صلَّيتَ على ابراهيم و على آل ابراهيم إنَّك حميد مجيد، اللهم بارِك على محمد و على آل محمد كما باركتَ على ابراهيم و على آل ابراهيم إنَّك حميد مجيد " .

و لذلك ذهب كثير من العلماء أنَّ هذه الصيغة هي أفضل الصِّيَغ للصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم، كما كره البعض منهم إفراد الرسول صلى الله عليه و سلم بالصلاة دون التسليم .

أفضل الكيفيات في الصلاة عليه :

استدل بتعليمه صلى الله عليه وسلم لأصحابه كيفية الصلاة عليه بعد سؤالهم عنها أفضل الكيفيات في الصلاة عليه ؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف والأفضل، ويترتب على ذلك لو حلف أن يصلي عليه أفضل الصلاة فطريق البر أن يأتي بذلك، هكذا صوبه النووي في الروضة.



إن ذاكر النبي صلى الله عليه وسلم يعد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات والغافل عن ذكره يعد من الغافلين .

المراد بالبركة في قوله : " وبارك على محمد " :

المراد بالبركة في قوله : " وبارك " : النمو والزيادة من الخير والكرامة، وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية، وقيل : المراد ثبات ذلك ودوامه واستمراره من قولهم : بركت الإبل : أي ثبتت على الأرض، وبه سميت بركةُ الماء ( بكسر أوله وسكون ثانيه ) ؛ لإقامة الماء فيها وبه جزم، وقد يوضع موضع التيمن فيقال : للميمون مبارك بمعنى أنه محبوب مرغوب فيه .

والحاصل أن المطلوب أن يعطوا من الخير أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمر، فإذا قلنا : اللهم بارك على محمد فالمعنى اللهم أدم ذكر محمد ودعوته وشريعته، وكَثّر اتباعه وأشياعه، وعَرّف أمته من يمنه وسعادته أن تشفعه فيهم، وتدخلهم جنانك، وتحلهم دار رضوانك، فيجتمع التبريك عليه الدوام والزيادة والسعادة .

وقال صلى الله عليه وسلم : " إنَّ أولى الناس بي أكثر هم عَلى صلاة ". (أخرجه الترمذي وابن حبان وقال الترمذي : حسن غريب، وقال ابن حبان : صحيح ).

- فضيلة الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم :

عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجداً، فأطال السجود، حتى ظننت أن الله قبض نفسه فيها، فدنوت منه، فرفع رأسه قال : من هذا ؟ قلت عبد الرحمن، قال ما شأنك ؟ قلت : يا رسول الله سجدت سجدة حتى ظننت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها، فقال : " إن جبريل أتاني فبشرني فقال : إن الله عز وجل يقول : من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً "، قال الحاكم : هذا حديث صحيح ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا الحديث وأخرجه أحمد والبيهقي كذلك .

وعن أبي بردة بن دينار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما صلى عليَّ عبد من أمتي صلاة صادقاً من قلبه إلا صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، محا عنه بها عشر سيئات "، رواه ابن أبي عاصم في الصلاة، والنسائي في اليوم والليلة والسنن والبيهقي في الدعوات والطبراني ورجاله ثقات، ورواه اسحاق بن راهويه والبزار بسند رجاله ثقات أيضا .

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل وفي رواية ثلث الليل قام فقال : " يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، قال أبي بن كعب فقلت يا رسول الله : إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي، قال : ما شئت قلت الربع . قال : ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت : فالنصف . قال : ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال : قلت فالثلث . قال : ما شئت، وإن زدت فهو خير لك . قلت أجعل لك صلاتي كلها. قال: إذا يكفي همك، ويغفر ذنبك "، رواه أحمد وابن حميد في مسنديهما والترمذي وقال : حسن صحيح .

وفي لفظ لأحمد وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم قال رجل يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك ؟ قال : " إذا يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك "، وإسناده جيد .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما رجل كسب مالاً من حلال فأطعم نفسه أو كساها، فمن دونه من خلق الله، فإنه له زكاة، وأيما رجل لم يكن عنده صدقة، فليقل في دعائه : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وعلى المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات فإنه له زكاة "، أخرجه البخاري في الأدب المفرد بنحوه وأبو يعلى والبيهقي في أدبه .

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشرا "، رواه مسلم .

و روى النسائي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات و حطَّت عنه عشر خطيئات و رفعت له عشر درجات " .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من أحدٍ يُسَلَّمُ عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرُدَّ عليه السلام " . ( رواه أبو داود بإسناد صحيح ) .



فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم :

- أخرج الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أَولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاةً " .

- وأخرج الترمذي أيضاً عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال : قُلتُ : يا رسول الله، إني أُكثِرُ الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال : " ما شئت "، الربع ؟ قال : " ما شئت، فإن زدت فهو خير لك "، قلت : النصف ؟ قال : " ما شئت، فإن زدت فهو خيرٌ لك " قلت : أجعل لك صلاتي كلها ؟ قال : " إذاً تُكفى همّك ويُكَفَّر لك ذنبك " .

وفي هذه الأحاديث دلالة على شرف هذه العبادة من تضعيف صلاة الله على المصلي، وتضعيف الحسنات وتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وأن عتق الرقاب مضاعفة، فأكثر من الصلاة على سيد السادات، ومعدن أهل السعادات، فإنها وسيلة لنيل المسرات، وذريعة لأنفس الصلات، ومنع المضرات، ولك بكل صلاة صليتها عليه عشر صلوات، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .

و هو صلى الله عليه و سلم شفيق على أمَّته لدرجة أنّ الناس عندما تقول نفسي نفسي يوم القيامة يكون هو الوحيد صلى الله عليه و سلم الذي يقول : يا رب أمَّتي أمَّتي، ثم يشفع للناس أجمعين يوم لا يجرؤ أحد أن يتقدَّم للشفاعة و إنَّما هو حبيب رب العالمين و الرحمة للعالمين صلى الله عليه و سلم وحده الذي أعطاه الله سبحانه و تعالى حق الشفاعة فيشفع و يُشَفَّع و تكون شفاعته على قسمين : شفاعة عامّة و تشمل الناس أجمعين من مؤمنين و كافرين و ذلك لتعجيل الحساب بعد طول انتظار، وشفاعة خاصة تكون لأفرادٍ من أمَّته.

* فضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته :

لقد ثبتت عنه صلى الله عليه و سلم فضائل كثيرة للصلاة عليه صلى الله عليه و سلم يوم الجمعة و ليلته بصورة خاصة، و رُويَ ذلك عن كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لذا ينبغي أن يضاعف كل واحد منّا ورده في يوم الجمعة و في ليلته خاصة عن بقية الأيام.

أخرج ابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " أكثِروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة و إنّ أحداً لن يصلي عليّ إلا عُرِضَت عليّ صلاته حتى يفرغ منها "، قال: قلت: و بعد الموت؟ قال: " إنّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ". قال الدميري: ورجال إسناده كلهم ثقات.

وقال صلى الله عليه وسلم: " من قال حين يسمعُ الأذان والإقامة: اللهم رَبّ هذه الدعوة النافعة، والصلاة القائمة آتِ مُحمَّداً الوسيلة والفضيلة، وابعثهُ مقاما محموداً الذي وعدته، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة "، أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة وأحمد وابن حبان.

و أخرج أبو داود عن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدم وفيه قُبِضَ و فيه النفخة وفيه الصعقة فأكثِروا عليّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم تُعرَضُ عليّ فأدعو لكم وأستغفر"

ولقد قال الشافعي رضي الله عنه: " أحب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال وأمّا في يوم الجمعة و ليلتها أشدُّ استحباباً ".

واعلم أنه كما ورد أنّ من صلى عليه صلى الله عليه وسلم فإنّ الله يصلي عليه عشراً هكذا ذكر العلماء أنّ من أساء في حق شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم فإنّه تنزل على كل إساءة عشرة لعنات من العزيز القهّار على المُسيء نعوذ بالله من ذلك.

الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وسيلة لنيل أرفع الدرجات:

أي عمل أرفع وأي وسيلة أشفع وأي عمل أنفع من الصلاة على من صلى الله عليه وجميع ملائكته، وخصه بالقربة العظيمة منه في دنياه وآخرته، فالصلاة عليه أعظم نور وهي التجارة التي لا تبور، وهي كانت هجيري الصالحين في المساء والبكور، فكن مثابراً على الصلاة على نبيك، فبذلك تطهر نفسك، ويزكو منك العمل، وتبلغ غاية الأمل، ويضيء نور قلبك - وتنال مرضاة ربك وتأمن من الأهوال يوم المخاوف والأوجال صلى الله عليه وسلم تسليما كما كرمه الله برسالته تكريما، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما.

عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام "، رواه أحمد والنسائي والدرامي وأبو نعيم والبيهقي وابن حبان والحاكم في صحيحهما وقالا: صحيح الإسناد.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله تعالى إليَّ روحي، حتى أرد عليه السلام "، رواه أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي بإسناد حسن بل صححه النووي في الأذكار.



التحذير من ترك الصلاة عليه عند ذكره صلى الله عليه و سلم :

عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احضروا المنبر "، فحضرنا، فلما ارتقى درجته قال : " آمين "، ثم ارتقى الثانية، فقال " آمين "، ثم ارتقى الثالثة، فقال : " آمين "، فلما نزل قلنا يا رسول الله قد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه، فقال: "إن جبريل عرض لي، فقال بغض من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بغض من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت " آمين "، فلما رقيت الثالثة قال: بغض من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت " آمين".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نسي الصلاة عليَّ نُسِيَ - وفي رواية خطىء - طريق الجنة "، رواه البيهقي في الشعب والسنن الكبرى والتيمي في الترغيب وإسناده حسن وإنما أراد بالنسيان الترك.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم من الله ترة ( الترة: الباطل وهو الصَّغار والبعد عن الجادة يوم القيامة)، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم "، رواه أحمد والطيالسي والطبراني في الدعاء وأبو الشيخ وإسماعيل القاضي وأبو داود والترمذي واللفظ له.

وقال صلى الله عليه وسلم : " بحَسْب المَرءِ من البُخل أن أُذكرَ عنده ولا يُصلِّي عَليَّ "، أخرجه النسائي وابن حبان والترمذي وقال حسن صحيح.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رَغِمَ: أي لصق بالرغام وهو التراب، وهو كناية عن الذل والحقارة) أنف رجُل ذُكرتُ عنده، فلم يُصلِّ علي "، رواه الترمذي وقال حديث حسن.

استحباب ابتداء الدعاء بالصلاة و السلام عليه:

قال صلى الله عليه وسلم : " إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئاً، فليبدأ بحمده والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليسأل، فإنه أجدر أن ينجح ". ( أخرجه عبد الرازق والطبراني وابن أبي الدنيا بسند صحيح).

وعن فضاله بن عبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله، ولم يُصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره : " إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء ". ( أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: هو على شرط مسلم وفي موضع آخر على شرطهما وأخرجه النسائي بنحوه ).

وقال النووي : أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك يختم الدعاء بهما.

الصلاة على النبي التي تجب بالنذر :

ومما يستفاد هنا شيئان: أحدهما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تجب بالنذر؛ لأنها من أعظم القربات وأفضل العبادات وأجل الطاعات لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يطيع الله فليطعه".

الثاني: لو خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عصره مصلياً لزمه الإجابة في الحال.

الصلاة عليه عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث :

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث ابتداء وانتهاء متأكد لمن وصف بوصف التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفتح كلامه بحمد الله والثناء عليه وتمجيده والاعتراف له بالوحدانية وتعريف حقوقه على العباد، ثم بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمجيده والثناء عليه، وأن يختم ذلك أيضاً بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تسليماً .

قال ابن الصلاح ينبغي أن يحافظ على الصلاة والتسليم عند ذكره صلى الله عليه وسلم، وأن لا يسأم من تكرير ذلك عند تكريره، وكتبته، ومن أغفل ذلك حرم حظاً عظيماً، وما نكتبه من ذلك فهو دعاء نثبته لا كلام نرويه، فلا تتقيد بالرواية، ولا تقتصر فيه على ما في الأصل، وهكذا في الأمر في الثناء على الله عند ذكر اسمه عز وجل.

وقال النووي في الأذكار : يستحب لقارىء الحديث وغيره ممن في معناه إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم ولا يبالغ في الرفع مبالغة فاحشة .

الصلاة عليه عند كتابة الفتيا :

قال النووي رحمه الله في الروضة من زوائده : يستحب عند إرادة الإفتاء أن يستعيذ من الشيطان، ويسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول : لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول :

{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [ طه: 25-28].

ثم قال: إذا كان السائل قد أغفل الدعاء أو الحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الفتوى ألحق المفتي ذلك بخطه، فإن العادة جارية به.

الصلاة عليه عند القيام بصلاة الليل :

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : يضحك الله إلى رجلين : رجل لقي العدو وهو على فرس من أمثل خيل أصحابه، فانهزموا، وثبت، فإن قتل استشهد وإن بقي فذاك الذي يضحك الله إليه، ورجل قام في جوف الليل لا يعلم به أحد، فتوضأ وأسبغ الوضوء ثم حمد الله ومجده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم واستفتح القرآن فذاك الذي يضحك الله إليه يقول : انظروا إلى عبدي قائماً لا يراه أحد غيري .( أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة وعبد الرزاق بسند صحيح ) .



رؤية رسول الله صلى الله عليه و سلم



ما يراه الإنسان في أثناء نومه إن كان شيئاً يسرَّه فتلك رؤيا صالحة وهي من الله تعالى.

قال صلى الله عليه وسلم : " لم يبق من النبوة إلا المبشرات " رواه البخاري . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : " إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله تعالى فليحمد الله عليها وليحدِّث بها" رواه الشيخان وفي رواية : "فلا يحدث بها إلا من يحب" وإن كانت هذه الرؤيا لا تسره فذلك حلم من الشيطان فلينفث عن يسراه ثلاث مرات وليتعوَّذ من شرها فإنها لا تضره ولا يلقي لها بالاً ولا يخبر بها أحداً فهي وسوسة من الشيطان .

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : {لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [يونس: 64] قال: ما سألني عنها أحد قبلك هي الرؤيا الحسنة يراها المرء أو تُرى له " رواه الترمذي وأحمد وحسَّنه الترمذي ورواه الطبراني بإسناد قوي. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي " رواه الشيخان. وروى الشيخان عن أبي هريرة أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من رآني فسيراني في اليقظة " .

هكذا يتبين لنا أن من يرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في منامه فهذه رؤيا صالحة وبشارة من الله تعالى إما بحُسن الخاتمة والوفاة على الإيمان أو أن الرؤيا قد تكون موعظة لصاحبها وتذكِرة له . وقال العلامة المناوي رحمه الله تعالى : يراه رؤية خاصة في الآخرة بصفة القرب والشفاعة.



ينبغي أوَّلاً ملاحظة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوصافه الشريفة و أخلاقه المنيفة ليسهل تطبيقه بعد الرؤية في المنام عليها. و حقيقة الرؤيا اعتقادات يخلقها الله في قلب النائم كما يخلقها في قلب اليقظان يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم و لا يقظة . و قوله من رآني في المنام فقد رآني، أي من رآني في حال النوم فقد رآني حقّاً أو فكأنما رآني في اليقظة فهو على التشبيه و التمثيل و ليس المراد رؤية جسمه الشريف و شخصه المنيف بل مثاله على التحقيق.

وقوله فإنّ الشيطان لا يتمثَّل بي أي لا يستطيع ذلك لأنه سبحانه و تعالى جعله محفوظاً من الشيطان في الخارج فكذلك في المنام سواء رآه على صفته المعروفة أو غيرها قال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال ليست باطلة ولا أضغاثاً، بل هي حق في نفسها، ولو رُؤي على غير صورته صلى الله عليه وسلم، فَتصَوُّر تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هي من قِبَل الله تعالى . ولقد اتفق العلماء أنه من رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام على الهيئة التي وُصِفَت لنا في كتب الشمائل بسند صحيح فقد رآه قطعاً وأما من رآه على غير الصورة المذكورة في السُنَّة الصحيحة كأن رآه حليقاً أسود اللون هنا وقع الخلاف بين العلماء .

فريق منهم قال إنه يكون قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة وإن كان المرئي ليس هو النبي صلى الله عليه وسلم بعينه (أي ذاته) ولكن تُؤوَّل هذه الرؤية بحسب اختلاف حال الرائي لأنه صلى الله عليه و سلم كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها ما يقابلها وفي ذلك يقول النووي رحمه الله تعالى : والصحيح أنه يراه - صلى الله عليه وسلم الرائي في المنام - حقيقة، سواء كانت على صورته المعروفة أو غيرها .

و يُذكر أنّ رؤية الرسول صلى الله عليه و سلم في صورة حسنة تدل على حُسن دين الرائي بخلاف رؤيته في صورة شين أو نقص في بعض البدن فإنها تدل على خلل في دين الرائي فبها يعرف حال الرائي فلذلك لا يختص برؤيته صلى الله عليه و سلم الصالحون بل تكون لهم ولغيرهم .

وقال فريق آخر من المحدثين والعلماء إنه من رآه عليه الصلاة والسلام على غير الصورة أو الأوصاف التي نُقِلَت إلينا فلا يُعتبر أنه رآه، واستدلوا على ذلك بأن بعض التابعين كان إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أخبر الصحابة فيقولون له صفه لنا فإذا كان رآه على وصفه بشَّروه بأنه رآه وإلا فلا .

سؤال : ما حكم من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأمره بطاعة ما وماذا لو أمره بمعصية ؟

الجواب : إذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بما يوافق الشرع كأن أمره بصوم يوم كذا مثلاً ونحو ذلك مما يوافق الشرع، يندب للرائي العمل به هو نفسه بشكل خاص ولا يأمر به الناس ولا يندب لغيره أن يأخذ به.

فلقد سُئلَ شيخ الإسلام زكريا الأنصاري أن رجلاً رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام يأمره أن يأمر المسلمين أن يصوموا يوم كذا، فقال : لا يجب علينا صومه ولا نأمر به المسلمين بل يندب صومه للرائي فقط .

أما لو أُمِرَ بمعصية ففي ذلك شبهة أوضحها الإمام النووي فقال : أما الرؤية فجاء بها النص فلا يمكن للشيطان أن يتمثل به صلى الله عليه وسلم .

أما ما وراء الرؤية كالكلام وغيره فلم يأتِ فيه نص يمنع أن يكون الشيطان ألقى في سمع النائم وتلاعب به . وذلك يكون بأن يرى النائم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فيأتي الشيطان فيأمر النائم بأمور ويسمعها النائم فيظن أنها من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ممكن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح : " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه " . ومن المعلوم أن الشيطان يحاول أن يلقي في روع الأنبياء فيبطل الله سبحانه وتعالى ما يلقيه فكيف لا يمكن له أن يلقي في روع أحدنا وهو نائم ؟ !!! ومن المعلوم أن الشيطان قد يتلاعب بالإنسان في نومه وقد يستعين بعض الفجار بالجن حتى يتلاعب بإنسان و الاحتلام هو باب من تلاعب الشيطان بالإنسان .

ثم قال النووي : وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم في المنام من قبيل الرواية والإخبار، والرواية والإخبار لا يُقبل فيه إلا الضابط، والنائم لا يعتبر ضابطاً، وذلك لأنه قد ينسى ويلقى الشيطان في روعه أشياء أخرى، ومن المعلوم أن أطول منام لا يتجاوز اللحظات القليلة وإنه أحسَّ به الإنسان أن طويل جداً "، بسط هذا الكلام الإمام النووي في تهذيب الأسماء والصفات.



بعض المعلومات المهمة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم

نسبه الشريف

تاريخ و مكان ولادته

أسماؤه

أمّهاته

نبوّته

أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن

أولاده الكرام

بعثته وهجرته

وفاته

1-نسبه الشريف :

هو رسول الله صلى الله عليه و سلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، و ينتهي نسبه الشريف إلى سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام .

2-تاريخ و مكان ولادته : ولد عام الفيل صبيحة يوم الاثنين سنة 571 ميلادية في مكة المكرمة و بقي فيها قرابة الثلاث وخمسين سنة ومن ثم هاجر إلى المدينة وتوفي فيها عن ثلاث وستين سنة .

3- أسماؤه :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا محمد، وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو اللهُ به الكفر، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقِب الذي ليس بعده نبي "، وقد سماه الله رؤوفاً رحيماً متفق عليه.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمي لنا نفسه أسماء فقال :" أنا محمد، وأنا أحمد،وأنا المقفِّي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة )، ( المقفِّي: آخر الآنبياء)"، رواه مسلم .

قال القاضي عياض : قد حمى الله هذين الاسمين ( يعني محمد وأحمد ) أن يتسمى بهما أحد قبل زمانه، أحمد الذي ذكر في الكتب وبشر به عيسى عليه السلام، فمنع الله بحكمته أن يتسمى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل اللبس ولا الشك فيه على ضعيف القلب، وأما محمد فلم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلا حين شاع قبيل مولده أن نبياً يبعث اسمه محمد، فسمى قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته .

ومن تكريم الله تعالى له ولاسمه الشريف أنه صرف كفار قريش عن شَتم اسمه، فكانوا يدعونه مذمَّماَ وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام : " ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش، ولعنهم ؟ يشتمون مذَمَّماً، ويلعنون مُذَمَّماَ وأنا محمد ".

4- أمّهاته:

- آمنة بنت وهب: " أمه ولادة "، كانت خير امرأة في قريش نسباً وموضعاً من أسرة تعتبر من أشرف القبائل العربية وأشرفها سلالة .

- حليمة السعدية : " أمه رضاعة "، كانت فاضلة طيبة وحاضنة مرضعة، كسبت شرف أمومة رسول الله صلى الله عليه وسلم برضاعته .

- بَرَكة ثعلبة (أم أيمن) : "أمه حضانة"، كانت من موالي عبد الله بن عبد المطلب، احتضنت النبي صلى الله عليه وسلم عندها حتى شب وقد أحسنت حضانته وأخلصت إليه . وقد أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زواجه من السيدة خديجة وتزوجت وولدت أيمن رضي الله عنه الذي كان له شأن كبير في الإسلام، فقد هاجر و جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشهد يوم حنين . وأم أيمن كانت قد أعلنت إسلامها من بداية الدعوة وكانت من أوائل النسوة اللاتي هاجرن إلى الحبشة وإلى المدينة وبايعن الرسول صلى الله عليه وسلم .

ولقد كانت خلال هجرتها إلى المدينة المنورة، صائمة مهاجرة ماشية، ولم يكن معها شيء من الزاد أو الشراب ولما حانت ساعة الإفطار منحها الله تعالى كرامة عظيمة إذ دُّلي عليها من السماء دلو فيه ماء، فأخذته وشربت منه حتى رويت فما عطشت بعدها أبداً . أسلمت روحها الطاهرة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ودُفنت في البقيع .

فاطمة بنت أسد الهاشمية : " أمه تكريماً "، وهي زوجة عم الرسول صلى الله عليه وسلم أبي طالب، وأم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . وطالب وعقيل وجعفر وأم هانىء وجمانه وريطة بن أبي طالب أولاد عم الرسول عليه الصلاة والسلام . أولت النبي صلى الله عليه وسلم رعاية خاصة وبذلت أقصى جهدها حتى لا تجعله يشعر بالغربة أو اليتم، حتى أنها كانت تفضله في بعض الأوقات على أبنائها وبهذا أصبحت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها من أقرب المقربات للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ولقد حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث

5- نبوّته : في الأربعين من عمره الشريف، نزل عليه أمين الوحي جبريل عليه السلام و هو في غار حراء حيث بلّغه رسالة ربه عز و جل و كان ذلك في رمضان سنة 13 قبل الهجرة الموافق تموز سنة 610 م .

6- أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن

- ست توفاهنَّ الله قبله وهنَّ:

1- خديجة بنت خويلد رضي الله عنها: وهي أول نسائه تزوجها قبل النبوة وعمره خمس وعشرون سنة وهي أم أولاده ما عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية.

لم يتزوج عليها حتى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين وهي أول من آمن من النساء بالله وبرسوله وراحت تدعو إلى الإسلام بجانب زوجها عليه الصلاة والسلام بالقول والعمل ضاربة أروع النماذج وأصدقها في الدعوة إلى الجهاد في سبيله، فكانت بحق الزوجة الحكيمة التي تقدر الأمور حق قدرها وتبذل من العطاء ما فيه إرضاء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك استحقت أن يبلغها جبريل من ربها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ( رواه البخاري) .كانت وفاتها رضي الله عنها، قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح و دفنها النبي صلى الله عليه وسلم بالحجون في مكة.

2- زينب بنت خزيمة الهلالية: لم تلبث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً - شهرين أو ثلاثة - حتى توفيت في حياته.

3- سبا بنت الصَّلت أو سناء بنت الصَّلت: ماتت قبل أن يدخل بها.

4- أساف أو شِراف أخت دحية الكلبي: ماتت قبل أن تصل إليه.

5- خولة بنت الهُذيل: ماتت قبل أن يدخل بها وقد وهبت نفسها له.

6- خولة بنت حكيم السلمية: ماتت قبل أن يدخل بها، وقد وهبت نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام وكانت تخدمه وكانت صالحة فاضلة.

* نساؤه اللاتي مات عنهن:

1- عائشة بنت الصِدَّيق : تزوجها بعد موت خديجة بسنتين أو ثلاث بمكة وهي بنت ست أو سبع سنين كما ورد في الصحيح. زفَّت إليه وهي بنت تسع سنين ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة و كان وفاتها سنة 57 من الهجرة. ولم يتزوج بكراً غيرها وكانت أَحَبُّ نسائه إليه. ولعائشة بنت الصدّيق الأكبر، حبيبة حبيب رب العالمين من الفضائل مالا يخفى على أحد.

2- سودة بنت زُمعة: تزوجها بعد عائشة وهي أرملة، توفيت في آخر زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

3- حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: تزوجها بالمدينة بعد سودة وكانت من المهاجرات ولدت قبل البعثة بخمسة سنين وماتت يوم بايع الحسن معاوية وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد طلقها فقال له جبريل عليه السلام: "راجع حفصة فإنها صوَّامة قوَّامة وإنها زوجتك في الجنة "، فراجعها.

4- أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة: هاجرت مع زوجها الأول إلى أرض الحبشة ولكن زوجها افتتن وتنصَّر ومات نصرانياً ولكن الله ثبَّتها على الإسلام. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع من الهجرة، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بحضانة ابنه إبراهيم لها . توفيت سنة أربعة وأربعين في خلافة أخيها معاوية بن أبي سفيان.

5- أم سَلَمَة: هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزوميَّة: تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية من الهجرة بعد موقعة بدر. كانت رشيدة الرَّأي فهي التي أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أن يخرج إلى هَديِهِ لينحره ثم يدعو الحلاّق ليحلُق رأسه فما كان من المسلمين لمَّا رأوه إلاّ أن فعلوا مثلما فعل، بعد أن كان أمَرهم بحلق رؤوسهم ونحر هديِهِم والتَّحلُّلِ من إحرامهم، غير أنهم لم يمتثلوا لأمره في بادىء الأمر لأنهم شعروا بضيق شديد من المعاهدة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش والتي عُرفت (بصلح الحُدَيبية) فهم كانوا يُمَنّون أنفسهم بدخول مكة للعمرة بينما نصَّت المعاهدة فيما نصّت ألا يعتمروا في ذاك العام وأن يرجعوا في العام المقبل ليدخلوا مكة بعد أن تخرج قريش منها ويمكثوا فيها ثلاثة أيام فقط ليس معهم من السلاح إلا السيوف في قرابتها.

توفيت أم سلمة في أول خلافة يزيد بن معاوية.

6- ميمونة بنت الحارث: بدأ به صلى الله عليه وسلم المرض في بيتها، وقد قيل إنها من اللائي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم و كانت آخر نسائه موتاً.

7- صفية بنت حُيَيّ بن أخطب: من سبي بني النَّضير، اصطفاها عليه الصلاة والسلام وأعتقها ثم تزوجها وكانت عاقلة حليمة فاضلة توفيت في رمضان سنة خمسين هجرية في زمن معاوية رضي الله عنه.

8- جويرية بنت الحارث من بني المصطلق: كان اسمها برَّة فسمّاها النبي صلى الله عليه وسلم جويرية، كانت أبرك امرأة على قومها لأنها عندما تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم تسامع الناس بذلك فأطلق المسلمون ما في أيديهم من السَّبي وأعتقوهم قائلين : هم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعتق بسببها مائة من بني المصطلق مما دفع العديد منهم للدخول في الإسلام .

9- زينب بنت جحش : كانت ممن أسلم قديماً وهاجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، خطبها النبي لزيد بن حارثة فلم ترض به فنزلت الآية من سورة الأحزاب :{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، فرضيت عندها وتزوجت منه. ولكن زيد طلقها ثم تزوجها النبي وكان ذلك لحكمة وهي إزالة آثار التبني، توفيت سنة عشرين في خلافة عمر بن الخطاب .

أولاده الكرام :

وكلهم من خديجة رضي الله تعالى عنها إلا إبراهيم من مارية القبطية .

أما بناته عليه الصلاة والسلام فأربع :

زينب ورُقِيَّة وأم كلثوم وفاطمة رضي الله تعالى عنهن .

وأما أبناؤه عليه الصلاة والسلام فثلاثة : القاسم وعبد الله وإبراهيم، رضي الله تعالى عنهم

1- القاسم: هو أول ولد له عليه الصلاة والسلام قبل النبوة في مكة المكرمة وبه يُكَنَّى وعاش حتى مشى.

2- زينب: هي أكبر بناته وُلِدت سنة ثلاثين من مولده عليه الصلاة والسلام وأدركت الإسلام .

3- رقـيـة: ولدت سنة ثلاث وثلاثين من مولده عليه الصلاة والسلام وتزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه وتوفيت والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر فزوجه أم كلثوم وسمي بذي النورين.

4- فاطمة الزهراء: وُلِدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم وسُمِّيت فاطمة لأن الله تعالى قد فطمها وذريتها عن النار. وتزوجت بعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، في السنة الثانية للهجرة ولها من العمر خمس عشرة سنة وخمسة أشهر. وهي أفضل بناته وأحبهنَّ إليه وكان يقول كما في صحيح البخاري: " فاطمة بِضعة مني فمن أغضبها أغضبني"، وقال لها كما في صحيح مسلم: "أو ما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين". توفيت بعده عليه الصلاة والسلام بستة أشهر أي وهي في الثالثة والعشرين من عمرها ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم عَقِبٌ (أي أحفاد) إلا من ابنته فاطمة.

5- عبد الله: قيل إنه مات صغيراً بمكة واختُلِفَ هل مات قبل النبوة أو بعدها.

6- إبراهيم: من ماريا القبطية، وُلِدَ في ذي الحِجة سنة ثمانٍ من الهجرة وتُوُفيَ صغيراً.

7- أم كلثوم: هي أصغر من فاطمة وليس لها اسم غير هذه الكنية، فاسمها كُنيَتُها. وُلِدَت بعد البعثة وتزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة ثلاث من الهجرة بعد موت أختها رُقِية و لِذا لُقبَ بذي النورَين، وتُوفِيَت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة و السلام لعثمان: "لو كان عندنا ثالثة لَزَوجناكها"

* بعثته وهجرته:

بعث إليه في الأربعين من عمره في مكة وبقي فيها ثلاث عشرة سنة بعد البعثة ثم هاجر إلى المدينة المنورة فمكث فيها عشر سنوات تقريباً .

5- وفاته: في الثالث والستين من عمره توفاه الله تعالى وانتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن أدّى الأمانة وبلَّغ الرسالة ونصح الأمة وكان ذلك يوم الاثنين سنة 11 هجرية وكان وفاته وقبره الشريف في المدينة المنورة

عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُخيَّر بين الدنيا والآخرة، قالت عائشة: فلما نُزِل به ورأسه على فخذي، غشي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف، ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى. قلتُ إذاً لا يختارنا.

قالت: عرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح.



والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد

وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.