قبر اشرف الخلق محمد صلى الله عليه و سلم

السبت، 23 يونيو 2012

الإمام الشافعي

عودة لقائمة الشخصيات الاسلامية عودة للصفحة الرئيسية الشافعى قاضي الشريعة.. وخطيب الفقهاء على الرغم من أن الإمام الشافعي لم يكن قاضيا في مصر قط، فإن أهل مصر يسمونه «قاضي الشريعة».. وما زال العديد من أصحاب الحاجات الذين لم ينالوا حظا من التعليم يتجهون الى ضريح الإمام الشافعي في الحي المعروف باسمه في القاهرة، فيقدمون الظلامات، ويسألون الله تعالى أن يقضي لهم حاجاتهم، ويرد عنهم الظلم، متوسلين بالإمام الشافعي قاضي الشريعة. وقد شاع بني أهل مصر أن الإمام الشافعي هو قاضي الشريعة، منذ قدم الى مصر عام 199هـ، وهو يخطو الى الخمسين، رجلا طويلا ممشوق القامة، فارسا، أسمر كأبناء النيل، بشوشا ضاحك الوجه. مهذب اللحية، يصبغ لحيته وشعره بالحناء اتباعا للسنة، عذب الحديث، رخيم الصوت، يشع البريق من عينيه بصفاء الود لمن يراه، على الرغم مما يثقل جفنيه من آثار السهر، وطول التأمل وإعمال الفكر، وكثرة التجوال بروحه وجسده بحثا عن حقائق الشريعة!!.. في ثياب خشنة نظيفة، متكئا على عصا غليظة، كأنه حاج ورع أو جواب آفاق..! وفي الحق أن المصريين لم يخطئوا في إطلاق اسم قاضي الشريعة على الإمام الشافعي، فما كاد يطأ أرض مصر حتى بحث عن قبر الإمام الليث ابن سعد فوقف عليه مستعبرا.. ثم بحث عن آراء الليث وفقهه. فوجد المتعصبين من أعداء الليث وحساده، قد أخفوا كل كتبه تحت التراب أو أحرقوها..! وظل يبحث عن كتاب «مسائل الفقه» الذي كتبه الليث بيده، وكتاب التاريخ وكتابه في التفسير والحديث، وكتبه عن منابع النيل، وتاريخ مصر قبل الإسلام، بما حوت من أساطير وروايات تصور تاريخ الفكر المصري ومقومات شخصية أهل مصر.. فلم يعثر الشافعي على شيء من ذلك كله إلا بعض مسائل وآراء واجتهادات حفظها بعض تلاميذ الإمام الليث، وكان الشافعي قد لقي أحدهم في المدينة، وأحدهم في اليمن فتلقى عنهما بعض فقه الليث.. وأدرك المصريون أن هذا الإمام الجديد، سيحيي علم إمامهم الراحل الليث بن سعد الذي كادت آثاره أن تندثر ولما يمض على رحيله غير ثلاثة أو أربعة أعوام!! وكان أكثر ما أعجب المصريين من إمامهم الليث حرصه على الشريعة، بحيث يتحرى في كل فتوى أن يقيس على نص قرآني، أو على سنة ثابتة، أو إجماع صحيح إن لم يجد ما يطلب في النصوص أو الإجماع، بحيث يسد الطريق على من يستنبطون الحكم بما يستحسنون أ بما يرونه محققا للمصلحة.. ويشرعون بهذا السلوك في الفتيا للولاة أو القضاة الظالمين أن يحكموا بالهوى..!! هاهو ذا إذن إمام جديد يريد أن يحيي آثار الليث، وأن يلزم أصول الشريعة فيما يستنبط من أحكام، وهو يضيف الى فقه الليث اجتهاده الخاص، ويجادل عن الشريعة ويعلن للناس منذ اتخذ مجلسه للفتيا في جامع عمرو بالفسطاط أن القرآن فيه حكم كل شيء، وأن السنة تفصيل وبيان لما في القرآن بكل أوجه البيان، فعلى من أراد أن يكون عليما بالقرآن والسنة، وقضايا الصحابة وإجماعهم، فقيها باللغة العربية، وبأسرار البلاغة فيها، وبقواعد نحوها. ولن يبلغ هذا العلم حتى يكون قد حفظ الشعر الذي قاله العرب قبل الإسلام، وبالعربية التي كان يتحدث بها البدو وقت نزول القرآن. فقد اعترف ابن عباس وهو عليم بالتفسير أنه لم يفهم قول الله تعالى: «فاطر السموات والأرض» حتى سمع بدوية تقول عن وليدها: «أنا فطرته»، تعني أنشأته وأوجدته.. فعلم أن كلمة فاطر بمعنى: منشئ أي خالق. فإذا اجتمع لرجل علم ذلك كله من قرآن وسنة وأقوال الصحابة، وفقه اللغة العربية حق له أن يجتهد! والإجتهاد هو بذل الجهد، ففيه مشقة.. فإذا اجتهد العالم ليجد حكما أو ليصدر فتوى فليبحث أول الأمر في الكتاب والسنة، لأن الكتاب ـ وما السنة إلا بيان له ـ فيه كل الأوامر والنواهي، وما كان ربك ليترك الناس سدى بلا أمر ولا نهي.. فإن اجتهد العالم فهو عالم وفقيه.. فإن لم يجد الفقهي في الكتاب والسنة أو إجماع الصحابة حكما ينطبق على الأمر الذي يعرض له فعليه بالقياس.. لا قياس مع نص قياس إلا على نص.. ولا سبيل غير القياس إلى استنباط الأحكام التي تواجه الأمور المستحدثة التي لا نص على حكمها.. بهذا النظر جاء الإمام الشافعي الى مصر.. على أن الحياة في مصر طالعته بفقه جديد مما أثر على الليث ابن سعد... واجهته بكثير من الأمور المستحدثة التي لم يواجه مثلها من قبل.. وكان الشافعي حين قدم الى مصر وأقام بها حتى توفي فيها سنة 204 هـ، كان عالما ويحفظ القرآن والحديث ويعرف إجماع الصحابة ويتقن اللغة العربية وعلومها وآدابها.. كان كل أولئك، وكان بعد رجلا عرك الحياة وبلاها، وتجول في كثير من البلاد، واجتهد وأصبح صاحب مذهب، ونشأت له من خلال هذه التجارب كلها مودات وعداوات.. كثير الأسفار ينتقل هنا وهناك ليتعلم هو ويعلم الآخرين.. عرف الحياة منذ ولد جهادا متصلا في سبيل العيش وفي سبيل العلم.. ومن الحق أنه قدم مصر وله مذهب في الفقه ولكنه لم يكد يقيم في مصر، حتى غير كثيرا من آرائه، وأعاد كتابة كتبه. فقد عرف في مصر ما لم يكن قد عرفه من قبل.. صحت عنده أحاديث كثيرة سمعها لأول مرة في مصر، نقلا عن الإمام الليث. وبهره ما استطاع أن يصل اليه وأن يتعلمه من فقه الليث وآرائه وفتاواه. وعرف آراء جديدة للإمام علي بن أبي طالب لم يتح له الإطلاع عليها من قبل... ثم أنه عرف حضارة وتقاليد وأعرافا كلها جديدة عليه، ليس كمثلها شيء مما رأى في مكة أو المدينة أو اليمن أو سوريا أو العراق.. عاين انطلاقا في الفكر مع التمسك بروح الشريعة، تحررا في الرأي مع التزام مقاصد الشارع، ورأى أن مالكا بن أنس يخالفه بعض الفقهاء في مصر متأثرين بإمامهم الليث بن سعد، وما كان يعرف أن الإمام مالكا ابن أنس يخالفه أحد من قبل إلا في ست عشرة مسألة. خالفه فيها أهل الرأي بالعراق.. وناظر بعض تلاميذ الليث في خلاف إمامهم مع أستاذه مالك وأقنعه رأي الليث، وهاله ما رأى وسمع من تعصب بعض أتباع مالك في مصر وما يليها من المغرب كله والأندلس للإمام مالك، حتى لقد كان الناس في المغرب والأندلس يتبركون بملابس للإمام مالك أخذها منه أحد تلاميذه، فكانوا إذا دهمهم الجفاف وتأخر المطر، وصلوا صلاة الإستسقاء اتجهوا الى قلنسوة للإمام مالك يستسقون بها..! ورأى الشافعي في مصر أتباع الإمام الليث يسخرون بهذا كله، ويتهمون صانعيه بإحياء الوثنية، وبالشرك بالله تعالى.. وسمع سخرية أتباع الإمام الليث من أتباع الإمام مالك حين يتناظرن.. إذ يروي أتباع الإمام الليث الحديث الشريف عن سنده الى أن يقولون قال رسل الله(صلى الله عليه)، فيرد أتباع الإمام مالك «قال أستاذنا وشيخنا الإمام مالك».. فيقول أتباع مالك: «نقول لكم قال الرسول عليه الصلاة والسلام فتقولون بإزائه قال الإمام مالك؟ أجعلتموه في مقام الرسول المصطفى (صلى الله عليه)؟.. لو كان الإمام مالك رضي الله عنه حيا لأفتى بأنكم ارتددتم عن الإسلام». كان المصريون يجلون الإمام مالكا بن أنس، على الرغم من أنهم يأخذون بآراء إمامهم الليث بن سعد في خلافه مع الإمام مالك.. ولكنهم كانوا يضيقون بتعصب بعض أتباعه، ويعتبرون تعصبهم وشططهم خروجا على منهج الإمام مالك، وإساءة لذكراه، وهو الذي عاش يحمل في كل سيرته تقاليد السماحة الإسلامية وتراث الحكمة والموعظة الحسنة.. رأى الشافعي عناصر جديدة من الرأي والفكر والحضارة في مصر، واطلع على ما أنتجته المدرسة المصرية في الفقه بزعامة الإمام الليث سيد الفقهاء، فبدأ يعيد النظر في كثير من آرائه.. بصفة خاصة تلك التي اتبع فيها أستاذه مالك.. أو التي تأثر فيها فقه أهل المدينة وإمامهم مالك.. فألف كتابا فيما اختلف فيه مع مالك.. ولكنه استحيا أن يصدره. وما زال قريب العهد من الجلوس الى مالك مجلس التلميذ.. وأبقى الكتاب ينظر فيه يعدل عاما بأسره ثم أصدره. وعندما عوتب في ذلك قال: «إن أرسطو تعلم الحكمة من أفلاطون ثم خالفه قائلا إن أفلاطون صديقي والحق صديق فإذا تنازعنا فالحق أولى بالصداقة. بهر الشافعي إذن بما شاهد في مصر من مظاهر الحضارة والتقدم والتزاوج الفكري بين الإسلام معطيات الحضارات التي تشكل الوجدان المصري: الحضارات القبطية والمصرية القديمة واليونانية. وهو ما لم يعرفه من قبل.. ثم الفهم العميق لروح الشريعة الإسلامية، وتطويع الأحكام لكل مقتضيات الحاجة الإنسانية المشروعة، مما يقيم المجتمع الفاضل الذي هو هدف الشريعة ومقصدها الأسمى.. حتى إذا انتهى الإمام الشافعي من إعادة صياغة كتبه تصحيح آرائه على أساس العنصر الجديد الذي تدخل في صياغة وجدانه عقله. أعلن للناس أن آرائه ليست إلا التي كتبها في مصر. أما كتبه السابقة فلا يحق لأحد أن ينسبها إليه.. وكتب بذلك إلى أقرب أصحابه وتلاميذه إليه أحمد بن حنبل فكان الإمام أحمد يقول: «خذوا عن أستاذنا الشافعي ما كتبه في مصر». ولكن الشافعي لم يصل الى ما وصل اليه إلا بعد مشقات جسام عبر رحلة عمر كابد فيها الاهوال، حتى لقد رأى الموت رأي العين ذات مرة. وقضى عمره كله في العيش الضنك على الرغم من ارتفاع همته ولقد عبر عن ذلك بقوله: ذو همة يبلى بعيش ضيق وأحق خلق الله بالهم امرؤ ولد الشافعي سنة 150 هـ في غزة وهي السنة التي توفي فيها أبو حنيفة إمام أهل الرأي في العراق وفي هذا تمازح أحد الفقهاء من المذهب الحنفي وفقيه من المذهب الشافعي، قال الحنفي: «إمامكم كان مخفيا حتى ذهب إمامنا» فقال صاحبه: «نحن الشافعية نقول لما ظهر إمامنا هرب إمامكم». ولد في عصر كثر فيه الجدل بين أهل الحديث وأهل الرأي. وتعصب كل فريق ضد الآخر، فكان من أهل الحديث من يرفض الرأي إطلاقا، ومن أهل الرأي من لا يتقن حفظ عدد صالح من الأحاديث.. وهو عصر ميز بين العالم والفقيه، أبين العلم والفقه: فالعلم هو حفظ القرآن والأحاديث وآثار الصحابة.. أما الفقه فهو إعمال الفكر والإجتهاد والتأمل شحذ العقل لاستنباط حكم شرعي فيما لا نص فيه.. وقد يجمع الرجل الواحد بين العلم الفقه وهؤلاء هم الأئمة العظام والفقه. وقد روي عن أحد التابعين قوله: «ما رأيت أفقه من ابن عمر، ولا أعلم من أبن عباس». وكان أهل الحديث يقفون عند النصوص لا يعدونها فإن لم يجدوا حكما فيها، لا يفتون. وأما أهل الرأي فقد نظروا في عطل الاحكام، واستنبطوا من النصوص احكاما لما لم يرد نص على حكمه، اعمالا للعقل، والحاقا للامور بأشباهها ونظائرها اذا توفرت علة الحكم. وقد بلغ من وقوف بعض اهل الحديث عند ظاهر النص حدا اثار بهم سخرية أهل الرأي، وبلغ من انطلاق اهل الرأي في استنباط الاحكام حدا جعل أهل الحديث يتهمونهم!! وقد سأل احد اهل الرأي واحدا من اهل الحديث في أمر طفل وطفلة رضعا معا من ضرع شاة ثم كبرا، أيجوز لهما الزواج. فقال صاحب الحديث: تثبت بينهما حرمة الرضا. فسأله صاحب الرأي: بأي نص. فقال صاحب الحديث بقوله «ص»: كل صبيين اجتمعا على ثدي واحد حرم احدهما على الآخر. فقال صاحب الرأي ضاحكا: قال الرسول «ص»: اجتمعا على ثدي واحد لا على ضرع واحد. انما يثبت الحديث بين الآدميين لا بين شاة وآدمي. فلو أنك أعملت العقل والرأي ما أخطأت. وما سويت بين المرأة والنعجة! وكان أصحاب الرأي يتهمون اصحاب الحديث «بالعجز عن النظر، وبأنه كلما أورد عليهما احد من اصحاب الرأي سؤالا أو اشكالا بقوا متحيرين» ومن اجل ذلك فهم ليسوا أنصارا للسنة، بل أن اهل الرأي اكثر انتصارا للسنة واتباعا لها من هؤلاء الذين يزعمون أنهم أهل السنة! أما اهل الحديث فاتهموا أهل الرأي بأنهم يأخذون بالظن .. على ان مالكا بن أنس امام اهل الحديث لم يكن يرى هذا الرأي في الامام أبي حنيفة امام اهل الرأي فقد قال فيه: اجتمعت مع أبي حنيفة وجلسنا اوقاتا وكلمته في مسائل كثير ة فما رأيت رجلا افقه منه ولا أغوص منه على معنى وحجة». ولكن اتباع الامامين كان فيهم من يتعصب لشيخه، ومن هؤلاء الاتباع من كان يشغب على الآخر.. حتى لقد عيروا أبا حنيفة ببعض حيله، وان كان مالك ليضحك كلما ذكرها ذلك ان الموالي ـ وهم المسلمون من أهل البلاد المفتوحة ـ قدموا الكوفة وكان لرجل منهم امرأة فائقة الجمال، فتعلق بها رجل كوفي، وادعى انها زوجته. وادعت المرأة ايضا ذلك .. وعجز المولى زوج المرأة عن البينة فعرضت القضية على أبي حنيفة .. وكان من رأي اهل الحديث أن المرأة للكوفي ولكن ابا حنيفة لم يطمئن الى الاخذ بها الظاهر كما صنع أهل الحديث. ورأى ان يحقق الامر بنفسه .. وشك في ادعاء الزوجة والكوفي، فأخذ جماعة من الناس ومعهم بعض اهل الحديث وذهبوا الى حيث كان ينزل الموالي فنبحت كلابهم وهمت ان تهاجم كما تفعل مع الغرباء .. ثم عاد ابو حنيفة واخذ الزوجة ومعها شهود من اهل الحديث وأمر الزوجة ان تدخل وحدها الى منازل الموالي .. فلما قربت بصبص الكلاب حولها كما تفعل بأصحابها فقال أبو حنيفة : «ظهر الحق» فانقادت المرأة للحق واعترفت أنها كذبت .. وعادت الى زوجها . وسخر أهل الرأي من اهل الحديث في هذه القضية ... على هذا النحو كان الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي .. حتى ان الشافعي عندما بدأ يطلب العلم في مجالس اهل الحديث جلس بعد الدرس في بيت صاحب له يتناشدان الشعر فأتى الشافعي على شعر الهذليين وقال لصاحبه: «لا تعلم بهذا أحدا من اهل الحديث فانهم لا يحتملون هذا » ذلك أن أهل الحديث كان فيهم من يغلو فيرى في حفظ الشعر ودراسة الادب علما غير نافع .. فالعلم النافع عند هذا النفر هو القرآن والحديث وآثار الصحابة فحسب .. اخذ الشافعي يناطح هذا كله .. ويقاوم التعصب للحديث وللرأي جميعا .. ليكون هدف المناظرة هو الوصول الى حقائق الشريعة، لا غلبة المتناظر على خصمه .. ولكنه على الرغم من ذلك انحاز الى اهل الحديث أول الامر، وخاصم فيهم أهل الرأي، حتى اذا استقل به المقام في مصر تلك السنوات الاخيرة من حياته القصيرة (150 - 204) تعلم أن الامام الليث كان قد اهتدى الى مذهب وسط بين أهل الحديث وأهل الرأي، معتمدا على استيعاب يقظ لروح الشريعة ومقاصدها، فأعجب بأصول مذهب الليث وفروعه وزاد عليه واضاف ونقح في خمس سنوات عاشها في مصر كل ما كان قد كتبه طيلة حياته من قبل. وعرف ما كتبه في مصر باسم «المذهب الجديد». والشافعي هو محمد بن ادريس بن العباس بن شافع «وقد نسب الى هذا الجد» بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف .. والمطلب هو شقيق هاشم بن عبدمناف .. وهاشم هو ابو عبدالمطلب جد النبي «ص» وكان هاشم يقود رحلة الشتاء الى الشام بقافلة قريش في الجاهلية ومات ودفن بغزة. اما والدة الشافعي فهي حفيدة اخت السيدة فاطمة ام الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وكان الشافعي يقول «علي بن أبي طالب ابن عمي وابن خالتي». فهو قرشي الام والام وكان أبوه فقيرا خرج من مكة يلتمس سعة العيش في المدينة. ولكنه لم يجد ما يريد فخرج بأهله الى غزة ومات بها بعد مولد ابن محمد بنحو عامين. ولم تطق الام المقام في غزة بعد وفاة زوجها فحملت وليدها محمدا الى عسقلان وهو ابن عامين، وكان يرابط بها جيش من المسلمين، و كانت عسقلان تسمى اذ ذاك «عروس الشام» وخيرها دافق والعيش بها رائق. غير أن العيش لم يرق للارملة الصغيرة في عسقلان، فحملت ابنها محمدا الى مكة موطنها وموطن ابائه واجداده، لعيش في قومه قريش، ولينال نصيبه من المال وهو سهم ذوي القربى ولكن حظه من هذا المال كان ضئيلا لم يسمح له ولأمه الا بحياة خشنة، عرف خلالها الحرمان منذ نعومة اظفاره. وعندما شب الطفل الحقته امه بمكتب في مكة. ولكنها لم تجد أجر المعلم .. «فكان المعلم يقصر في تعليم الصبي الا ان المعلم كلما علما صبيا شيئا كان الشافعي يتلقف ذلك الكلام. ثم اذا قام المعلم من مكانه أخذ الشافعي يعلم الصبيان تلك الاشياء فنظر المعلم فرأى الشافعي يكفيه من أمر الصبيان أكثر من الاجرة التي يطمع بها منه فترك طلب الاجرة واستمرت هذه الاحوال حتى تعلم الشافعي القرآن كله وهو ابن سبع سنوات». ثم وجهته امه الى اتقان تلاوة القرآن وتجويده وتفسيره على شيوخ التفسير والترتيل والتجويد في المسجد الحرام .. حتى اذا بلغ الثالثة عشرة كان قد أتقن القرآن حفظا وترتيلا وادراكا لما يقرأ بقدر ما يتيحه عمره. وكان عذب الصوت .. في ترتيله خشوع وايقاع حزين تخالجه الرهبة من خشية الله .. فكان حين يقرأ القرآن في المسجد الحرام يتساقط الناس بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته فاذا رأى ذلك امسك. بعد ذلك اتجه الى حفظ الحديث ولزم حلقات شيوخ التفسير وأهل الحديث وكان الورق غالي الثمن فكان يلتقط العظام العريضة فيكتب عليها أو يذهب الى الديوان فيجمع الاوراق المهملة التي القي بها فيكتب على ظهرها .. كان يجد مشقة في الحصول على ورق الكتابة، فاعتمد على الحفظ وهكذا تكونت له حافظة قوية .. حتى لقد كان يحفظ كل ما يلقى عليه. لاحظ أثناء اقامته في مكة أن لغة قريش قد دخلها الغريب من كلمات وتعبيرات المسلمين الجدد من الموالي غير العرب . فلم يعد لسانها هو اللسان العربي المبين...! ثم انه في تأمله للقرآن والاحاديث شعر بأنه في حاجة الى زاد لغوي كبير والى تفهم أعمق لمعاني الكلمات واسرار التراكيب .. وكان يشهد دروس الليث بن سعد امام مصر وهو حينذاك فقيه كبير يتحلق حوله الطلاب في المسجد الحرام كلما جاء حاجا او معتمرا .. في احدى حلقات الليث الى جوار مقام ابراهيم نصح مستمعيه أن يتقنوا اللغة واسرار بلاغتها وفنون آدابها .. وان يحفظوا الشعر الذي سبق نزول القرآن الكريم وعاصره ليحسنوا فهم معاني الكتاب المنزل والاحاديث .. ولكن نصح الامام الليث مستمعيه ان يخرجوا الى البادية فيتعلموا كلام «هذيل» ويحفظوا شعرهم .. فهذيل هم افصح العرب وشعر الهذليين عامر بكنوز اللغة. ولقد حفظ الليث نفسه اشعار الهذليين .. واستشهد بها في تفسير بعض كلمات القرآن. كما فعل ابن عباس من قبل وهو شيخ المفسرين. وخرج افتى محمد بن ادريس الشافعي الى بادية قريبة من مكة وعاش في مضارب خيامهم يحفظ عنهم اشعارهم وتراكيبهم اللغوية يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم ويتعلم منهم. ثم رجع الى مكة ينشد اشعارهم ويذكر عنهم الاخبار .. كما قال هو نفسه حتى ان الاصمعي وهو شيخ اللغويين قال وهو في اوجه شهرته: «صححت اشعار الهذليين على فتى من قريش يقال له محمد بن ادريس ...». لزم الشافعي هذيلا نحو عشر سنين، عكف فيها على دراسة اللغة وآدابها . وحفظ الشعر وتعلم منهم الرماية والفروسية وبرع فيهما، حتى لقد كان يأخذ بأذن الفرس وهو يجرى فيثب عليه في براعة وتمكن! واتقن الرمي حتى قال عندما تقدم به العمر : «كانت همتي في شيئين: في الرمي والعلم فصرت في الرمي بحيث اصيب عشرة من عشرة ـ ثم سكت عن العلم، فقال احد الحاضرين: أنت والله في العمل أكثر منك في الرمي». عاد من البادية اذن فارسا متفوقا في البداية في الرماية، ، ناصع البيان، في صدره الى جوار القرآن والحديث، ثروة ضخمة من الشعر والآداب والاخبار والفقه واللغة. وعاد يجلس الى حلقات شيوخه في المسجد الحرام. جلس الى اهل الحديث والمفسرين من اتباع ابن عباس .. والى العلماء والفقهاء من اتباع الامام جعفر الصادق .. وكانوا جميعا ينهلون من علم الامام علي بن أبي طالب. وعلى الرغم من أنه قد جاوز العشرين، وأصبح يملك القدرة على اختيار شيوخه في المسجد الحرام فقد تعود ان يسأل أمه النصيحة فتشير عليه بأسماء الشيوخ الذين ينبغي له ان يلزمهم .. وكانت امه حافظة للقرآن والحديث بصيرة بأحكام الشريعة. ولقد ردت قاضي مكة حين استدعاها للشهادة هي وامرأة اخرى وأراد ان يفرق بينهما، فطلبت ان تشهد الواحدة امام الاخرى. وذكرت بالآية الكريمة: (أن تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى). وكان الشافعي بارا بوالدته .. مستمعا لنصائحها وقد وجهته الى فقه الامام علي بن أبي طالب، ونصحته ان يلتمسه من تلاميذ ابن عباس وتلاميذ الامام جعفر الصادق، وكان مقاتل بن سليمان هو أعلاهم شأنا وابصرهم بالقرآن وتفسيره وبالحديث والفقه .. وقد توقف الشافعي وهو ينظر في تفسير القرآن عند آية (وقد خاب من دساها).. ولم يعرف معنى كلمة دساها، فلم تكن قد عرضت له من قبل. ولم يجد الكلمة فيما تعلم من لغة العرب. وخرج الى ظاهر مكة يسأل فيها بطنا من هذيل، وهم افصح العرب فلم يجد عندهم جوابا وطاف على شيوخ الحلقات من أهل الاثر ومفسري القرآن، فلم يظفر بجواب شاف .. وهمه الامر وغمه، فلاذ بأمه يسألها النصيحة فوجهته الى مقاتل بن سليمان تلميذ الامام الصادق . وذهب الشافعي الى حلقة مقاتل بن سليمان فقال له مقاتل: دساها من لغة السودان «ومعناها أغواها»... اكتمل للشافعي علم حسن بالقرآن والحديث وآثار الصحابة، وثراء لغوي يفتح مغاليق المعاني، وذوق أدبي يتيح له أن يدرك لطائف البلاغة واسرار البيان. وقال له أحد شيوخه: «آن لك أن تفتي». ولكن الشافعي تهيب الفتيا، فما كان إلا شابا صغيرا في سن أبناء المفتين من أصحاب الحلقات في المسجد الحرام... وهو بعد لم يحصل على كل ما يريد من فقه المدينة، حيث يشع علم الإمام مالك، ولا من فقه العراق حيث ما زال صدى جليل من آراء الإمام الراحل أبي حنيفة يدي في جنبات المسجد الكبير بالكوفة، وحلقات بغداد، وحيث ما زال تلاميذه أب يوسف ومحمد ابن الحسن وغيرهما يجادلون عن إمامهم ويضيفون الى تراثه الجدلي. ثم إن الفتى لم يعرف كما ينبغي فقه الأوزاعي بالشام، ولا فقه الليث بمصر.. هذا الفقه الذي اتسم بالتوفيق بين أهل الرأي وأهل الحديث، والذي يحترم الحزبين جميعا، يتميز بعمق الإدراك لروح الشريعة ومقاصد الشارع، ويواجه في يسر معجز كل ما يطرحه العصر من مسائل وقضايا. وقرر أن يرحل في طلب الفقه من كل مدارسه، كما رحل من قبل يلتمس الفصحى من خير منابعها. وأستأذن أمه أن يرحل الى المدينة المنورة ليدرس على الإمام مالك فأذنت له.. كان الفتى إذ ذاك في نحو العشرين، خلبه مالك حين جاء الى المسجد الحرام فألقى بعض الدروس، وأخذته هيبة مالك وحسن معرفته بالحديث. وعرف عن مالك أنه على الرغم من سماحته، صارم في عمله، لا يبيح وقته للناس، ولا يستقبل من يطرق باب داره خلال ساعات العمل أو الراحة.. ولكن الشافعي لا يريد أن يكتفي بحضور دروس مالك في المسجد النبوي، وهي مباحة للعامة، بل يريد أن يلزمه ليتلقى منه علمه، وليتاح له أن يسأله ويحاوره... ومالك لا يأذن بالحوار في دروسه ويطرد من حلقته كل من خالف تقاليد الدرس..!! ما السبيل إلى الإمام مالك إذن!؟ قرر الشافعي أن يحسن إعداد نفسه للقاء الإمام مالك... فبحث عن كتابه «الموطأ» الذي أخرجه مالك منذ حين واضعا فيه كل فقهه وكل ما صح عنده من الأحاديث النبوية الشريفة. ووجد الشافع نسخا من الكتاب لكنها غالية الثمن، وهو رقيق الحال.. فاستعار الكتاب من أحد شيوخه في مكة عكف عليه النهار والليل، حتى حفظ الكتاب بحافظته المدربة التي تعود الاعتماد عليها منذ كان لا يجد ثمن الورق، ومنذ كان يدرس بالمكتب وهو صبي. وزاده حفظ كتاب «الموطأ» شوقا الى لقاء الإمام مالك والى صحبته..! وجهزته أمه للسفر الى المدينة وباعت في ذلك بعض أثاث الدار.. إنها لهجرة في سبيل العلم فهي في سبيل الله. ورأت أمه أن تسهل له لقاء مالك، فوسطت بعض أقاربها الى والي مكة، ليعطي ولدها كتابا الى والي المدينة، عسى أن يتوسط للشافعي فيلقى مالكا ويلزمه. ويحكي الشافعي عن هذه التجربة بعد أن أخذ كتاب توصية من والي مكة الى والي المدينة والى الإمام مالك. قال الشافعي: «فقدمت المدينة، فأبلغت الكتاب الى الوالي فلما قرأه قال: يا فتى إن مشيي من جوف مكة الى جوف المدينة حافيا راجلا أهون علي من المشي الى باب مالك بن أنس. فلست أرى الذل حتى أقف على بابه. فقلت: أصلح الله الأمير. إن رأى الأمير يوجه اليه ليحضر. فقال: هيهات ليت أني لو ركبت أنا ومن معي، وأصابنا من تراب العقيق نلنا بعض حاجتنا..! فواعدته العصر، وركبنا جميعا فوالله لكان كما قال. لقد أصابنا من تراب العقيق، (والعقيق حي بالمدينة يسكنه مالك) فتقدم رجل منا فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاك إني بالباب، فدخلت فأبطأت. ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقرئك السلام ويقول إن كانت لديك مسألة فارفعها في رقعة يخرج اليك الجواب. وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف. فقال لها: قولي له إن معي كتاب والي مكة اليه في حاجة مهمة. فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي، فوضعته ثم إذا بمالك قد خرج، عليه المهابة والوقار وهو شيخ طويل مسنون اللحية، فجلس وهو متطلس (يلبس الطليسان) فرفع إليه الوالي الكتاب. فبلغ الى هذا «إن هذا رجل يهمني أمره وحاله فتحدثه وتفعل وتصنع» فرمى الكتاب من يده ثم قال: سبحان الله، أو صار علم رسول الله(صلى الله عليه) يؤخذ بالرسائل؟! فرأيت الوالي قد تهيب أن يكلمه. فتقدمت وقلت: أصلحك الله، إني رجل مطلبي (من بني المطلب) وحدثته عن حالي وقصتي... فلما سمع كلامي نظر إلي، وكان لمالك فراسة فقال: ما اسمك: قلت محمد. فقال: «يا محمد إنه سيكون لك شأن وأي شأن. إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بالمعصية. إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء ما يقرأ لك». فغدوت عليه ومعي (الموطأ) وابتدأت أن أقرأ ظاهرا (من الحافظة) والكتاب في يدي. فكلما تهيبت مالكا وأردت أن أقطع، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي فيقل: «يا فتى زد»، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة.» ومنذ ذلك اللقاء عام 170 هـ لزم الشافعي مالكا حتى مات الإمام مالك عام 179هـ. لم يتركه الشافعي إلا ليزور أمه بمكة، أو ليقوم برحلة الى إحدى عواصم العلم والفقه.. وكان يستأذن شيخه مالكا بن أنس فإذا أذن له جهزه بزاد ومال ودعا الله له. وفي المدينة التقى الشافعي بمحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة وشيخ أهل الرأي في العراق، والتقى ببعض تلاميذ جعفر الصادق، وتعلم منهم بعض فقه الإمام الصادق وأقضية الإمام علي كرم الله وجهه.. وتعلم من مذهب الإمام الصادق أن العقل هو أقوى أدوات الإستنباط حين لا يكون نص. العقل وحده هو أداة فهم النصوص لا الإتباع ولا التقليد! وتعلم من تلاميذ الإمام الصادق رأي الإمام في حقيقة العلم.. فالعلم ليس حفظ القرآن والحديث ومعرفة الآثار فحسب، ولكنه يشمل كل العلوم الطبيعية والرياضية التي تفسر ظواهر الكون وتكشف عن قدرة الخالق. وهكذا قرر أن يتعلم تلك العلم الطبيعية والرياضية، فتعلم من خلال رحلاته علوم الكيمياء والطب والفيزياء. وتعلم الحساب والعلوم التي تجري عليها التجارة وعلم الفلك والتنجيم وهو فرع من العلوم الرياضية. وتعلم الفراسة، ومارسها. وقد تعرف الى عدد من فقهاء مصر من تلاميذ الليث، وكان من عادتهم بعد الحج أن يزروا المدينة ليصلوا في الحرم النبي وليسمعوا لمالك. وقد أملى الشافعي «الموطأ» على بعضهم ونشأت بينه وبينهم صداقة انتفع بها عندما هاجر الى مصر ومنهم ابن عبد الحكم. ولقد رأى يوما في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر فتى جميل الوجه نظيف الثياب حسن الصلاة، فتوسم فيه خيرا، وحدثه فعرف أنه من الكوفة بالعراق فسأله: «من العالم لها والمتكلم في نص كتاب الله عز وجل، والمفتي بأخبار رسول الله(صلى الله عليه)» فقال: «محمد بن الحسن وابو يوسف صاحبا أبي حنيفة»: فقال الشافعي: «ومتى عزمتم تظعنون؟» فقال الشاب: «غداة عند انفجار الفجر». وذهب الشافعي الى شيخه ليستأذنه أن يرحل في طلب العلم، فقال له شيخه مالك: «العلم فائدة يرجع منها الى عائدة. ألم تعلم بأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب؟». فلما كان السحر وانفجر الفجر، سار مالك مودعا تلميذه الشافعي عند محطة القوافل بالبقيع خارج المدينة. وصاح مالك يسأل عمن يؤجر راحلة الى الكوفة، فقال له تلميذه الشافعي: «لم تكتري لي راحلة ولا شيء معك ولا شيء معي؟» فقال مالك له: «لما انصرفت عني البارحة بعد صلاة العشاء الآخرة، قرع علي قارع الباب، فخرجت اليه، فسألني قبول هدية فقبلتها فدفع إلي صرة فيها مائة مثقال وقد أتيتك بنصفها وجعلت النصف لعيالي». وكان الطارق هو أحد تلاميذ الإمام الليث، حمله الليث هذه الهدية لصديقه الإمام مالك وكان الليث قد تعود أن يصل مالكا بالهدايا الثمينة والمال الكثير. خرج الشافعي من المدينة ه شاب في الثانية العشرين، فوصل الكوفة بعد رحلة شاقة استغرقت أربعة وعشرون يوما، فاستضافه محمد ابن الحسن، وتحاورا في الفقه، وحضر حلقاته وحلقات زميله أبي يوسف. وكتب الشافعي كل ما وجد عند صاحبي أبي حنيفة من فقه الإمام الأعظم، وعندما ترك الكوفة كان معه من الكتب حمل بعير. ثم طاف في بلاد فارس، والتقى بشيوخها وجرت بينه وبينهم محاورات، ثم سافر الى ديار ربيعة مضر، وألم ببعض قبائل البدو، فاصاب ما عندهم من الفصحى.. وطاف في هذه الرحلة ببغداد وشمال العراق والأناضول وحران ثم سافر الى بلاد الشام وزار أمه بمكة.. وعاد بعد عامين الى المدينة وقد تزود بكثير من المعارف وكان يسأل طوال الرحلة عن أخبار شيخه مالك، فعرف أنه قد اتسعت أرزاقه وأصاب الغنى، فقد أجرى عليه الخليفة راتبا كبيرا، ووصله بالأموال والهدايا الثمينة.. وقصد الشافعي الحرم النبوي، وبينما هو يتهيأ للجلوس في المسجد في حلقة الإمام مالك، إذ فاح عطر في المسجد فتهامس من في المسجد إنه مالك.. ورأى مالكا يدخل المسجد وحوله جماعة يحملون ذيله حتى جلس على كرسيه الذي أعد له من قبل وعليه حشية ومن حوله الدفاتر. وبدأ مالك درسه فطرح مسألة على تلاميذه لفلم يجبه أحد. وظل يطرح مسائل وما من مجيب.! فضاق صدر الشافعي، فنظر الى رجل بجانبه، وهمس إليه بالجاب.. واستمر مالك يسأل والرجل يجيب بما يهمس إليه الشافعي، فسأل مالك: من أين لك هذا العلم؟ فقال الرجل: «إن بجانبي شابا يقول لي الجواب». فاستدعى مالك ذلك الشاب فإذا هو الشافعي.. ولم يكن مالك قد استطاع أن يراه في زحام الحلقة، فرحب به مالك، وضمه الى صدره، ونزل عن كرسيه وقال له: «أتمم أنت هذا الباب». رضي مالك عن شرح تلميذه الشافعي، وما انتهى الدرس، حتى أخذه الى بيته وأغدق عليه. وحكى الشافعي لأستاذه عن كل ما تعلمه ولقيه في رحلته من طرائف. حكى له عن تجربته مع علم الفراسة، وكان مالك ينصح تلميذه ألا ينصرف الى غير علوم الشريعة، وما يعين على الفقه بها وفهم النصوص استنباط الأحكام، والإهتمام باللغة وآدابها، وحفظ أخبار العرب وأيامهم، وحفظ الشعر الجاهلي، لأن كل أولك أدوات لفهم نصوص القرآن والأحاديث.. أما الفراسة ففي نفس مالك شيء منها..! حكى الشافعي لشيخه مروحا عنه بعض ما صادفه مع علم الفراسة.. فقد مر في رحلته برجل يقف في فناء بيته، وهو رجل أزرق العينين بارز الجبين، وتأمل الشافعي ملامحه، وقال لنفسه: «إن علم الفراسة يدل على أن هذا الرجل لئيم خبيث». وكان الشافعي مجهدا يلتمس مكانا يستريح فيه. قال الشافعي: «سألت الرجل:هل من منزل؟» قال: «نعم». وأنزلني فما رأيت أكرم منه! وبعث إلي بعشاء طيب، وعلف لدابتي، وفراش ولحاف. فقلت : «أعلم الفراسة دل على غاية دناءة هذا الرجل وأنا لم أشاهد منه إلا خيرا. فهذا العلم باطل! ولما أصبحت قلت للغلام: أسرج الدابة، فلما أردت الخروج قلت للرجل: إذا قدمت مكة ومررت بذي طوى فاسأل عن منزل محمد ابن إدريس: فقال الرجل: أعبد أبيك أنا؟! أين ثمن الذي تكلفت لك البارحة؟! قلت: وما هو؟ قال: اشتريك له بدرهمين طعاما، وأدما بكذا وعطرا بكذا، وعلف دابتك بكذا، واللحاف بكذا.. قلت: يا غلام أعطه فهل بقي شيء؟ قال كراء المنزل فإني وسعت عليك وضيقت على نفسي. فضحك مالك.. وأكمل الشافعي: فعظم اعتقادي في علم الفراسة.. ولم يجبه مالك بغير الضحكات.. وقلما كان يضحك! *** عاد الشافعي من هذه الرحلة باحترام كبير للإمام أبي حنيفة النعمان فقد قرأه على صاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأعجب بطريقته في الحوار والإستنباط، وبسعة أفقه، وروى عنه كثيرا من حيله، ودافع عنه. وكانا في الحجاز يهاجمون أبا حنيفة ويتهمونه بأنه لا يحسن علم الحديث، فنافح عنه الشافعي ووضعه في مكانه، وعلمهم أن الناس «في الفقه عيال على أبي حنيفة».. استقر الشافعي بالمدينة تلميذا للإمام مالك، ثم بدأت تستقيم له طريقة في الجدل، فهو يلقي بالحجة دون أن يرفع صوته، وقول لمجادله: «خذ مكاني وآخذ مكانك»... ويقول الرأي، والرأي المضاد، حتى ينتهي من هذا الأسلوب الجدلي الى الحقيقة. وأخذ ينتصف لأهل الرأي من أهل الحديث، وينصف أهل الحديث من أهل الرأي، ويقاوم التعصب المذهبي.. عاش في ظل الإمام مالك ورعايته حتى مات الإمام مالك سنة 179هـ والشافعي في نحو التاسعة والعشرين.. وبكى الشافعي أستاذه الإمام مالك ابن أنس أحر بكاء وعكف على قراءة القرآن ملتمسا العزاء.. وشعر أنه أصبح غريبا في المدينة». لم تطب له الحياة بعد بالمدينة بعد أن توفي شيخه.. وبدأ يبحث عن مكان يعمل فيه عملا يعيش منه.. وعاد الى أمه بمكة، مودعا المدينة من خلال الدمع. وكان اولي اليمن قد أقبل الى الحجاز في ذلك الوقت، فتوسط بعض أقرباء الشافعي من القرشيين عند والي اليمن، فصحبه معه الى اليمن ووكل إليه عملا. لم يكن عند أم الشافعي ما تساعد به ابنها ليتزود في سفره هذا، وليقيم في اليمن حتى يقبض راتبه، فرهنت دارا كانت لها بمكة، وسافرت معه. ولقد غضب منه أحد شيوخه بمكة وعنفه لأنه يترك الفقه من أجل الوظيفة بقوله: «تجالسوننا وتسمعون منا، فإذا ظهر لأحدكم شيء دخل فيه؟». وتولى الشافعي عملا مهما في نجران باليمن، وهناك عاود دراسة علوم الفراسة التي كانت مزدهرة باليمن، حتى تفوق فيها. وجلس الى بعض شيوخ الشيعة باليمن فتلقى منهم، ولزم يحيى بن حسان تلميذ الليث بن سعد المصري وصاحبه، فأخذ عنه كل ما انتهى اليه من فقه الليث. وقام الشافعي بعمله في نجران خير قيام، وأحبه الناس لعدله، لتمسكه بالشريعة، وإغلاقه باب المجاملة والملق. ثم أنه وجد حاكم نجران يظلم الناس، فقاوم الحاكم ووقف في المسجد يحض الناس على مقاومته، وأخذ يضرب لهم الأمثال لما يجب أن تكون عليه سيرة الحاكم بالإمام علي بن أبي طالب وسيرته في الخلافة، فأثار عليه أعداء كثيرين من الذين رفض مجاملتهم. ووشى حاكم نجران بالشافعي، درس عليه أنه أسس حزبا عليا يعد للثورة على الخليفة، يولي أحد أحفاد الإمام علي، بدلا من هارون الرشيد، وأنه يؤيد الحفيد في الثورة على الرشيد. وكان العباسيون غلاظا على العلويين، يسفحون دماءهم بالظن. فقد كانوا يعرفون أن كثيرين يرون العلويين أحق منهم ومن الأمويين بالخلافة. فزع الرشيد من قراءة كتاب والي نجران وخاصة من قوله عن الشافعي: «لا أمر لي معه ولا نهي، فهو يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه المقاتل بسيفه». وفي الحق أن الشافعي ما كان يخفي حبه لعلي وللطالبيين، فقد قيل له يوما: خالفت عليا بن أبي طالب رضي الله عنه فيما قلت». فقال لمناظره «أثبت لي هذا عن علي بن أبي طالب حتى أضع خدي في التراب وأقول قد أخطأت وأرجع عن قولي إلى قوله». ووجد في اليمن كثيرا من الطالبيين، وحضر مجالس العلم معهم ولكنه كان يستمع ولا يتكلم فإذا سئل في ذلك قال: «لا أتكلم في مجلس يحضره أحدهم وهم أحق بالكلام مني ولهم الرياسة والفضل». وهكذا شاع عنه حبه لبني علي، والطالبيين جميعا. قيل له إنك لمتشيع تشايع عليا بن أبي طالب وتشايع بنيه من بعده ومنهم الثائر العلوي على الرشيد.. فقال: «يا قوم ألم يقل رسول الله(صلى الله عليه) لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؟ قال عليه الصلاة السلام: إ، أوليائي من عترتي المتقون، فإذا كان واجبا علي أن أحب قرابتي ذوي رحمي إذا كانوا من المتقين، أليس من الدين أن أحب قرابة رسول الله (صلى الله عليه) إذا كانوا من المتقين؟». وكتب والي نجران مرة أخرى الى هارون الرشيد أن الشافعي يؤلب عليه الأمة وأنه يقود تسعة من الثوار، يوالون الثائر العلوي الذي يطالب بالخلافة. فأرسل الرشيد إلى والي نجران أن يرسل إليه الثوار مهانين في الأصفاد. كانوا تسعة على رأسهم الشافعي، وضع الحديد في أرجلهم وأعناقهم تنفيذا لأمر الرشيد وسيقوا إليه مهانين... كان الشافعي في الرابعة والثلاثين، فارسا، بطلا في رياضة الرمي، جلدا قوي البنيان، ولكنه جهد من الرحلة والإهانة. وأدخلوهم على الرشيد والى جواره محمد بن الحسن فقاضي الدولة، الذي تلقى عنه الشافعي من قبل في الكوفة. وكان الشافعي يدعو بهمهمة يسمعها الحاضرون: «الله لا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير». أنكر التسعة تهمة الثورة على الرشيد، ولكنه أمر بقطع رؤوسهم جميعا وسأله التاسع أن يمهله حتى يكتب لأمه فليس لها غيره، وأقسم أنه بريء من الإعداد للثورة على الرشيد، وكلنه الرشيد أمر بقطع رأسه. كل هذا والشافعي في الأصفاد: الأغلال في عنقه الحديد في قدميه، رأسه بالرغم من كل ذلك شامخ. ويا لله كان مجهدا. وهاهو ذا يرى الموت رأي العين، ولكنه على الرغم من كل شيء ثابت الجنان، عميق الإيمان لا يملك إلا أن يدعو الله بالنجاة... وعندما انتهى الرشيد من قتل الرجل التاسع، قال الشافعي: «السلام عليك يا أمير المؤمنين وبركاته... ولم يقل ورحمة الله. فقال الرشيد: «وعليك السلام رحمة الله وبركاته ـ بدأت بسنة لم تؤمر بإقامتها، ورددنا عليك فريضة قامت بذاتها، ومن العجب أن تتكلم في مجلسي بغير أمري». قال الشافعي: «إن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (وعد الله الذين آمنوا منكم عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) وهو الذي إذا وعد وفى، فقد مكنك في أرضه وأمنني بعد خفي حيث رددت علي السلام بقولك: وعليك رحمة الله. فقد شملتني رحمة الله بفضلك يا أمير المؤمنين». فقال الرشيد: «وما عذرك من بعد أن ظهر أن صاحبك ـ يعني الثائر العلي ـ طغى علينا وبغى، واتبعه الأرذلون وكنت أنت الرئيس عليهم؟ فقال الشافعي: «أما وقد استنطقتني يا أمير المؤمنين فسأتكلم بالعدل والإنصاف. لكن الكلام مع ثقل الحديد صعب فإن جدت علي بفكه أفصحت عن نفسي. وإن كانت الأخرى فيدك العليا ويدي السفلى والله غني حميد». فأمر الرشيد بفك الحديد عنه، وأجلسه. وقال الشافعي: حاشا لله أن أكون ذلك الرجل، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا...) لقد أفك المبلغ فيما بلغك وإن لي حرمة الإسلام وذمة النسب وكفى بهما وسيلة.. وأنت أحق من أخذ بكتاب الله. أنت ابن عم رسل الله(صلى الله عليه) الذائد عن دينه المحامي عن ملته وأنا يا أمير المؤمنين لست بطالبي ولا علوي وإنما أدخلت في القوم بغيا علي. أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف.ع. أنا محمد بن إدريس بن عثمان بن شافع بن السائب.. فقاطعه الرشيد: «انت محمد بن إدريس»؟ فقال الشافعي: «ولي مع ذلك حظ مع العلم والفقه، والقاضي يعرف ذلك». وكان محمد بن الحسن الذي استضاف الشافعي في الكوفة من قبل، قد أصبح قاضي الدولة، يجلس بجوار الرشيد. فقال له الرشيد: «ما ذكرك لي محمد بن الحسن» ثم التفت الى القاضي وسأله: يا محمد.. ما يقول هذا؟ أهو كما يقوله؟. فقال محمد بن الحسن: إن له من العلم شأنا كبيرا. وليس الذي رفع عليه من شأنه. قال الرشيد: فخذه حتى أنظر في أمره. وهكذا نجا الشافعي برأسه... وخرج الى بيت محمد بن الحسن ضيفا عليه.. وما زال محمد بن الحسن بالخليفة، حتى رضي عن الشافعي، واستدعاه ليمتحن علمه. وعقد له مجلسا من أهل العلم والفقه الرياضيات والطبيعيات والكيمياء والطب. قال الرشيد: «إنا نراعي حق قرابتك وعلمك فكيف علمك يا شافعي بكتاب الله عز وجل فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به؟». فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين فإن الله قد أنزل كتبا كثيرة؟. فقال الرشيد: «أحسنت، لكن إنما أسألك عن كتاب الله تعالى المنزل على ابن عمي محمد رسول الله(صلى الله عليه). قال الشافعي: «إن علم القرآن الكريم كثيرة فهل تسألني عن محكمه أو متشابهه أو عن تقديمه أ تأخيره أ» عن ناسخه أو منسوخه؟». فأعجب الرشيد وأهل المجلس بجاب الشافعي. ثم أخذ الرشيد يسأله عن سائر العلوم الطبيعية والرياضية من طب وكيمياء وفلك وتنجيم وفراسة.. فصفق الحاضرون إعجابا بحسن إجاباته، وأجازه الرشيد بخمسين ألف دينار، فقبلها الشافعي شاكرا، وخرج الى دار مضيفه، فلحق به أحد كبار رجال الدولة فقدم إليه صرة كبيرة بها دنانير ذهبية، فردها الشافعي قائلا: «لا أقبل عطاء ممن هو دوني، إنما أقبل العطاء من الخليفة وحده». عاد الشافعي الى دار مضيفه محمد بن الحسن، يتأمل كل الذي دار بينه وبين الخليفة. تعلم الشافعي من المحنة ألا يزج بنفسه في صراع سياسي. وحاول محمد بن الحسن أن يجذبه ليكون في صف بني العباس، بدلا من بني علي، ولكنه آثر العافية. أقسم ألا يخوض غمرات الصراع السياسي، وألا يقبل منصبا في الدولة، فلن يهب نفسه لشيء بعد أعظم من العلم والفقه.. وأعترف أنه أخطأ حين قبل المنصب في اليمن، فزج بنفسه فيما ليس من شأنه. وعكف على دراسة الطب والعلوم الطبيعية والرياضية يستكمل ما فاته منها، واهتم بالرياضة البدنية، وعاد يتدرب على الرمي وركوب الخيل، وقسم وقته بين هذا كله وبين دراساته الفقهية ودراسة ما ترجم من ثقافات المصريين القدماء القبط واليونان والفرس والهند. واتخذ لنفسه دارا، وبدأ يدرس فقه العراق على يد محمد بن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة. لقد درس هذا الفقه مرة عندما كان في نحو العشرين، وهاهو ذا اليوم في نحو الخامسة والثلاثين وقد أكسبته السنون خبرة، وأنضجت الدراسة والمعاناة والتأملات عقله وقلبه، يعيد دراسة فقه أبي حنيفة وغيره من فقهاء العراق، ويبذل في كل أولئك من الجهد ما جعل الطبيب يحذره من السل. صاحب الشافعي محمدا يتلقى منه فقه أهل الرأي، ولم يجد في ذلك غضاضة، فقد كان دائما مشقا الى المعرفة، والى المزيد من العلم، وكان يقول: «من حسب أنه علم فقد ضل وجهل». ولزم الشافعي حلقة محمد بن الحسن في بغداد، وشاهد في الحلقة مخالفة لمالك، هجوما على آرائه، وكان يستحي أن يواجه محمدا في الحلقة بخلافه معه حول الإمام مالك، فما كايد محمد ينصرف عن حلقته، حتى يسرع الشافعي في مناظرة تلاميذ محمد، مدافعا عن فقه الإمام مالك، وعن أهل السنة، حتى لقد أطلقوا عليه في العراق إسم «ناصر السنة». وعرف محمد أن الشافعي يناظر في غيابه، فأصر محمد على أن يناظره الشافعي. وأبى الشافعي خجلا من محمد، ولكن محمدا ألح عليه فتناظرا في رأي الإمام مالك في الإكتفاء بشاهد واحد مع اليمين. وظهر الشافعي على محمد في المناظرة. ثم رجع الشافعي عن هذا الرأي عندما رحل الى مصر، وسمع من تلاميذ الإمام الليث حج شيخهم في التمسك بشاهدين.. فأخذ الشافعي برأي الليث... أعجب محمد بالشافعي، وولع بمناظراته. وأعجب الشافعي بعلم محمد وبخلقه العلمي، فما كان يغضب إذا غلبه مناظر، وما أسرع ما كان يعترف لمناظره بالصواب إن اقتنع بحجته. قال عنه الشافعي: «ما رأيت أحدا سئل في مسالة فيها نظر إلا رأيت الكراهة في وجهه إلا محمد بن الحسن». وقد بلغ من حب محمد للشافعي، أنه على كان على موعد مع الخليفة، وإذ بالشافعي أمام دار محمد، فنزل محمد عن دابته، وقال لغلامه إذهب فاعتذر. وأخذ بيد الشافعي، فقال الشافعي: «لنا قلت غير هذا». فقال محمد: «لا». ودخل به داره يتناظران ويتدارسان. وعلى الرغم من أن محمدا من أهل الرأي من أتباع أبي حنيفة والشافعي من أتباع مالك شيخ أهل السنة ـ وبين أبي حنيفة ومالك خلاف كبير في الأصول الفروع ـ على الرغم من ذلك فإن محمدا كان يمدح لتلاميذه علم الشافعي ـ وسألوه لما يؤثر الشافعي عليهم الى الرغم من خلافهما فقال: لتأنيه وتثبته في السؤال والاستماع. أثرت الحياة الفكرية في بغداد ثراء عظيما بمجارات الشافعي ومحمد بن الحسن، وكانت مثالا لأدب المناظرة وبراعة المتناظرين. لكم كان الشافعي عفيف اللسان فه لا يسيء الى أحد لا يحب أن يذكر أحد بسوء أمامه. قال له أحد أصحابه: فلان كذاب. فقال: «لا تقل (كذاب) بل قل حديثه غير صحيح». كان يعظ أصحاب: «نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا كما تنزهن ألسنتكم عن النطق به. فإن المستمع شريك القائل». الشافعي الى الرغم من خلافه مع أبي حنيفة إمام الرأي كان إذا سئل عن مكانته بين فقهاء العراق ـ ومنهم أهل الحديث ـ قال: «سيدهم». ولعل أروع محاوراته مع محمد بن الحسن، هي تلك التي دارت حول الغصب. قال محمد للشافعي: «بلغنا أنك تخالفنا في مسائل الغصب». فقال الشافعي: «أصلحك الله إنما هو شيء أتكلم به في المنارة فإني أجلك عن المناظرة». فسأله: «ما تقول في رجل غصب ساحة وبنى عليها بناء أنفق عليها ألف دينار، فجاء صاحب الساحة أقام شاهدين على أنها ملكه؟». قال الشافعي: «أقول لصاحب الساحة ترضى أن تأخذ قيمتها؟ فإن رضي، وإلا قلعت البناء ودفعت ساحته إليه». قال محمد: «فلما تقل في رجل غصب لوحا من خشب فأدخله في سفينته ووصلت السفينة الى لجة البحر، فأتى صاحب اللوح بشاهدين عدلين. أكنت تنزع اللوح من السفينة؟». قال الشافعي: «لا». قال محمد: «الله أكبر.. تركت قولك! ثم ما تقول في رجل غصب خيطا فجرحا بطنه فخاطوا بذلك الخيط تلك الجراحة. فجاء صاحب الخيط بشاهدين عدلين أن هذا الخيط مغصوب أكنت تنزع الخيط من بطنه؟». قال الشافعي: «لا». فقال محمد: «الله أكبر. تركت قولك». فقال الشافعي: «أرأيت لو كان اللوح لوح نفسه (لوح صاحب السفينة) وأراد أن ينزع ذلك اللوح من السفينة حال كونهما في لجة البحر، أمباح له ذلك أم يحرم عليه؟». قال محمد: «يحرم عليه. فسأل الشافعي: «أرأيت لو جاء مالك الساحة أراد أن يهدم البناء أيحرم عليه ذلك أم يباح؟». فأجاب محمد: «بل مباح». قال الشافعي: «رحمك الله فكيف تقيس مباحا على محرم؟». قال محمد: «فكيف يصنع بصاحب السفينة؟». قال الشافعي: «آمره أن يسيرها الى أقرب الساحل، ثم أقول له إنزع اللوح وادفعه لصاحبه». قال محمد: فقال النبي (صلى الله عليه): «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». قال الشافعي: «من ضره؟ هو ضر نفسه». ثم سأل الشافعي: «ما تقل في رجل من الأشراف غصب جارية لرجل من الزنج في غاية الرذالة ثم أولدها عشرة كلهم قضاة سادات أشراف خطباء. فأتى صاحب الجارية بشاهدين عدلين أن هذه الجارية هي أم هؤلاء الأولاد مملوكة له ماذا تعمل؟». قال محمد: «أحكم بأن أولئك الأولاد مماليك لذلك الرجل». قال الشافعي: «أنشدك الله أي هذين أعظم ضررا أن تقلع البناء وترد الساحة لمالكها أو أن تحكم برق هؤلاء الأولاد؟». فكست محمد بن الحسن، أما تلاميذه في الحلقة فمالوا الى رأي الشافعي. *** أقام الشافعي في بغداد أعواما قلائل، استوعب فيها كل معطياتها من العلوم الطبيعية والدينية والرياضية والفقهية، وناظرا فقهاءها، وقرأ عليه كتاب الإمام مالك «الموطأ»، ودافع عن أهل الحديث، وأفاد من أهل الرأي. وشعر آخر الأمر بالشوق الى مكة، وبأنه قد جمع من المعارف ما يؤهله لأن يجلس في المسجد الحرام مجلس المفتي والأستاذ وشيخ الحلقة. وكانت مناظراته قد أعجبت الرشيد، فعرض عليه أن يوليه القضاء في أي مكان يريد، أو يجعله واليا على أي قطر يختاره. ولكن الشافعي استأذن الرشيد في أن يتفرغ للعلم، أن يعد الى مكة ليعيش بين أهله من قريش وينشر ما تعلمه بين الناس. وأذن له الرشيد. عاد الشافعي الى ام القرى. فأتخذ له مجلسا للفتوى والتدريس في فناء بئر زمرم بجوار مقام إبراهيم خليل الله... وهو المجلس الذي اختاره من قبل في عصر الصحابة، عبد الله بن عباس مفسر القرآن الكريم، وأحد الذين حفظوا فقه الإمام علي بن أبي طالب وأقضيته، وكان نائبه على الحجاز عندما كان الإمام علي كرم الله وجهه أميرا للمؤمنين. يحكم الدولة الإسلامية الغنية من الكوفة في بيت هو من أدنى بيوت المسلمين. عاد الشافعي من بغداد، لا يزال في أذنيه طنين من ضجيج المناظرات.. وقد أتاح له مقامه الطويل هناك أن يقترب من أهل الرأي، وأن يقرب أهل السنة من الرأي.. وأن يقنع بعض أهل الرأي بما عند أصحاب السنة.. وما زالت صور من محاوراته مع محمد بن الحسن تلح عليه.. في حواره مع محمد بن الحسن شيخ أهل الرأي في العراق بعد الإمام أبي حنيفة كان الشافعي يحاول أن يقرب المذهبين، وكان مفتونا بذلك الطريق الوسط الذي اختطه الإمام الليث بن سعد المصري بين أصحاب الرأي وأهل السنة. إنه لا يستطيع اليوم أن ينحاز الى أي الحزبين.. فكيف استطاع الإمام الليث أن يجد هذا المنهج الوسط؟ كانت آراء الليث قد انتهت الى الشافعي منذ كان في اليمن، ولكنه كان في حاجة الى المزيد، ولا بد من السفر الى مصر ليتلقى العلم من إمامها الليث ابن سعد. ولكن أهله في مكة أم القرى يستبقونه. وإذن فليقم في مكة أم القرى حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وحتى يؤذن له بالسفر الى مصر. لقد أصبح الآن يملك من عطايا هارون الرشيد ما يسمح له بالتفرغ الكامل للعلم. وأنفق نصف ما حمله من العراق على فقراء مكة، تنفيذا لوصية أمه: أن يتصدق على الفقراء بنصف ما معه كلما قدم الى أم القرى. وهاهو ذا الآن إمام يجلس للتدريس والإفتاء. ثابتا، راسخا، مطمئن النفس. وجعل محله في المسجد الحرام ساعات قليلة بعد الفجر. أما بقية النهار والليل فقد خصصه للتأمل، ولاستنباط منهج في الفقه. لكم هو نادم لأنه أضاع وقته، إذ قبل وظيفة في اليمن فدخل فيما ليس من شأنه على حساب ما كان ينبغي أن يحصل من معرفة، ويشيع من علم، وعلى حساب طلب الحقيقة والحكمة. على أن الوقت لم يفت بعد، وعليه أن يعوض ما فات.. إنه لعمل النهار والليل إذن.. إنه ليفسر القرآن ويستنبط دلالات آياته، ويدرس الناسخ والمنسوخ، ويدرس السنة ومكانها من القرآن، يتعرف على صحيح الأحاديث من باطلها، في عصر كثر فيه ضع الأحاديث إما مشايعة للفرق السياسية المتناحرة، وإما كيدا للإسلام، وإما غفلة من وضاع الحديث أو ناقليه حتى لقد صح عنده أن بعض الذين سمعوا الأحاديث كانوا يسمعن بعضها فيكتفون به، وقد يكون فيما لم يسمعه منها ما ينسخ ما نقلوه. ثم أخذ يفكر في كيفية استخراج الأحكام إن لم يكن هناك نص في القرآن أو السنة وكيف يجتهد المجتهد وما ضوابط الرأي؟. ووضع كتابا أسماه «الرسالة» فيه القاعد الكلية العامة لاستنباط الأحكام وأسس هذا الإستنباط، وأعاد النظر فيه فنقحه اختصر منه ولكنه لم يطمئن الى نشره، فرأى أن يتركه بعض الوقت عسى أن يعيد النظر فيه، بعد طرح ما فيه من أفكار على أهل حلقته، ومناظرة شيوخ مكة وعلماء الأمصار الذين يفدون الى البيت الحرام. وطال مقامه بأم القرى هذه المرة، وطابت له فيها الحياة، وجذب إليه الكثيرين من رواد الحلقات الأخرى في المسجد الحرام. وجلس إليه أحمد بن حنبل فأعجب به، فذهب أحمد الى صحابه الذين يلتمسون العلم في حلقات أخرى بالمسجد الحرام وأغراهم بالذهاب الى حلقة الشافعي. ويروي أحد أصحاب ابن حنبل: «قمت فأتى بي أحمد بن حنبل الى فناء زمزم، فإذا هناك رجل عليه ثياب بيض، تعلو وجهه السمرة، حسن السمت، حسن العقل، أجلسني أحمد بن جنبل الى جانبه. وقال أحمد بن حنبل لصاحبه: «اقتبس من هذا الرجل فإنه ما رأت عيناي مثله، فإن فاتنا لن نعوضه أبدا». ثم عاد الشافعي من جديد الى كتابه الرسالة، يتأمله ويهذبه حتى استقام له علم أصول الفقه، فرأى أن يذهب الى العراق يعرض على شيوخه هذا العلم الجديد ويناظرهم فيه. كان قد جاوز الخامسة والأربعين، وقد أصبحت له بمكة مدرسة وأتباع. وقد أطلقوا عليه في مكة «المفتي المكي»، و«العالم المكي». وجلس في حلقة بجامع بغداد، يشرح للناس ما وصل إليه في «الرسالة» من أصول. وهناك بهر بعلمه الفقهاء والتلاميذ.. ذلك أنه قد انتهى الى أن القرآن الكريم قد جمع الأحكام وجاءت السنة شرحا وتبيانا لما في القرآن.. فعلى المجتهد أن يبحث عن الحكم في القرآن أو السنة.. فإن لم يجد ففي إجماع الصحابة.. إجماع الصحابة في كل الأقطار لا في المدينة المنورة وحدها، بحيث لا يصح إجماع إلا إذا اتفق عليه كل الصحابة. فإن لم يجد المجتهد حكما في كل ذلك، فعليه أن يبحث في علة الحكم الواردة بالنص، ويلحق بهذا الحكم ما يتشابه معه في العلة من القضايا الجديدة، وهذا هو القياس، وبهذا أرضى الشافعي أهل الرأي وأهل الحديث جميعا. احتفلت به بغداد كما لم تحتفل بفقيه زائر من قبل، وفرح به تلميذه أحمد ابن حنبل الذي كان ألف أن يختلف الى حلقته ويلزمه كلما زار مكة حاجا أو معتمرا، قاصدا إليها على قدميه.. وتمنى التلميذ على أستاذه أن يقيم في بغداد سنوات فينشر علمه ويؤسس فيها مدرسة فقهية جديدة. ولكن الحياة لم تطب للشافعي في بغداد.. لكم تغيرت بغداد خلال هذه السنوات الطوال التي أقامها الشافعي في مكة..! لم تعد بعد هي بغداد التي أحبها.. مات خير أصدقائه محمد ابن الحسن، ولحق به آخرون، وسجن الباقون أو تركوا العراق، وذهب الرشيد، فاضطربت الأمور بعد موته.. اختلف أولاده.. وحارب الأخ أخاه على الخلافة.. فقد ولى الأمين، ولم يكد يستقر على العرش حتى وثب عليه أخوه المأمون فقتله، وتولى مكانه. وما زالت أصداء النواح على البرامكة تملأ آفاق بغداد، منذ نكبهم الرشيد. وهم أقرب الناس إليه، وأعمل فيهم السيف وآلات التعذيب حتى لا يرى فوق ظهرهم برمكيا. ثم إن الرشيد بطش بكل معارضيه، وما زالوا تحت الأصفاد في كهف سحيق.. وما انفك من بين رجال العلم من يكيد لمخالفيه في الرأي ويحاول أن يوقع بهم عند المأمون، الخليفة الذهبي.. وشيء جديد يشغل مجالس الفقه عما ينبغي أن تشتغل به مما يفيد الناس في دنياهم.. فالأفكار التي تطرح على ندوات العلم والفقه هي صفات الله علاقتها بذات الله تعالى.. والجبر والإختيار. ثم إن العناية بالقرآن الكريم قد عدلت عن تدبر آياته فهم الأحكام منها، تحري مقاصدها بما يضبط معاملات الناس وسيرتهم في دينهم ودنياهم، وانصرف العلماء والفقهاء إلا قليلا الى مناقشة صفة القرآن الكريم: أقديم هو أم مخلوق؟ جدل نهى الصحابة عنه، وأنصرف عن مصالح العباد، ومباحث ما كانت تشغل حلقات العلم والفقه من قبل.، بل كانت تعرض لتختفي، فها هي ذي الآن تسيطر على العقول والقلوب.! وهكذا كله غير ما ينبغي أن يشغل المسلمون!! إ، هذا لشيء عجيب.. وعلى الرغم من الإزدهار الحضاري الفائق، فقد أحس الشافعي أن الجسارة الفكرية في مواجهة مقتضيات الحياة باستنباط الأحكام قد بدأت تنحسر، ليزحف مد جسارة زائفة، هي بالجرأة على الشريعة نفسها، وشغل الناس بما لا ينفعهم في مواجهة حياة كل يوم. يواكب هذا كله دعوة ملحة الى الزهد فيما أحله الله لعباده، وحض الناس على القناعة بالفقر، ليكنز الكانزون، ويستمتعون دون الرعية حتى بما حرم الله..! لم تغد بغداد هي المدينة التي أحبها الشافعي من قبل، وافاد من مناظراته لعلمائها، وأتقن فيها علوم الطب والفلك، والفقه. وإذن ما بقاؤه في بغداد؟! وإلى من يأنس فيها؟! ومع من يقضي وقته!؟ لقد ألف حين زارها في المرة الماضية أن ينفق وقته مع صفيه وأستاذه محمد بن الحسن.. أين رفاق ذلك الزمان من العلماء والفقهاء؟ لا أحد بعد!. والإنسان يحب من المدائن تلك التي يجد فيها الراحة والألفة، وحسن الصحبة، وجمال الرفقة.. ولكنه الآن في بغداد لا يجد من يأنس إليه غير أحمد ابن حنبل. إنه لأحب تلاميذه إليه حقا، وما يقيم الشافعي عليه في بغداد الآن إلا من أجل أحمد بن حنبل.. ومر عليه شهران في بغداد، واستدعاه المأمون، فعرض عليه أن يوليه منصب قاضي القضاة، وهو المنصب الذي كان يشغله محمد بن الحسن أيام الرشيد، ولكن الشافعي كان قد آلى على نفسه ألا يتولى منصبا، وأن يخصص كل وقته للفقه، فإن وجد متسعا من الوقت فليخصصه للشعر، وما أقل ما كان يجد الوقت لممارسة هذا الفن الحبيب إليه!.. وما أكثر ما كان يخشى أن يعرف عنه أنه قد أدركته حرفة الشعر فينبذه الفقهاء المتزمتون.؟ *** وتلقى دعوة الى زيارة مصر من واليها الجديد، ومن أحد تلاميذه الذين أملى عليهم «الموطأ» في مكة من قبل، وألف استقباله في كل موسم حج، وقد أصبح تلميذه هذا الآن فقيها ذا شأن في مصر وتاجرا واسع الغنى وهو ابن عبد الحكم. لقد طوف الشافعي في الآفاق وعرف الدنيا وعرف الناس، زار اليمن والعراق والشام فارس والأناضول، إلا البلد الذي سمع بما فيه من علم وحكمة، وتمنى أن يزوره.. زار كل عواصم الفقه... إلا مصر..! وتاقت نفسه الى زيارة مصر.. إنه يعرف أن أول كتاب ترجم الى اللغة العربية هو كتاب مصري في الطب، ترجمه في صدر الإسلام عالم قبطي من أهل مصر.. وقد تعلم الشافعي من هذا الكتاب.. وهو يعرف أن حكماء اليونان الذين بهرته أفكارهم وكل آثارهم، قد تعلموا الحكمة والطب والفلسفة والرياضيات في مصر القديمة.. وهو يعرف أن مصرف من بين كل البلاد المفتوحة هي البلد الوحيد الذي عرف عقيدة التوحيد قبل الديانات السماوية.. من يدري؟. ربما كان بها رسل وأنبياء ممن لم يتحدث عنهم القرآن، وقد أخبر الله تعالى الله رسوله (صلى الله عليه) في القرآن بأنه أرسل م الرسل من لم ينزل قصصهم في القرآن، ولم ينبئه بأمرهم فيما أنزل عليه من أنباء الغيب.! وهو يعرف أن في مصر مزيجا من الحضارات، وأن الحضارة المصرية القديمة قد شكلت الإنسان المصري فعلمته حب العدل والحرية والحقيقة والحكمة، ثم جاءها الإسلام فأنبت فيها نباتا طيبا، وصاغ لها حياة خصبة من الأخوة.. وإنه ليتوق الى التعرف على ما تركه الصحابة الأوائل في مصر، منذ جاءوها في جيش الفتح، وهو بعد يريد أن يعايش تلك المدرسة المصرية العظيمة في الفقه الإسلامي، الغنية باجتهادات الإمام الليث، رائد الشافعي في الطريق الوسط بين أصحاب الرأي وأهل الحديث. وأصبح الشافعي ذات يوم فأعلن أنه راحل من غده الى مصر، فألح عليه تلميذه أحمد بن حنبل أن يبقى معهم في بغداد. ولكن الشافعي كان قد عزم فما عليه إلا أن يتوكل. وزار قبر الإمام أبي حنيفة، وصلى ركعتين... ولاحظ مرافقوه أنه عدل عن قواعده في حركات الصلاة الى قواعد أبي حنيفة. فلما سألوه في ذلك قال: «ادبا مع الإمام أبي حنيفة أن اخالفه في حضرته». واجتمع خلق كثير في وداع الشافعي. أحمد بن حنبل ما برح يحاول إقناعه بالبقاء في بغداد، فيمسك الشافعي بيد ابن حنبل ويترنم: ومن دونها أرض المهامه والقفر لقد أصبحت نفسي تتوق ال مصر أساق إليها أم أساق الى القبر ووالله ما أدري أللفوز والغنى وبكى أحمد بن حنبل.. وبكى الشافعي والحاضرون، ودعا الشافعي أحمد بن حنبل أن يزوره في مصر، فوعده أحمد بالزيارة إن شاء له الله. وصل الشافعي الى مصر، واستقبله على أبواب الفسطاط عدد من الفقهاء ورجال الدولة كلهم يستضيفه ويلح عليه أن يقبل الضيافة. ودعاه الوالي الى منزل كبير خصصه له، ولكن الشافعي آثر الإقامة عند أقارب أمه، تشبها بالرسول عليه الصلاة والسلام حين هاجر الى يثرب، فأقام عند أخواله. وكانت جماعات القبائل العربية ما زالت تفد الى مصر منذ الفتح الإسلامي، فتتوطن المنازل التي تألفها، إما في الفسطاط أو في الأقاليم. وكان أول ما صنعه الشافعي حين استقر به المقام أن ذهب الى قبر الإمام الليث فزاره. وقال وهو يقف على قبره: «لله درك يا إمام، لقد حزت أربع خصال لم يكملن لعالم، العلم والعمل والزهد والكرم». وبعد أن فزع من زيارة الإمام الليث سأل عن دار السيدة نفيسة. وكانت تقيم بمصر. منذ سجن أبوها، وكان واليا على المدينة هي حفيدة الحسن بن علي زجها هو إسحق المؤتمن بن الإمام الصادق جعفر بن محمد حفيد الحسين بن علي رضي الله عنهم. واستأذنا للإمام الشافعي في زيارتها فأذنت له، ورحبت به، وأعجبها عقله وورعه، وسمع منها ما لم يكن قد وصله اليه من أحاديث شريفة. وألف منذ تلك الزيارة أن يجلس في حلقتها فيسمع، ويقرأ عليها اجتهاداته.. وكان إذا أقعده المرض عن زيارتها أرسل يسألها الدعاء فتدعو له بالشفاء.. وبعد أن فرغ من أول زيارة للسيدة نفيسة سأل مرافقيه أن يصحبوه الى «تاج الجوامع» ـ فهكذا كان يسمى جامع عمرو إذ ذاك ـ فوجد الجامع يعج بحلقات الدرس، وشاهد عجيبا..! لم تكن كلها حلقات قرآن وحديث وفقه.. بل كانت فيها حلقات للقصص، واللغة، والشعر، وسائر فنون الفكر والمعرفة.. ما أروع انطلاق الحياة الفكرية هنا..! لقد كان من قبل يقول في حسرة: لكن الآن أشعر من لبيد ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنه هنا يستطيع أن يقول الشعر بلا حرج في هذه البيئة الفكرية السمحة. جلس للتعليم والإفتاء، وفي أول حلقة له بالجامع جلس القرفصاء على حشية وكان مريضا بالبواسير وتصلب في الأطراف فاراد أن يمد رجله كما تعود منذ مرض عملا بنصح الأطباء، ولكنه لم يفعل تحرجا منه، واحتراما لبعض أتباع مالك وأبي حنيفة.. كان أتباع أبي حنيفة يكثرون الفروض ويبحثون عن أحكام للوقائع المفترضة.. سأل أحدهم: «إذا حمل رجل قربة بها ريح نجس أينقض وضوءه؟». «هل انكشاف العورة ينتقض الوضوء». فأجاب الشافعي: آن للشافعي أن يمد رجله». وجد تقاليد جديدة في الحلقات.. فالأستاذ لا يلقي الدرس على طلاب يستمعون، كما ألف من قبل وبصفة خاصة في حلقة الإمام مالك.. ولكن الأستاذ يبدأ درسه بكلام قليل، ثم يدير حوارا بينه وبين التلاميذ، ومن خلال المحاورات تنفجر المسائل وتنضح الآراء. كانت هذه هي تقاليد المدرسة المصرية القديمة، وعليها تعلم فلاسفة الإغريق ومنها أخذوا أسلوبهم في المحاورات... وعلى هذا النهج سارت المدرسة المصرية في الفقه الإسلامي. واتبع الشافعي هذا التقليد حتى في درس القرآن والتفسير.. وأحاط به تلاميذ الإمام الليث وأطلعوه على ما حفظوه من شيخهم.. وكان يحسب أنهم هم الذين يلون القضاء، وأن إليهم أمر القضاء، ولنه وجدهم معزولين، يضطهدهم المتعصبون! ووجد الحياة الفقهية تنازعها أنصار الإمام مالك وأنصار الإمام أبي حنيفة، والغلبة لأنصار الإمام مالك، فيهم مغالون يشتطون، حتى لقد يؤذون من يعلن الخلاف مع مالك من أتباع الليث أو أبي حنيفة. وجادل الإمام الشافعي بعض هؤلاء المشتطين، وقال لهم إن الإمام «مالك» بشر يخطئ ويصيب. فانتفض أحدهم في وجه الإمام الشافعي، وسفه عليه، ووجه اليه كلمات بذيئة، وحمل الحاضرون هذا المتعصب السفيه وأخرجوه من المجلس، والشافعي مستمر في حديثه كأنه لم يسمع شيئا...! وعرف الشافعي أن هذا السفيه اسمه «فتيان» وبعد انتهاء الدرس طالب تلاميذه أن يصفحوا عن ذلك السفيه.. ووضع الشافعي لنفسه نظاما لم يحد عنه. أن يبدأ دروسه بعد صلاة الفجر بعلوم القرآن، فإذا انتهى منها جلس الى درس الحديث.. ثم يجلس بعد هذا مجلسا لم يجلسه من قبل في حلقة قط، ولكنه تمنى أن يجلسه، وهو مجلس علوم اللغة والشعر وشتى المعارف الإنسانية الأخرى... وفي هذا المجلس الأخير كان يعظ من يستمع إليه أو يحاوره: «إنما العلم علمان: علم الدين وعلم الدنيا.، فأما الذي هو علم الدين فهو الفقه، والعلم الذي للدنيا هو الطب، فلا تسكن بلدا ليس فيه عالم يفتيك عن أمر دينك ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك». في مجلسه الثالث كان إذا لم يجد بين الحاضرين من يحسن مذاكرته في الشعر والأدب والعلوم الإنسانية طلب من صحبه أن يبحثوا له عن أدباء مصر وشعرائها وعلماء المعارف الإنسانية، فما يزالون يتذاكرون حتى تحين صلاة الظهر، فيصلي بهم، أو يصلي خلف واحد منهم، وينصرف الجميع. ويعود الشافعي الى داره.. وقد يصطحب بعض صحبه للغداء معه، لم ينصرف الى العمل.. وقد تعلم من أستاذه مالك بن أنس أن يحمل الناس على احترام خلوته للعمل عكوفه عليه.. فالعمل عبادة يجب ألا يخلطها بشيء آخر، ويجب ألا يسمح لأحد بإفسادها، فالعلم لا يأتيك بعضه إلا أن تؤتيه كلك.. حتى إذا فرغ من العمل وصلى العشاء، جعل جزءا يسيرا من الليل لاستقبال الضيوف، فيسمرون معا، ويتذاكرون الشعر والأخبار، وبعض ما يسري عن النفس في سمر لطيف عذب. وكان حسن الإصغاء، محبا للطرائف، وقد أعجبته الملح المصرية، فهو يطلب حكايتها من أصحابه المصريين معلنا إعجابه بظرف أهل مصر.. هو نفسه يحكي الطرائف مما شاهد في رحلاته الطويلة.. من ذلك أنه رأى في المدينة المنورة أربع عجائب لم يرها في بلد قط.. رأى جدة عمرها إحدى وعشرون سنة!! وقاضيا حكم بإفلاس تاجر في دين قيمته أربعة أرطال من نوى البلح!! وشيخا عمره تسعون عاما يدور نهاره حافيا راجلا قائما يعلم القيان الرقص والغناء، فإذا جاءت الصلاة صلى قاعدا.. واليا كان صالحا طيبا فقال: «ما لي لا أرى الناس يجتمعون على بابي كما يجتمعون على أبواب الولاة؟». قالا له: «لأنك لا تضرب أحدا ولا تؤذي الناس» فقال: «هكذا؟! علي بإمام المسجد». فأحضروا له إمام المسجد فأمسكوا به على باب الاولي، وجعل الوالي يضرب الإمام والإمام يصرخ «أصلح الله الأمير» إيش جرى.. «أي شيء جرى؟» وظل الإمام يصرخ والوالي يضربه حتى اجتمع الناس.. وسرى عن الوالي وطابت نفسه، فقد اجتمع الناس على بابه!! كان مما يستعيد الشافعي روايته من ملح مصر، أن رجلا كان له غلام غبي، فقال له: «اذهب الى السوق فاشتر حبلا في طول خمسة عشر ذراعا». فسأله الغلام: «في عرض كم؟» قال الرجل: «في عرضك!! في عرضك!!» وغاب الغلام ساعة وعاد بلا حبل يقل: «لم أجد حبلا في عرضي». *** اطمأنت الحياة بالشافعي في مصر. وجاء رمضان فصلى التراويح بالسيدة نفيسة، ولاحظ أن عددا من النساء يحضرون درس الفقه، منهن بعض زوجات تلاميذه وأخواتهم وبناتهم. وفي حلقة الفقه بالجامع جاءه رجل شاب كان قد طلق امرأته ثم ندم، وأرجعها في رمضان وقبلها في النهار وهما صائمان، اتجه الرجل الى الإمام الشافعي قائلا: وضمة مشتاق الفؤاد جناح؟ سلوا المفتي المكي هل في تزاور فأدناه الشافعي منه وقال مبتسما: تلاصق أكباد بهن جراح أقول معاد الله أن يذهب التقى فأحاط بالرجل عدد من المتعصبين وسألوه، ليجعلوا من القصة مأخذا وسبيلا على الشافعي.. فزعق فيهم الشاب: «يا ناس.. أسأله عن امرأتي. وحكى لهم حكاية إرجاعها وتقبيلها في نهار رمضان.. فالإمام الشافعي يرى أن قبلته لم تذهب تقاه وصيامه.. وهذا هو رأي إمامهم مالك نقلا عن عمر ابن الخطاب عن امرأته عن أم سلمة أم المؤمنين، عن رسول الله (صلى الله عليه).. وفي هذه البيئة الفكرية المتحررة على الرغم من شغب المتزمتين استراح الإمام الشافعي في مصر، فانبسطت نفسه، وانطلقت أفكاره. وأخذ يذيع شعره وكثير منه مشهور مثل قوله: وإن خانني بعد التفرق كتماني وإني لمشتاق الى أرض غزة كحلت به من شدة الشوق أجفاني سقى الله أرضا لو ظفرت بتربتها وقوله: إلا عداوة من عاداك عن حسد كل العداوات قد ترجى مدتها وقوله: ما الذل إلا في الطمع حسبي بعلمي أن نفع إلا كما طار وقع ما طار طير وارتفع وقوله: وإذا مت لست أعدم قبرا أنا إن عشت لست أعدم قوتا نفس حر ترى المذلة كفرا همتي همة الملوك ونفسي ولكن الإمام الشافعي على الرغم من السماحة التي بهرته في مصر، كان يعاني من ضيق أفق المتعصبين وعدوانهم على الناس.. وكان هذا النفر ينتسب الى المذهب المالكي ويسيئون بسلوكهم الى سمعة أستاذه وشيخه العزيز عليه.. فنصب نفسه مفندا لدعاواهم. مر في الطريق بفقيه من هؤلاء يمسك برجل ويتهمه في دينه، والأخير يهزأ بالفقيه.. وأوشكا أن يتضاربا، فخلصهما الشافعي وقال: ما خطبكما؟ فقال الفقيه: «رأيته يبول واقفا». قال الشافعي: «وما في ذلك»؟، قال: «يرد الريح من رشاشه على بدنه فيصلي به»، فسأله الشافعي: «فهل رأيته أصابه الرشاش فصلى قبل أن يغسل ما أصابه؟»، فقال: «لا.. ولكني أراه سيفعل». فضحك الشافعي وحاول أن ينصحه.. فغضب الفقيه، وعربد على الشافعي وسبه.. وتأمله الشافعي، فإذا هو «فتيان» الأحمق الذي سأل الشافعي حين قدم عما إذا كان ظهور العورة ينقض الوضوء، ثم شتمه بعد ذلك في جامع عمرو شتما منكرا. وإن للشافعي مع «فتيان» هذا لشأنا..! وكان «فتيان» هذا يقود جماعة من المتعصبين، يرهب بهم أتباع الإمام الليث لأنه خالف الإمام مالكا ابن أنس، ويرهب بهم من يلتفون حول الإمام الشافعي منذ اكتشف الشافعي أن الفقه المصري يختلف مع الفقه المالكي في كثير من الأصـول الفروع، فأخذ الشافعي برأي إمام الفقه المصري.. الليث ابن سعد. شرع المتعصبون لمالك يتهمون الشافعي بأنه لا يعرف الحديث، فرد عليهم أنصار الشافعي بشهادة أحمد بن حنبل وهو من أكثر الفقهاء انتصارا للحديث: «ما من أحد من أصحاب الحديث حمل محبرة إلا للشافعي عليه منة. ذلك أن أصحاب الرأي كانوا يهزأون بأصحاب الحديث حتى قدم الشافعي الى العراق، وأقام الحجة عليهم!». وعلى الرغم مما لقى الشافعي من المتعصبين، فقد ظل يتابع حلقات الحوار والدروس، والناس يفدون اليه من مختلف الأقطار والأمصار، مفتنين بطريقته في الإلقاء والجدل، وببلاغته حين يخطب الجمعة حتى أسموه «خطيب الفقهاء». ومرت به الشهور في مصر، وهو ينتظر مقدم صديقه وتلميذه أحمد بن حنبل.. وكثيرا ما كان يشرد ويقول: «وعدني صاحبي أحمد بالقدوم الى مصر».. ويتمنى وينتظر.. على أن الواقع المصري الجديد، وما اطلع عليه الشافعي في مصر، من آراء وطرائق للاجتهاد، جعله يعيد النظر في كل ما كتبه من قبل. لقد غير كثيرا من آرائه. ومن أبرز الآراء التي ظهر فيها التأثير المباشر للبيئة المصرية رأيه في الماء.. فقد كان يرى كالإمام مالك أن من حق صاحب الأرض التي بها بئر أن يبيع الماء... ولكنه في أرض النيل، تابع رأي الإمام الليث. في أن صاحب الأرض التي بها بئر ليس له إلا حق السبق في الاستعمال.. أي الامتياز فقط، وللغير بعد ذلك حق الشرب وسقي الأرض بلا مقابل. وشرع يراجع كتاب «الرسالة» مرة ثالثة ويصقل ما تضمنه من أصول الفقه.. بل أخذ يراجع كل ما كتب من قبل فأحرق بعضه. ونظر في الآراء التي تابع فيها شيخه (مالك)، وعكف على فقه مالك كله يمحصه على ضوء ما تعلمه في مصر من فقه الليث.. فأعلن في خاصته أن الإمام مالك بن أنس يقول بالأصل ويدع الفرع ويقول بالفرع ويدع الأصل.. ونشر كتابا عن خلافه مع مالك في الأصول والفروع.. وقال إنه مع الليث في خلافه مع مالك! ثم عكف على فقه أبي حنيفة يمحصه وانتهى من دراسته الى نقد الإمامين مالك وأبي حنيفة. «فمالك أفرط في رعاية المصالح المرسلة وأبو حنيفة قصر نظره على الجزئيات والفروع والتفاصيل من غير مراعاة القواعد والأصول..» وهكذا. وانقطع الشافعي، يعيد كتابة «الرسالة» ويؤلف كتبا جديدة في الفقه، وينقح ويصوب فيما لم يحرقه من الكتب القديمة.. وجهد جهدا شديدا في هذا العمل.. وروى بعض أهله: «ربما قدمنا المصباح في ليلة واحدة ثلاثين مرة أو أكثر بين يدي الشافعي، كان يستلقي ويتذكر وينادي: «يا جارية هلمي مصباحا» فتقدمه ويكتب ثم يأمر برفع المصباح. ثم يعد بعد برهة فيطلبه.. هكذا». وسألوه: «لماذا لا تبقي المصباح فقد أجهدت جاريتك وأهلك؟». فقال: «الظلمة أجلى لفكر» فقد كان لا يحسن التأمل إلا في السكون والظلمة. وبعد أن فرغ من كتابة فقهه كله أرسل الى صديقه أحمد بن حنبل أن يخبر الناس بترك كل ما كتبه الشافعي من قبل، وأن يأخذوا آراء من كتبه المصرية وأرسل إليه هذه الكتب المصرية. فلما نظر فيها أحمد بن حنبل أعجب بها وسأله أحد أصحابه ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أهي أحب عليك أم تلك التي كتبها بمصر؟ قال أحمد: .عليك بالكتب التي ضعها بمصر ف"،ه لم يحكم ما كتبه قبل ذلك ولكنه أحكم كل ما كتبه بمصر». اتجه الشافعي بالفقه اتجاها علميا جديدا، فهو يعنى بالقواعد الكلية ولا يضيع وقته في الفروع، فالكلي ينطبق على الجزئيات. وانتهى في استنباط الحكم من غير النص، إلى الاتجاه إلى الإجماع كمصدر للأحكام، لكنه لم يشترط إجماع الصحابة كما كان من قبل. والشافعي يطالب الفقهاء الولاة والقضاة بإتقان اللغة العربية، لكي يفهموا النصوص حق الفهم.. فيها نزل القرآن تبيانا لكل شيء هدى ورحمة وبشرى للمسلمين.. فمن لا يتقن العربية غير جدير بالنظر في الشريعة.. وه يعني بإتقان العربية إتقان علمها من نحو وصرف فقه لغة وبلاغة أدب وشعر. ولقد حضر رجل من خرسان حلقة الشافعي في جامع عمرو فسأله: «ما الإيمان؟ فرد الشافعي: فما تقول أنت فيه؟. فقال الرجل: الإيمان قول. قال الشافعي: من أين قلت بذلك؟ قال الرجل: من قوله تعالى: (إن الذين آمنا وعملوا الصالحات) فصارت الواو فصلا بين الإيمان والعمل. فسأله الشافعي: فعندك الواو فصل؟ قال: نعم. قال الشافعي: فإذن كنت تعبد إلهين إلها في المشرق وإلها في المغرب لأن الله تعالى يقول (رب المشرقين رب المغربين). قال الشافعي: سبحان الله. أجعلتني وثنيا؟ قال الشافعي: بل أنت جعلت نفسك كذلك بزعمك أن الواو فصل. قد استطاع الشافعي وهو في مصر أن يتحرر في آرائه.. فألف كتابا عن قتال أهل البغي لعله لم يكن يستطيع أن يضعه في غير مصر!. وقتال أهل البغي قائم على تفسير قوله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله). وقد رد هذا النص باقتتال المسلمين، إذا فئة منهم بغت على الأخرى.. وأهل البغي عند الشافعي هم معاوية بن أبي سفيان وجنوده الذين حاربوا أمير المؤمنين عليا بن أبي طالب. الشافعي يرى قتالهم واجبا شرعيا.. وكان بنو علي مضطهدين في حكم بني أمية، ظلوا كذلك في حكم بني العباس.. الحكم الذي عاش في ظله الإمام الشافعي.. فرأيه في أهل البغي يؤيد حزبا تحاربه الدولة.. لم يحفل بذلك وهو في مصر، واحتج في قتال أهل البغي في حكم الأسرى منهم بما صنعه الإمام علي في معركة الجمل ومعركة صفين.. فهو لم يقتل أسيرا منهم، ولم يقتل رجلا مدبرا عن القتال. وهو لم يغنم من أموالهم إلا السلاح والخيل الدواب. أي أدوات الحرب وحدها! والإمام علي لم يقتل مدبرا من أهل البغي لأنه ربما كان هذا المدبر بإدباره قد رجع عن البغي ونوى البيعة لأمير المؤمنين. ولم يكن قتال أ÷ل البغي دراسة تاريخية، بل دراسة فقهية لأن الأحزاب تتقاتل، ينبغي أن يتحدد حكم واضح في الأمر كله.. ولقد نقد بعض أصحاب أحمد بن حنبل شيخه الشافعي على كتابه (قتال أهل البغي) وقالوا إنه متشيع، فقال أحمد: سبحان الله.. وهل ابتلي أحد بقتال أهل البغي قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب!؟. مرة أخرى يضطر الشافعي يضطر الشافعي الى الإشتغال بالسياسة.. ولكنه في هذه المرة يضطر الى الاشتغال بالسياسة لا بحكم الوظيفة أو المنصب، بل بحكم انشغاله الكامل بالفقه والعلم..! وقد أتاحت له البيئة الثقافية في مصر أن يفكر ويقول ويكتب في طلاقة وأمن. *** وفي مصر تحدث الشافعي عن الشورى ومكانتها في الإسلام، واعتبرها فرضا على الحاكم والمحكوم.. بها أمر الله ورسوله.. كان الرسول (صلى الله عليه) يقول فيما لم ينزل فيه حي «أشيرا علي أيها الناس».. ما كان في حاجة الى مشورة، ولكنه أراد أن يسن لولي الأمر من بعده. وروي عن أحد الحكماء أنه قال: «وما أخطأت قط، إذا حزبني أمر شاورت قومي، ففعلت الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون وإن أخطأت فهم المخطئون. وعلى الحاكم أن يستشير أهل الرأي، يأخذ برأيهم فيما فيه مصالحهم. ومن العدل أن يحسن اختيار الولاة، فقد قال الرسل(صلى الله عليه): «من لي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين». والشافعي يرى أن الحاكم اجب الطاعة ما دام الناس قد اختاروه باختيار حر، بيعة لا إكراه فيها ولا زيف، ووإ، كان هذا الحاكم قد غلب على الأمر انتزعه من صاحبه.. وهو يكتسب الشرعية من مبايعة الرعية، فإن رأوا في أمر الحاكم ما يخالف الله رسوله فلهم ألا يطيعه. واستند في هذا الى ما كان بين عثمان وعلي، فقد هاجم أبو ذر الكانزين وعاب سلوك معاوية وجماعته، فشكاه الى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فنهاه، فلم يسكت أبوذر، فنفاه الخليفة الى مكان منقطع بالصحراء اسمه «الربذة» وأمر بأن يتجافاه الناس، غير أن عليا بن أبي طالب صحب أبا ذر، وودعه كما ودعه عدد من الصحابة.! فقال عثمان لعلي: «.... ألم يبلغك أني نهيت الناس عن أبي ذر وعن تشيعه؟». فقال علي: «أوكل ما أمرتنا به من شيء نرى طاعة الله والحق في خلافه اتبعنا امرك؟ بالله لا نفعل». ثم إن الشافعي اهتدى الى أن عمل أهل المدينة ليس حجة على المسلمين في كل البلاد، فقد انتشر الصحابة في كل الأقطار وعلما الناس، قد وجد في عمل أهل مصر ما هو أدنى للعدل وروح الشريعة، كاستحقاق الزوجة لنصف المهر عند الطلاق. *** بهذه الآراء الجديدة جلس الإمام الشافعي يعلم الناس ويحاورهم في حلقاته الثلاث: حلقة القرآن، وحلقة الحديث، وحلقة الادب المعارف الإنسانية.. وفي هذه الحلقات لخص قواعد أصل الفقه بقوله: «نحكم بالكتاب والسنة المجمع عليها التي لا اختلاف فيها، فنقول لهذا حكما بالحق في الظاهر والباطن، نحكم بنسبة رويت عن طريق الانفراد لا يجتمع الناس عليها أي الاحاديث التي يرويها آحاد، ونحكم بالإجماع ثم القياس وه أضعف من هذا، ولكنه منزلة ضرورية لأنه لا يحل القياس الخبر موجد».. وفي الحق أن الإمام الشافعي كلف نفسه من المشقة ما لا تحتمله طاقة بشر. فقد أعاد في نحو خمسة أعوام كتابة ما ألفه في نحو ثلاثين عاما، وزاد على ذلك كتبا جديدة كتبها أو أملاها. بلغ مجمع ما كتبه في مصر آلاف الصفحات، وجمع معظم ما ألفه في مصر في كتاب «الأم». وشرع يدرس هذا كله في حلقاته، ويحاور فيه، وينصح مستمعيه ألا ينظروا في علم الكلام الذي يبحث في القدر والجبر وصفات الله، وأن يهتموا من علوم الدين بالفقه. وقال: «إياكم والنظر في الكلام، فإن الرجل لو سئل عن مسألة في الفقه فأخطأ فيها كما لو سئل عن رجل قتل رجلا فقال ديته بيضة، كان أكثر شيء ان يضحك منه ولو سئل عن مسألة في الكلام فأخطأ فيها نسب الى البدعة». أجهده طول الجلوس للكتابة والتدريس فاشتدت عليه علة البواسير ومرض الأطراف. ولعل أخطر وأحرج ما كان يدور فيه الحوار في حلقات الإمام الشافعي هو خلافه مع الإمام مالك، في مصر من الحمقى والمتعصبين من لا يطيقون أن يجهر أحد بالخلاف مع مالك. وقد اجتمع بعض هؤلاء بزعامة الفقيه الأحمق «فتيان» وطرح مسألة خلافية؟ وساق «فتيان» أدلة مالك في المسألة، وساق الشافعي أدلته.. وظهر الشافعي على «فتيان» وأقحمه، فضاق صدر «فتيان» وانفجر حمقه وشتم الإمام الشافعي شتما قبيحا. وكان «فتيان» هذا قد كرر العدوان على الإمام الشافعي، والشافعي يصفح عنه. ولكن أصحاب الشافعي ذهبوا هذه المرة للوالي ورووا ما كان من امر «فتيان» مع إمامهم، وحقق الوالي الشكوى وشهد الشهود على «فتيان» ولكن الإمام الشافعي سكت حين سأله الوالي، فقال الوالي: «لو شهد الشافعي على فتيان هذا لقطعت رأسه». وأمر الوالي بأن يضرب «فتيان» بالسياط، ثم طيف به على جمل، وقد حلقت لحيته وشاربه ورأسه، ومن أمامه المنادي ينادي: «هذا جزاء من سب آل رسول الله(صلى الله عليه)» ولم يكن الإمام الشافعي سعيدا بما حدث.. عاد الى بيته مهموما، وغلبه نزيف البواسير، فقد بلغ به الجهد الذي بذله وأثر فيه الإنفعال. وقال من حوله: إنه ليعرف علته، ولكنه يخالف فيها الطب. فقد كانت علته تتطلب منه الراحة وعدم إطالة القعود في الكتابة أو في الحلقات. وزاره طبيب مصري، فتناظرا في الطب، فأعجب به الطبيب المصري، وتمنى عليه أن يشتغل بالطب فقال الشافعي ضاحكا وهو يشير الى أصحابه المنتظرين خارج غرفته: «هؤلاء لايتركونني». وخرج الشافعي من داره بعد أيام الى حلقته من جديد. وتربص به بعض السفهاء ممن تعصبوا لفتيان.. حتى إذا خلت الحلقة من كل أصحاب الإمام الشافعي، وبقي وحده، وخلا الجامع من رواده، باغته السفهاء وانقضوا عليه يضربونه ضربا عنيفا بهراوات كانوا قد أخفوها في ملابسهم.. وظلوا يضربونه حتى سقط مغشيا عليه، وهربوا. وحمل الإمام الى منزله فاقد الوعي، وعندما أفاق أخذ يعاني أوجاع الضرب، وآلا الصدمة، والنزيف!! ولم يسعفه العلاج فأرسل الى السيدة نفيسة يسألها الدعاء كما تعود كلما ألم به مرض من قبل، فقالت لرسول الإمام «أحسن الله لقاءه ومتعه بالنظر اليه» فعلم أنها النهاية. وجاءه أحد عواده يقول له: «قوى الله ضعفك يا إمام» فتبسم الشافعي ورد عليه: «قوى الله ضعفي؟! أتدعو الله أن يزيدني ضعفا؟.. أدع الله أن يذهب عني ضعفي وأن يقوي عافيتي لا ضعفي». ونصحه أن يعنى هو وسائر الفقه يتصفح الموقع حالياً ( 20 ) زائر من الدول : السويد ( 2 ) الإمارات ( 1 ) السودان ( 1 ) الأردن ( 2 ) السعودية ( 6 ) عمان ( 1 ) فلسطين ( 1 ) مصر ( 2 ) ألمانيا ( 3 ) الدنمارك ( 1 ) جميع الحقوق محفوظة لشبكة أرض الشرق Ardalsharq.com 2000-2003 webmaster@ardalsharq.com Tel: 20124501559

الإمام أحمد بن حنبل

عودة لقائمة الشخصيات الاسلامية عودة للصفحة الرئيسية أحمد بن حنبل الإمام المفترى عليه صامت يطيل السكوت والتأمل، حزين يكاد لا يبتسم، وفي وجهه مع ذلك البشاشة وعى قسماته الرضا، لا يتكلم إذا إذا سئل فلا يبتدر أحدا بحديث.. حتى إذا جلس في الحلقة بعد كل صلاة عصر في المسجد الجامع ببغداد، وسأله الناس في أمور الدين والدنيا انفجر منه علم غزير نافع يبهر السائلين!... قال عنه بعض الفقهاء: «إنه جمع العلم كله». وقال عنه بعض العلماء: «إنه ليس من الفقه في شيء». وقال عنه الإمام الشافعي حين ترك بغداد الى مصر: «تركت بغداد وما فيها أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل». وفي الحق أن أحمد بن حنبل ظلم حيا وميتا. أما حياته فقد كانت نضالا متصلا ضد الفقر، وضد عاديات عصره.. فقد حملته أمه وهي حامل به من (مرو) ـ حيث كان يعمل أبوه في جند الخليفة ـ الى بغداد، ولم تك تضع وليدها أحمد حتى مات وترك له عقارا عاشت من غلته هي والصغير.. حتى إذا شب الصغير وزادت مطالبه، عرفت أمه ضيق العيش، ولكن الارملة الشابة رفضت أن تتزوج على الرغم من جمالها وشبابها وطمع الخطاب فيها، ووقفت حياتها على تربية وحيدها أحمد، فأحسنت تربيته، ودفعت به الى مقرئ ليعلمه القرآن، فختمه وهو صبي، وظل حياته كلها يعاود قراءته والتفكر فيه.. وعندما وثبت به الحياة الى الفتوة وجد من حوله دنيا عجيبة حقا، تطغى فيها البدعة الى السنة، ويشقى فيها عالم الأمر بجاهله، وتكتظ خزائن بعض الناس بالذهب والفضة بحيث لا يعرفون كيف ينفقونها، وعلى مقربة منهم يسقط بعض النساء والرجال في حمأة العار بحثا عن الحياة الأفضل أو عن الطعام وسط أوحال النفاق والخطيئة..! وأصوات خادعة أو مخدوعة تحبب الناس في الإنصراف عن طيبات الحياة مما أحل لهم، باسرع الورع أو الزهد، وتحضهم على ترك الحقوق لهاضميها أو مغتصبيها.!! ووسط هذه النداءات المنكرة التي لم يعرفها السلف قط، تزف عروس الى ابن الخليفة الذي يجب أن يعيش كما يعيش أواسط الناس من رعيته، فإذا بكل رجل من المدعوين الى حفل الزفاف من كبار القوم يسلم رقعة هي صك هبة: بضيعة وجارية ودعابة.. فضلا عن الدر المنثور!!.. أما سائر الناس فتنثر عليهم الدنانير والدراهم وحقاق المسك والعنبر!! هكذا طالعت الدنيا شابا حفظ القرآن صغيرا وتدبر في أحكامه وتعلم علم الحديث، فما كان منه إلا أن أعلن إنكاره لهذا كله، وسمى كل ما يحدث بدعة ونذر نسه لمقاومتها ولإحياء سنة رسول الله(صلى الله عليه).. فاتهموه بالتزمت! هكذا عاش حياته.! أما بعد موته فقد ابتلي ببعض أتباع نسبوا اليه ما لم يقل وما لم يصنع، وفرعوا على أصوله ما هو بريء منها، وأسرفوا على الناس حتى لقد كانوا يطوفون بمدائن المسلمين يغيرون بأيديهم ما يحسبونه بدعة، أو منكرة، ويفرضون ما يتخيلونه سنة، وغالوا في هذا حتى نال الناس منهم أذى وعنت، فكرههم الناس ونسبوهم الى الحماقة وضيق الأفق وسخروا بهم، وأزروا على مذهبهم.. وأصبحت كلمة الحنبلي أو الحنابلة تعني التبلد والتحجر والتعصب المذموم!! ولقد كتب ابن الأثير يصف ما كان يحدث من نفر من أتباع الإمام أحمد سنة 323 من الهجرة: «وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم وصاروا يكبسون الدور (اي يهاجمونها) فإن وجدوا بها نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء. واعترضوا في البيع والشراء. ومشى الرجال مع النساء والصبيان فإذا رأوا ذلك سألوا الرجل عن التي معه من هي فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه الى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة. فأزعجوا بغداد.» وما كان الإمام أحمد ليزعج أحدا، وما كان فظا ولا غليظ القلب بل كان يجادل بالتي هي أحسن وكان يدعو الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة إعمالا لكتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.. وما كان الإمام أحمد متعصبا لرأي ارتآه بل كان يحاور، ويرجع عن رأيه إن تبين له ما هو أصح حتى لقد نهى عن كتابة فقهه لأه كثير العدول عن آرائه..! وما كان ضيق الأفق، أو جامد الفكر، أو منقبا عن عيوب الناس.. ما كان الإمام احم من هذا كله في شيء. فقد كان من أوسع الناس أفقا، ومن أعمق العلماء إدراكا لروح الشريعة، ومن أكثر الفقهاء تحريرا لها من الجمود وتحررا بها في المعاملات. ولكنه عاش في عصر تغشاه البدع ويسوده الترخص الذي قد يزيل عمود الدين فكان عليه أن يأخذ الكتاب بقوة..! ولقد قال عنه أحد معاصريه: «ما رأيت في عصر أحمد بن حنبل مما رأيت، أجمع منه ديانة وصيانة وملكا لنفسه، وفقها وادب نفس، وكرم خلق وثبات قلب، وكرم مجالسة وأبعد عن التماوت.». ولد أحمد بن حنبل في بغداد عام 164 هـ من أبوين عربيين. مات أبوه وهو طفل وترك له معاشا ودارا يسكنها هو وأمه وعقارا يغل غلة لهما قليلة.. وكان عمه يعمل في خدمة الخليفة الرشيد، ويجمع أخبار بغداد ويسلمها الى والي البريد (الأمير المسئول عن البريد) ليوصلها الى الخليفة إذا كان الخليفة خارج بغداد.. وانقطعت أخبار بغداد عن الخليفة فأرسل الى الوالي يسأله، فسأل الوالي عم أحمد، وكان أحمد غلاما صغيرا، وكان عمه يرسله بالأخبار الى الوالي.. فسأله عمه: «ألم أبعث الأخبار الى الوالي؟» فقال: نعم، قال عمه: «فلأي شيء لم توصلها؟» قال أحمد: رميتها في الماء!.. أأنا أوصل الأخبار؟!. وحين سمع الوالي بما كان من أمر أحمد والأخبار قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون.. هذا غلام يتورع، فكيف نحن؟». على هذا الورع نشأ أحمد بن حنبل، حتى أن نساء الجند الذين سافروا مع الرشيد في الغزو كن لا يجدن فتى غيره يثقن فيه، فيقرأ لهن رسائل الأزواج، ويملينه الردود.. ولكنه كان لا يكتب الكلام الفاحش الذي قد تمليه بعض الزوجات المشوقات الى الأزواج..! ولقد أدرك منذ نشأ ان أمه تعاني في سبيل توفير حياة كريمة له، وأنها ترفض الخطاب من أجله، حرص على أن يعوضها، وبذل كل جهده في الدرس حتى حصل علوما ومعارف كثيرة في سن صغيرة معتمدا على نفسه. قال أحد جيرانه: «أنا أنفق على ولدي وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم.. انظروا كيف أدبه وعلمه وحسن طريقته!». لقد أنضجه الاعتماد على النفس، وحرصه على أن يكافئ أمه على صبرها وتضحيتها بالتفوق، حتى لقد أعجب أساتذته فقال أحدهم: «إن عاش هذا الفتى سيكون حجة على أهل زمانه». على أن الفتى شعر أنه أصبح هما ثقيلا على أمه.. وإن كان قد أحسن مكافأتها بانقطاعه ال الدرس، وذيوع أمره بني الأساتذة والتلاميذ.. وكان أحمد قد رأى أمه تبيع درتين لتعينه على طلب العلم، فآلى بينه وبين نفسه الا يجشمها مالا بعد. وأراد أن يوفر لأمه ما ترك ابوه من غلة العقار الذي مات عنه وهو بناء كبير يحوي عدة حوانيت تغل كلها سبعة عشر درهما في كل شهر.!.. وكان في أحد هذه الحوانيت نساج فتعلم منه وعاونه، فقد حفظ أحمد فيم يحفظ من أحاديث أن أطيب ما يأكله الإنسان هو ما يكسبه من عمله.. وكان أحمد حفيا بالسنة حريصا عليها، من أجل ذلك حرص على ألا يأكل إلا من عمل يده..! على أن عمل يده لم يكن يكفيه للطعام ولمواجهة أعباء الحياة، منذ صمم على أن ينزل لأمه عن غلة العقار الذي مات عنه أبوه، فلجأ الى الإقتراض، ولقد أدرك بعض دائنيه ضيق حاله فابى عليه رد الدين قائلا: «ما دفعتها وأنا أنوي أن آخذها منك» فقال له أحمد: «وأنا ما أخذتها إلا وأنا أنوي أن اردها إليك». على أن الحياة كانت تثقل عيه بمطالبها في بعض الأحايين، فلا يجد طعاما.. فيذهب الى المزارع والبساتين، ليلتقط ما نزل على الأرض خارجها من الثمرات.. وقد هدته تجربته الخاصة إلى أن هذا الزرع يجب أن يباح لمن يحتاج إيه.. والى هذا المبدأ انتهى في فقهه.. على ألا يدخل ذو الحاجة ملك الغير ليأكله، إلا بإذن المالك.. ولكم صقلته المعاناة وهدته الى قواعد في الفقه وإلى أحكام وفتاوى!.. ذلك انه كابد ضراوة الحاجة، وعرف أحوال الناس، واحتيالهم على الحياة، وذاق من البأساء، وعرف أهوال الأسواق..! وقد أكسبه هذا كله بصرا بالناس وفهما للدنيا، وتقديرا لمتطلبات الحياة وضرورتها، ونبض كل أولئك فيما أحدث من فقه ورأي.. ثم الرحلة في طلب العلم. ولكم لاقى في هذه الرحلات من أهوال!! قام بمعظمها على قدميه إذ لم يكن يجد أجر الدابة.. وعمل في بعضها حمالا ليعول لنفسه.. وعمل في بعضها نساخا، وكان حسن الخط.. وأكسبته كل هذه التجارب خصوبة فكر.. وهو في كل ما يعرض له يرفض العطاء، ويصمم على ألا يأكل إلا من عمل يده.. وكان كثير الرحلة الى اليمن يطلب الحديث من أحد علمائها، ورأى الشافعي حين كان ببغداد رقة حال أحمد، وعناءه في رحلاته الى اليمن، وكان المأمون قد طلب من الشافعي أن يختار له قاضيا لليمن فعرض الأمر على تلميذه أحمد، فابى.. فلما ألح عليه الشافعي قال له أحمد: «إن عدت الى هذا لا تراني أبدا». بدأ أحمد في طلب الحديث وهو في مطلع الشباب.. في الخامسة عشر من عمره.. وظل سبع سنوات يتلقى الحديث على شيوخه في بغداد، ثم سافر في طلبه وهو في مطلع شبابه في الثانية والعشرين.. سافر يلتمس الحديث عند شيوخ البصرة، فأقام عاما، رحل بعده الى الحجاز، وهناك سمع للشافعي بالمسجد الحرام، فقال لصحبه الذين قدموا الحجاز معه: «إن فاتنا علم هذا الرجل فلن نعوضه الى يوم القيامة». ثم عاد الى بغداد، وعاد مرة أخرى الى الحجاز.. وهناك سمع من الإمام مالك والإمام الليث بن سعد المصري وآخرين، ثم سافر الى اليمن ليلزم شيخها عبد الرزاق بن همام، وكان قد التقى به في الحج، ووجد عنده كثيرا من الأحاديث، فآثر أن يلزمه باليمن فيتلقى منه.. ولقد حاول عبد الرزاق أن يصله ببعض الدنانير، ولكن أحمد بن حنبل أبى... وصمم علي أن يكسب عيشه بعمل يده فاشتغل نساخا.. وتوالت رحلاته الى خراسان وفارس وطرسوس.. والى كل مكان يسمع أن فيه راوية حديث.. كان أحمد قد تعلم الحديث أو ما تعلم من أبي يسوف أحد أصحاب أبي حنيفة.. وكان أبو يوسف قاضي قضاة الدولة، وله حلقة درس يعلم فيها الناس.. وقد بهر أحمد بعلم أبي يوسف، وأعجب بجرأته في الحق.. وكان أحمد لا يفتأ يذكر بإكبار ما صنعه أبو يوسف مع وزير الخليفة، إذ رد شهادة الوزير قائل: «لا نقبل شهادة الوزير لأنه قال للخليفة أنا عبدك.. فإن كان صادقا فهو عبد ولا تقبل شهادة العبد، وإن كان كاذبا او منافقا، فلا شهادة لكاذب أو منافق!». على أن أحمد بن حنبل على الرغم من إكباره لأستاذه أبي يوسف، لم يجد عنده كل ما يريد من حديث.. فقد كان أبو يوسف من أصحاب الرأي.. وأحمد بعد أن حفظ القرآن يريد أن يحفظ كل الآثار التي خلفها الثقات من رواة الأحاديث.... فما ترك أحمد أبا يوسف قاليا له، فقد شارك أبو يوسف في صياغة وجدان أحمد وضميره الديني والإجتماعي، ولكنه تركه بحثا عما عند غيره وهو على مودة معه. ودرس على عبد الله بن المبارك، وكان فقيها واسع العلم، واسع الغنى في آن واحد.. ولقد حاول ابن المبارك أن يعين أحمد بن حنبل بالمال، ولكنه أبى وقال إنه يلزمه لفقهه وعلمه لا لماله، بل على الرغم من ماله!! وقد تعود ابن المبارك أن ينفق كل دخله على الصدقات وطلاب العلم. كان زاهدا.. والزهد عنده التقوى.. يعلم الناس أن العالم الذي يشيع علمه بين الناس أفضل ألف مرة من الذي ينقطع للعبادة.. وقد حكى أحد معاصريه انه رأى بعيرين يحملان دجاجا مشويا لسفرة ابن المبارك، وكان يطعم الناس الفالوذج، ويأكل هو الخبز والزيت، فإذا اشترى طعاما طيبا لم يأكله إلا مع ضيف.. ويقول: «بلغنا أن طعام الضيف لا حساب عليه.».. وقيل له: «قل المال فقلل من صلة الناس» فقال: «إن كان المال قد قل، فإن العمر قد نفد.» وكان يقول: «ليس يلزمني من الدنيا إلا قوت يوم فقط»... من أجل ذلك أحب الناس عبد الله بن المبارك، والتفوا حوله حتى إنه قدم الرقة وبها هارون الرشيد، فاجتمع الناس وتزاحموا احتفالا به حتى «تقطعت النعال وارتفع الغبار»، فأشرفت زبيدة زوج هارون الرشيد من قصرها، فلما رأت زحاما لم تره قط سألت: «ما هذا؟» قالوا «الفقيه العالم عبد الله بن المبارك» فقالت: «والله هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي يجمع الناس إليه بالسوط والعصا والشرطة والأعوان» وكان أحمد من المعجبين بالعالم عبد الله بن المبارك، كان معجبا بشخص وفقهه وعلمه وبسيرته بين الناس.. وعبد الله بن المبارك هو أحد الذين أثروا في أحمد بن حنبل وفي تشكيل فكره وسلوكه ومواقفه.. فقد أدرك أحمد في مطلع شبابه مما تعلمه من ابن المبارك أن الدعوة الى الفقر ليست زهدا، وإنما هي تمكين للأغنياء من المال، ليكون المال دولة بين الأغنياء... وإن الزهد الحق هو ما سنه الرسول عليه الصلاة والسلام، وتابعه فيه أئمة الصحابة من بعده.. وهو ليس الإعراض عما أحل الله، بل التعفف عن النظر أو التفكير فيما حرمه الله أو اشتهاء ما يكره.. الزهد هو التقوى.. تحمل أحمد المشقات، وخاض الغمرات، بحثا عن الأحاديث الصحاح يواجه بها ألوان البدع.. ثم إنه خرج الى طرطوس مرابطا مستعدا للجهاد، ولبث فترة هناك ثم عاد الى بغداد. فقد كان يرى الجهاد فريضة على كل قادر: الجهاد بالنفس أو المال أو بهما جميعا. كان العصر زاخرا بالعلوم والمعارف، وكان الفقهاء من قبله يعنون بها ويتعلمونها، ولكنه لم يجد منهم أحدا يتخصص في علوم الحديث، ويتوفر على الآثار وحدها، فوهب نفسه لإتقان علوم السلف فحسب، لأنه شعر بأن الأمة في حاجة الى التخصص. وظل يرحل ماشيا في طلب الحديث إكبارا للغاية التي يسعى إليها أو عجزا عن النفقة، يحمل فوق ظهره متاعه وكتبه، ويؤجر نفسه للعمل إن نفد زاده.. حتى جمع آلاف الأحاديث، وهو ما يفتأ على الرغم من ذلك يجوب الآفاق، حتى نحل جسده، فلامه في ذلك أحد اصدقائه قائلا: «مرة الى الكوفة ومرة الى البصرة ومرة الى الحجاز ومرة الى اليمن؟!.. الى متى؟!» فقال أحمد: «مع المحبرة الى المقبرة.» وما كان لينتهي مهما تكن المشقة.. فقد كان يطلب مع الحديث علوم الفقه.. كان فقه الخلفاء الراشدين، وفقه سائر الصحابة، وفقه التابعين وتابعيهم بإحسان.. وقد جلس في رحلاته الى الحجاز في مواسم الحج الى كل فقهاء عصره.. في المسجد الحرام، وفي الحرم النبوي.. على أن أحدا لم يجذبه كما جذبه الشافعي!.. واتصلت بينهما المودة مذ لقيه لأول مرة في المسجد الحرام.. وكان أحمد في نحو الثانية والعشرين والإمام الشافعي يكبره بنحو ستة عشر عاما ومع ذلك فقد أحس بأن الشافعي ليس أستاذا ومعلما فحسب، ولكنه اب أيضا...! وعلى الرغم من أن أحمد بن حنبل درس في مطلع شبابه على أبي يوسف وهو من أصحاب الرأي، ثم درس على الشافعي ولزم فقهه وهو وسط بين أهل الحديث وأهل الرأي، فقد كان أحمد حريصا في حياته على سنة رسول الله(صلى الله عليه)، حرصا جعله يتشبه به في كل أمور الدين والدنيا، فما حفظ حديثا عن الرسول علي السلام إلا عم به.. وحتى قرأ أنه عليه الصلاة والسلام تسرى بمارية القبطية، فذهب الى امرأته، وأعلمها بما علم، واستأذنها أن يتسرى، اسوة بالرسول(صلى الله عليه) فأذنت، فاشترت هي له جارية ترضاها..! وهكذا كان بره لأمه.. كان بالطبع برا تصنعه الفطرة، ثم اتباعه للسنة، فقد حظ أحمد أن الرسول(صلى الله عليه) سئل عن أحق الناس بالرعاية فأجاب سائله «أمك».. وأعاد السائل سؤاله مرتين، فأجابه: «أمك ثم أمك ثم أبوك».. وفي الحق أن أحمد بن حنبل كان مدينا لأمه بكل شيء.. فقد رفضت أن تدخل عليه زوج أم، على الرغم من جمالها وشبابها وطمع الخطاب فيها.. ثم إنها لقنته منذ صباه كل ما حفظه من سير، وأحاديث، وقصص بطولات.. ورسخت في أعماقه منذ كان طفلا قيم الإسلام الفاضلة.. فهي كأبيه من بني شيبان، وكانت تحظ مفاخر قومها، وقصص العرب، ومآثر الرسول والصحابة وتلقنها وحيدها.. وهي التي اختارت له المكتب الذي يتعلم فيه القرآن، ثم الشيوخ الذين يجلس إليهم بعد أن حفظ القرآن، ليطلب عندهم الحديث والفقه. وكانت تخاف عليه وهو صغير برد الفجر إذا خرج الى الدرس قبل الأذان.. وقد روى أحمد: «كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي وتقول: «حتى يؤذن المؤذن للفجر أو حتى يصبح الناس». حتى إذا كان في الخامسة عشر، جاء الى بغداد عالم عظيم، وأقام على الضفة المقابلة لدار أحمد بن حنبل، وفاض نهر دجلة وارتفع الموج حتى ترك الرشيد قصره ونزل بأهله وأمواله وحاشيته الى سفائن له، ولكن طلاب العلم هرعوا الى العلم على الضفة الأخرى في الزوارق.. وأبى أحمد حين دعاه زملاؤه الى العبور قائلا: «أمي لا تدعني أركب الماء في هذا الفيضان».. وترك العبور في حسرة، وعاد الى امه لتطمئن عليه..! لكم كان برا بوالدته!.. رآها رفضت الزواج لكي تتفرغ للعناية به، أبى هو الزواج ليفرغ للحدب عليها.. فما تزوج إلا بعد أن ماتت، وكان قد بلغ الثلاثين، لكيلا يدخل على الدار سيدة أخرى تنازع أمه السيادة على الدار! وهاهو ذا في بغداد شاب جاوز الثلاثين، محفوف الشارب، مرسل اللحية، أسمر الوجه، تلوح في وجهه الاسمر سكينة وطمأنينة، ويشع من عينيه بريق حاد، نحيل الجسد، متوسط الطول.. مثقل القلب بم يحدث من حوله.. كثير التأمل في أحوال الناس، مأخوذ بالبحث عن الخلاص، مشدود الى الحقيقة، وإلى طريق العباد مما هم فيه.. وما أبشع ما هم فيه! ذلك أنه منذ صباه شهد بغداد تزخر بألوان الثراء الثقافي والمادي، وتتصارع فيها المذاهب الفكرية والفقهية والعلمية، وترتفع فيها القصور المحفوفة بالحدائق والزرع وجنات الفاكهة والريحان، وتفيض فيها الأموال والنزوات. وفي بغداد مع ذلك من لايجد قوت يومه!.. وما بهذا أمر الله ورسوله!. فقد ورث المؤمنون عن الرسول موعظة يتحتم عليهم أن يتدبروها: إنه ليس مؤمنا من بات شبعان وجاره جوعان!... وكم في بغداد من بيت بين الناي والعود والعزف والشراب والطعام والقصف، والجيران جياع..!!.. ثم إن بغداد التي ما زالت لياليها تضيء بآثار السلف الصالح، وبالتماعات أفكار المجتهدين، بغداد هذه تجللها المعصية والمظالم. إذ شاع الانحراف، وظهر الغزل بالمذكر!! وقد أحرق أبو بكر الصديق من قبل قوما تعاطوا هذا المنكر في الشام!! ثم إن أموال الدولة تنفق بلا حساب على الندامى والمغنيات وأهل الطرب والمضحكين والمنافقين..!!.. وهذه الدولة العظيمة التي تحكم العالم كله، وتصوغ حضارة لم يعرفها التاريخ من قبل، وتسخر عقول المفكرين والعلماء فيها كل شيء لراحة الإنسان، وتقتحم هذه العقول عوالم الأفلاك في جسارة نادرة لتصبح الطبيعة أمام الإنسان كتابا مفتوحا، طاقاتها ميسرات لفكره... هذه الدولة التي حملت كل المعارف والكتب التي وجدتها في البلاد، فعربت كل معطيات الحضارة المصرية واليونانية والفارسية والهندية، وأضافت اليها.. هذه الدولة نفسها لا تقيم العدل كما يجب.. وتسمح لنفسها بأن تقتل أكبر شعرائها بشار ابن برد، لأنه نقد الخليفة المهدي وقال عنه «خليفة الله بين الله والعود».. فتحرق الدولة أشعاره وتفتري عليه ما لم يقله، لتتهمه بالإلحاد والزندقة، وتضربه حتى يموت!!. وهذه الدولة تسمح لأمرأة الرشيد بأن تتدخل في القضاء!!.. ذلك أن وكيل امرأة الرشيد اشترى لها جمالا من رجل من خراسان بثلاثين ألف درهم، وكان الخراساني قد ساق الجمال ليبيعها في بغداد. واستلم وكيل امرأة الرشيد الجمال، وماطل في دفع الثمن، وعطل الخراساني عن السفر.. ثم أعطى الخراساني ألفا ولم يدفع الباقي.. فشكاه الخراساني الى القاضي، فأمر الوكيل بأداء باقي الثمن، ولكنه قال إنه على السيدة أم جعفر امرأة الرشيد. فقال له القاضي: « يا أحمق! تقر ثم تقول على السيدة؟!».. وأمر القاضي بحبس الوكيل وعلمت امرأة الرشيد فقالت للرشيد: «قاضيك هذا أحمق. حبس وكيلي واستخف به، امنعه من نظر القضية» فأجابها الرشيد، وأطلق سراح وكيلها، ووجه الى القاضي يمنعه من النظر في الدعوى!!.. ثار القاضي حين علم بإطلاق سراح الوكيل، فلزم بيته، وامتنع عن حضور مجلس القضاء.. ولكه حين علم أن الرشيد سيمنع من نظر الدعوى، خرج من داره، وأرسل الى الخراساني أن يحضر شهودا ويلحق به في مجلس القضاء.. وجلس القاضي ينظر في الدعوى ويسأل الشهود ويستجلي ببينات الخراساني.. وحكم للخراساني بالمال كله.. وأخذ يسجل الحكم.. ثم جاء خادم أم جعفر امرأة الرشيد يقول للقاضي: «عندي لك كتاب من أمير المؤمنين». فقال له القاضي: «مكانك نحن في حكم شرعي.. مكانك حتى نفرغ منه». فقال الخادم: «كتاب أمير المؤمنين» فقال القاضي: «إسمع ما يقال لك.». ومضى القاضي يسجل الحكم واسبابه حتى فرغ، فأخذ كتاب أمير المؤمنين، وكان فيه كما يعلم من قبل امر بتنحيته عن نظر القضية.. فلما قرأ القاضي كتاب الرشيد قال للخادم: «اقرىء امير المؤمنين السلام، وأخبره أن كتابه ورد وقرأته وقد أنفذت الحكم». فقال الخادم: «قد عرفت والله ما صنعته. أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد.. والله لأبلغن امير المؤمنين بما فعلت» فقال القاضي: «قل ما أحببت». كان أحمد بن حنبل يتأمل في التدخل في القضاء ويتألم!! ترى كم من القضاة يستطيع أن يصنع كما صنع القاضي حفص بن غياث..؟!.. من الحق أن الرشيد ضحك عندما سمع بما فعله القاضي حفصبن غياث، وأمر له بجائزة قدرها ثلاثون ألف درهم مما جعل القاضي يقول: «الحمد لله كثيرا. من قام بحقوق الشريعة ألبسه الله رداء المهابة».. ولكن الخليفة لم يعاقب وكيل امرأته، لأنه حاول أخذ الجمال من الخراساني دون أن يدفع ثمنها.. ولم يمنع امرأته من التدخل في القضاء!. ومن يدري فربما كانت هناك مظالم كثيرة أخرى لم يتقدم بها أصحابها الى القضاء.. أو لعل من القضاة من لم يغامر كما غامر القاضي حفص! هكذا كان أحمد بن حنبل يرى صور الفساد ويأسى ويفكر في الخلاص.. فالحكام يسرقون ويقطعون يد السارق.. ومن العلماء من ينهي عن المنكر ويقترفه.. حتى صح فيهم ما قاله ذو النون المصري: «كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا وتركا له. واليوم يزداد الرجل بعلمه حبا للدنيا وطلبا لها.. كان الرجل ينفق ماله على علمه واليوم يكتسب الرجل بعلمه مالا. وكان يرى على صاحب العلم زيادة في باطنه وظاهره واليوم يرى على كثير من أهل العلم فساد في الباطن والظاهر.». لا خلاص إلا باللجوء الى السنة واتباعها.. وإلا بالتأسي بسيرة السلف الصالح، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، بمن فيهم علي بن أبي طالب. وكان أحمد يعرف أن اشد ما يغيظ حكام بني العباس هو نشر فقه الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. ذلك ان كثرة الثناء على الإمام علي، يثير عطف الناس على بنيه.. وكان بنوه قد ثاروا المرة بعد المرة على مظالم خلفاء بني أمية، ثم على خلفاء بني العباس، وحدثت فيهم من أجل ذلك مقاتل عظيمة.. ومن لم يقتل من بني علي عاشوا يرسفون في أغلالهم تحت الأبراج. وكان فقه الإمام علي بن أبي طالب وأقضيته، في صدور قلائل من العلماء أكثرهم من الشيعة. ثم أذيعت أراؤه وأفكاره ليستفيد منها بنو والعباس أبناء عمومته في محاربة مظالم بني أمية.. ولكن بني العباس خشوا أن يستعملها المعارضون في نقدهم.. وخافوا أن يكتسب بها المعارضون حب الناس وتأييدهم.. وهكذا أخفى حكام بني العباس أقضية الإمام علي وفتاواه وفقهه.. واستخفى بها الصالحون!!.. وكان العباسيون كالأمويين لا يطيقون معارضة.. فما ترتفع رأس بالشكوى أو النقد أو الاعتراض، حتى يهوي على عنق صاحبها سيف الجلاد، أو يخرس لسانها في غيابات السجون تحت وطأة عذاب غليظ اليم شديد..! ولكن أحمد بن حنبل ما كان يستطيع أن يتجاهل سيرة علي بن أبي طالب ولا أفكاره لتكون من بعد سيرة الرسول(صلى الله عليه) أسوة حسنة لمن يريد أن يعتبر بآثار السلف الصالح. بحث الإمام أحمد عن فقه وأقضية الخلفاء الراشدين، أعجب بما عرفه من فقه الإمام علي كرم الله وجهه، وبدأ ينشره ويستشهد به.. فوجد عليه خلفاء بني العباس وجدا شديدا، وأهمهم أمره!! ولكنهم لم يظهروا الغضب عليه، فما كان أحمد يعمل بالسياسة، وما كان رأه في الخلافة ليزعجهم، بل إن هذا الرأي على النقيض يرضي خلفاء بني العباس. ذلك أن أحمد كان يرى وجوب طاعة الخليفة ولو كان فاجرا.. فطاعة الفاجر عنده خير من الفتنة التي لا تصيب الذين ظلموا خاصة بل تصيب معهم الأبرياء، وتضعف الدولة فيطمع فيها أعداء الإسلام!! وكان لا يشترط لصحة الخلاف إلا أن يكون الخليفة من قريش وإلا أن يبايعه الناس. والبيعة شرط جوهري قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم..). فإذا تغلب أحد على منصب الخليفة وإن لم تكن الخلافة حقا له، وبايعه الناس بالخلافة، وجبت طاعته ايا ما كان امره من العدل أو الظلم والفجور أو التقوى.. ويقول أحمد في ذلك: «السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر ومن اجتمع عليه الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسمي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأمراء الى يوم القيامة البر والفاجر.... ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس قد اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه كان، بالرضا أو بالغلبة، فقد شق الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله(صلى الله عليه).». وهو مع ذلك لا يقر السكوت عن الخليفة الظالم، ولكنه يرى أن النصح له أولى من الثورة عليه..!.. وهو يرى لنصح فرض كفاية على كل أصحاب الرأي والعلم، فإن قام به بعضهم سقط الفرض الشرعي عن الجميع، وطن لم يقر به أحد أثم الجميع.. ومن عجب أن أحمد الذي فرض على الناس طاعة الخليفة وإن كان فاجرا، نأى نفسه عن الاتصال بالخلفاء، ورفض أموالهم، وأبى أن يتولى منصبا في ظل أحدهم على الرغم من حاجته الملحة الى المال.. لأنهم ظالمون!! وقد هاجم بعض المفكرين من معاصري أحمد آراءه في الخلافة.. واتهموه انه ينسب الى الرسول والصحابة نقيض آرائهم، فالرسول يامر أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويحذر المسلمين أن يسكتوا على الظلم والفجر، لأنهم إذا سكتوا عنه عمهم الله بالعقاب.. والصحابة قوموا أولياء الأمر منهم وردوهم الى الصواب.. ثم إن هؤلاء المفكرين اتهموا أحمد بالدعوة الى الإذعان وارضا بالظلم وبالمعصية.. غير أن أحمد رد عليهم أن خير التابعين عاشوا تحت مظالم الأمويين فلم يدعو الرعية الى الخروج عليهم.. وهو إنما يدو الى الطاعة مع استمرار النصيحة، لا على السكوت عن المظالم.. وإذا كانت طاعة الحاكم الظالم ظلما، فالخروج عليه ظلم أفدح، لأن الخروج مجلبة للفتنة وفي الفتنة تنتهك الحرمات، وتهدر دماء الابرياء كما حدث في كل الثورات في العصر الأموي والعباسي..! ومهما يكن من شيء، فما تجرأ احد من معاصري أحمد على اتهامه بأنه ينافق الخلفاء، ولكنهم عابوا رأيه، واعتبروه خطأ في تقدير ضررين أيهما اقل، وأيهما أكثر فيدفع.. على أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعا في هذا الرأي، بل كان فيه متفقا على نحو ما مع ما أفتى به الأئمة الثلاثة من قبله: أبو حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، والشافعي. فكلهم رأى أن طاعة الحاكم الظالم مع توجيه النصح له، خير من الثورة عليه لما يصحب الثورات من عدوان على الأنفس والحريات والأموال.. إلا الإمام أبا حنيفة، فقد أيد ثورة الإمام زيد بن علي وأوشك أن يخرج معه مجاهدا ضد مظالم الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك.. وعلى الرغم من أن ابن حنبل شديد التأثر بالشافعي، فقد اختلفا في بعض شروط الخلافة. فالشافعي يجعل العدالة شرطا لصحة الخلافة.. وإن لم يؤيد الثورة على الخليفة إن كان ظالما. والجدير بالذكر أن الإمام الليث ما كان يشترط أن يكون الخليفة عربيا.. ولكنه اشترط العدالة والبيعة..! انصرف أحمد يجمع السنن وآثار الصحابة، ويبحث من خلالها عن أحكام تنقذ الناس من الضلال.. وكان يجمع ما رواه الصحابة من أحاديث، كل على حدة، ويسند الى الصحابي ما رواه.. فكان لابد له أن يجمع ما رواه الإمام علي بن أبي طالب لا يبالي في ذلك أن يتهمه أحد بالتشيع أو بالميل الى العلويين. وفي الحق أنه ما كان متشيعا ولا صاحب ميل للعلويين. ولكنه تعلم من أستاذه الشافعي أن الإمام عليا كان أحق بالخلافة من معاوية، وأن معاوية كان باغيا، ودافع أحمد عن رأي أستاذه في مواجهة منتقديه.. وقد روى أحمد عن أستاذه الشافعي: «قال رجل في علي: ما نفر الناس منه إلا أنه كان لا يبالي بأحد. فقال الشافعي: كان في علي كرم الله وجهه أربع خصال لا تكون منها خصلة واحدة لإنسان إلا يحق له ألا يبالي بأحد، كان زاهدا والزاهد لا يبالي بالدنيا وأهلها، وكان عالما والعالم لا يبالي بأحد، وكان شجاعا والشجاع لا يبالي بأحد، وكان شريفا والشريف لا يبالي بأحد. وكان علي كرم الله وجهه قد خصه النبي (صلى اله عليه) بعلم القرآن، لأن النبي عليه الصلاة والسلام دعا له وأمره أن يقضي بين الناس. وكانت قضاياه ترفع الى النبي (صلى الله عليه) فيمضيها.» وقد رأى أحمد بن حنبل أن اتباع أحكام الإمام علي سنة لأن الرسول (صلى الله عليه) أقر جميع أحكامه، فكأنه هو الذي حكم.. ثم إنه قد خصه بعلم القرآن.. وعجب علماء الشيعة والمفكرون الذين يؤيدونهم لأمر الإمام أحمد.! لقد حسبوه عدوا لهم، وعدوا للإمام علي منذ أفتى بأن طاعة الحاكم واجبة حتى إن كان ظالما أو فاجرا، والثورة عليه خروج على الإسلام!. وكان الشيعة يرون أنه لا طاعة لحاكم ظالم، ويجب على الرعية أن تثور عليه، فإن سكتوا عنه فليس سكوتهم طاعة له واجبة، بل اتقاء لظلم أفدح، وانتظارا للفرصة المناسبة.. وإذن فرأي احم بن حنبل أن طاعة الخليفة الظالم الفاجر وجبة شرعا، وأن الثورة عليه مخالفة للسنة، إنما هو إدانة للشيعة وإمامهم الحسين بن علي سيد الشهداء رضي الله عنه، وموافقة على مقاتل الطالبيين، وشرها تلك المذبحة الوحشية الفاجرة في كربلاء..!! ما بال أحمد يسند بفتواه قتلة الإمام الحسين، وقتلة الإمام زيد، وغيرهم من ائمة الشيعة، ثم هاهو ذا يمدح الإمام عليا بن ابي طالب كرم اله وجهه ويعتمد على فقهه؟!! كان اللجاج شديدا في ذلك العصر بين دعاة الحرية السياسية والاجتماعية من حماة العدل وبين غيرهم من الفقهاء.. ومن أجل ذلك اشتدوا على أحمد بن حنبل، لأنه كان يرى الطاعة للحاكم الظالم الفاجر، ويرى الخروج عليه مخافة للسنة.. فهو إذن يؤيد الظالم الفاجر يزيد ابن معاوية، ويرى أن خروج الحسين كان مخالفة للسنة!!... وهذا رأي فاسد!.. وفي الحق أن أحمد وما رأى ذلك وما أفتى به.. فقد كان يرى معاوية باغيا على الإمام علي كرم الله وجهه خرج عن طاعته وثار عليه، فهو مخالف للسنة.. أما عن خلافة يزيد بن معاوية، فإن أحمد بن حنبل يرى أن معاوية أكره الناس عل هذه البيعة.. ولا إكراه في البيعة، وليس على مستكره يمين، كما قال رسول الله(صلى الله عليه).. وما كان أحمد بن حنبل من الذين يخوضون غمرات الصراع السياسي المتأجج، ولكنه كان يقول ما يؤمن به اتباع للسنة مهما يكابد في سبيل رأيه، فهو أحرص الناس على التأسي برسول الله، وكان يقول: «صاحب الحديث من يعمل به.».. وما كان يجيز طعن الصحابة من الخلفاء الراشدين، كما يفعل بعض غلاة الشيعة، وكان هذا سببا آخر لخلاف هؤلاء معه.. وقد تحدث أمامه جماعة من الناس فذكروا خلافة علي بن أبي طالب وتناولوا أمير المؤمنين بالتجريح، فتغير وجه أحمد وقال لهم: «من طعن في علي كرم الله وجهه فهو مخالف للسنة، وليس للسلطان أن يعفو عنه».. ثم رفع رأسه وقال: «إن الخلافة لم تزين عليا بل علي زينها». ولقد سئل أحمد عن حق علي في الخلافة فقال: «لم يكن أحد أحق بها في زمن علي من علي! ورحم الله معاوية!». وسئل عن تأييد أم المؤمنين عائشة لطلحة والزبير ضد علي فقال: «أكان طلحة والزبير يريدان أعدل من علي رضوان الله عليهم أجمعين؟» وسمع أحد غلاة الشيعة بهذا فقال: «هذه الكلمات أخرجت نصف ما كان في قلبي على أحمد بن حنبل من البغض». وقد بنى أحمد آراءه في قتال أهل البغي على سيرة الإمام علي كرم الله وجهه، متبعا في ذلك رأي الإمام الشافعي، فلما عاتبه أحد أصحابه قال: «ويحك.. يا عجبا لك! فما عسى أن يقال في هذا إلا هذا؟! وهل ابتلي أحد بقتال أهل البغي قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه؟». وفي لحق أن الشافعي أثر في أحمد كما لم يؤثر أستاذ في تلميذه. حتى لقد قال أحمد بعد أن أصبح إماما كبيرا: «إذا سئلت عن مسالة لا أعرف فيها خبرا (أي حديثا أو اثرا عن الصحابة) أخذت فيها برأي الشافعي.» وقد بلغ تديره للشافعي أنه أنكر على كل شيوخه أن يكتبوا فقههم في كتب.. إلا الشافعي.. أنكر على مالك كتابه الموطأ وقال عنه: «ابتدع ما لم تفعله الصحابة رضي الله عنهم» وقرأ كتب شيخه ابي يوسف، وكتب محمد ابن الحسن، وأنكر عليهما أنهما كتبا فقههما.. وأبى على أصحابه أن يكتبوا آراءه أو فقهه هو نفسه.. ولكنه عندما وصله كتاب الرسالة الجديدة الذي وضعه الشافعي في مصر، بهر بالرسالة، وقرأها على أصحابه، وحضهم على تعلمها، واحتفظ بها في خزانة كتبه كما يصون كنزا.. وهكذا صنع مع كل كتب الشافعي التي وضعها في مصر، وهي كتب تأثر فيها الشافعي الى مدى بعيد بفقه الليث بن سعد إمام أهل مصر ولقد حمل أحمد عن الشافعي تقديرا كبيرا للإمام الليث، فكان لا يذكره الا بالتقدير. وقد كان أصحاب أحمد يعرفون ميله للشافعي وإكباره إياه.. وكان هو يوصيهم بقراءة كتب الشافعي قائلا إنه «ما من أحد وضع الكتب منذ ظهرت أتبع للسنة من الشافعي». وكان الشافعي يبادله هذا التقدير، وقد عده الشافعي من العجائب: «ثلاثة من العلماء من عجائب الزمان: أعرابي لا يعرف كلمة وهو أبو ثور (وكان كثير اللحن)، وأعجمي لا يخطئ في كلمة وهو الحسن الزعفراني وصغير كلما قال شيئا صدقه الكبار وهو أحمد ابن حنبل». كما قال عنه الشافعي: «رأيت في بغداد شابا إذا قال.. قال الناس كلهم صدقت.» قيل من هو؟ قال: «أحمد بن حنبل».. وقال عنه: «خرجت من بغداد، وما خلفت فيها رجلا أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى، من أحمد بن حنبل» وكان أحمد يضع شيخه في أعلى مكان، ويقول: «إن الله يبعث على رأس كل مائة عام إماما صالحا من عباده، يحيي به السنن ويرفع شأن الأمة، وقد كان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الاولى، وعسى أن يكون الشافعي على رأس المائة الثانية». على ان أحمد بن حنبل، منذ وقف يتدبر أحوال المسلمين، ويتلمس طريق الخلاص، ووسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة، التمس طريق يستنبط به الأحكام، فلم يجد افضل من أصول فقه الشافعي. اجتمعت لأحمد خلال رحلته عشرات الأحاديث النبوية، فأخذ يرويها للناس ويعمل بها.. وتأدب بادب الرسول.. روى الحديث: «كل معروف صدقة ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق».. فكان لا يلقى الناس إلا مبتسما، ويقدمهم عليه إذا مشوا في طريق، أو دخلوا مكانا أو اصطفوا لصلاة الجماعة.. ويروي أحد أصحاب أحمد أنه خل معه مكانا، فإذا بامرأة معها طنبور (آلة للعزف)، فكسر صاحب أحمد الطنبور، وسئل أحمد عن ذلك فيما بعد فقال: «ما علمت بها، وما علمت أن أحدا كسر طنبورا بحضرتي الى الساعة». ذلك أن أحمد ترك المكان مستنكرا الأمرين جميعا: عزف المرأة على الطنبور، وعدوان صاحبه عليها!.. فهو يكره لأصحابه أن يغلظوا، ويطالبهم حين يأمرون بالمعروف، أو ينهون عن المنكر أن يتبعوا سنة الرسول(صلى الله عليه) كما علمه الله تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.) وكان أحمد يكره الشطرنج ويراه لهوا يصرف الناس عن جد الأمور، سمع أن صاحبا له دخل على جماعة، حول رجلين يلعبان الشطرنج فطوح به ونهر الجماعة، فغضب الإمام أحم لما صنعه صاحبه بأصحاب الشطرنج..! كانت سماحته تسع الذين يسيئون إليه مهما تكن الإساءة فادحة!.. وشى به رجل الى الخليفة، وزعم أن ثائرا علويا يختفي في داره.. ولو صحت الوشاية لقتل الإمام أحمد بإخفاء الثائر العلوي. فلما تبين للخليفة كذب الوشاية أرسل الواشي مصفدا الى أحمد، ليفتي برأيه في عقابه، فقال أحمد: «لعله يكون صاحب أولاد يحزنهم قتله!» وهكذا أخذ أحمد بنفسه بالتأدب بأخلاق الرسول (صلى الله عليه).. وكان يقول: «إذا أردت أن يدوم لك الله كما تحب، فكن كما يحب». إن أبرز ما يميز لهو التواضع.. قال له أحد الناس: «جزى الله الإسلام عن خيرا». فشاه الحياء «جزى الله الإسلام عني خيرا؟ ومن أنا وما أنا؟!..» عرف شيوخه منه هذا التواضع منذ كان يطلب عليهم العلم، فأشادوا به. ذات يوم ضاق أحد شيوخه بالطلاب في الحلقة، وغاظه عجزهم عن فهم الدرس، فصاح الشيخ «الا تفهمون؟» فقال الطلاب: «كيف لا نفقه وفينا أحمد بن حنبل». فقال الشيخ «أين هو؟» ودخل أحمد فقالوا: «هاهو ذا». وجلس أحمد حيث انتهى به المجلس كما تود، وكما عاش يفعل الى آخر العمر، فقال الشيخ لأحمد: «تقدم يا أحمد» فقال أحمد: «لا أخطو على الرقاب.» فصفق الشيخ فرحا: «الله أكبر.. هذا أول الفقه». على أن تواضع أحمد وحياءه لم يمنعاه من الجهر بالحق.. بل كان على النقيض شيدا على الباطل، لا يبالي في ذلك لومة لائم.. لاحظ أن بعض الفقهاء يفضلون العباس على الإمام علي بن أبي طالب، نفاقا للخلفاء والأمراء من بني العباس.. وسمع أحمد بن حنبل هذا الفقيه يذكر الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بما لا ينبغي، ويشكك في حقه في الخلافة، فانبرى أحمد يقول للفقيه على مشه من الناس: «من لم يثبت الإمامة لعلي فهو أضل من حمار..! سبحان الله!.. أكان علي كرم الله وجهه يقيم الحدود ويأخذ الصدقة ويقسمها بلا حق وجب له!؟.. أعوذ بالله من هذه المقالة.. بل هو خليفة رضيه أصحاب رسول الله(صلى الله عليه)، وصلوا خلفه، وغزوا معه، وجاهدوا، وحجوا، وكانوا يسمونه أمير المؤمنين راضين بذلك غير منكرين، فنحن له تبع».. ثم قال: «ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل ما لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه». وعلى الرغم من أن أحمد بن حنبل كان يرى اول الأمر أن طاعة الخليفة واجبة وإن كان ظالما أو فاجرا، إلا أنه عدل عن رأيه عندما أنضجته التجربة فيما بعد.. فعاد واعتبر طاعة الخليفة الظالم لونا من النفاق يجب أن يبرأ منه المؤمن! ذلك أنه سمع قصة عن شيخه عبد الله بن المبارك ظلت تضنيه الى آخر العمر.. فكانت دموعه تفيض من الندم ومن الرحمة والإشفاق، كلما تذكر ما حدث لأستاذه عبد الله بن المبارك.. وهو الأستاذ الذي لزمه أحمد وإن لم يره قط.. فقد كان كلما لحق به في مكان ليسمع منه، وجده قد رحل عنه، حتى مات الشيخ، فلزم أحمد آثاره وفقه وتتبع سيرته واهتدى بها .. وسمع أحمد فيما سمع أن شيخه ابن المبارك مر وهو في طريقه الى الحج بمزبلة قوم، رأى فتاة تأخذ طائرا ميتا وتلفه، فسألها عن امرها فقالت: أنا وأخي هذا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ ثلاثة أيام (أي ان الجوع اضطرهما ال أكل الميتة)، وقد كان أبونا له مال، فظلم وأخذ ماله وقتل.. فقال ابن المبارك لوكيله: «كم معك من النفقة؟»، قال: «الف دينار» فقال:«عد منها عشرين دينارا تكفينا الى مرو، واعطها الباقي. فهذا افضل من حجتنا هذا العام»، ورجع.. ما ذكر أحمد هذه القصة إلا بكى.. فما فتواه إذن بوجوب طاعة خليفة ظالم؟! أيطاع خليفة يظلم رجلا فيقتله ويستولي على ماله ويترك أبناءه جياعا ينقبون في المزابل عن الطعام، فلا يجدون إلا الميتة؟!!.. يا حسرتا على العباد؟!.. وإذن ما جدوى العلم والفقه وما جدوى كل شيء؟! وما الإسلام إن كان على وجه الأرض من يلتمس القوت في المزابل، وفي الأم مع ذلك مسلمون يملكون آلاف الآلاف ؟!.. وفيها فوق ذلك علماء يمجدون الفقر ويدعون إليه باسم الزهد؟!.. أي زهد هذا!؟ بل إنه لإعانة للظالم على ظلمه..!. ثم ما هذا الإنشغال الكامل بالمجردات، والقضاء والقدر، وخلق القرآن، والجبر، والإختيار؟! ما الإهتمام بهذه الأمور والحوار المصطخب حولها، والعدل معطل!!؟. إن المفكرين ليخطبون في العشوات، ويتركون الحكام يقتلون المظلومين ويصادرون أموالهم!. كم في الأمة من رجال ونساء يسقطون في الأوحال بدلا من أكل الميتة أو البحث عن القوت وسط المزابل؟!!. وكم من العلماء فكر في هؤلاء الجياع والمظلومين!!.. أعلماء وفقهاء هم، أم هم أوتاد وخشب مسندة يرتكن اليها الباغون!! إن كل ما في أيدي الخلفاء والأمراء والأغنياء حرام عليهم، ما دام في الأمة جياع! وستكوى ظهورهم وجنوبهم في نار جهنم بما يكنزون من ذهب وفضة، كما أنذرهم الله تعالى في كتابه الكريم!!. والعلماء والفقهاء الذين يزينون لهم سيرتهم على أي نحو من الأنحاء، وحتى الذين يسكتون على هذا المنكر، إنما هم جميعا شياطين خرس، سيعاقبهم الله تعالى عقاب الشياطين يوم يقوم الحساب!! إن من هؤلاء الفقهاء والعلماء من يضلل الناس عن الحقيقة جهلا منه أو غفلة أو رياء للحكام. إنهم ليحببون الفقر لعامة المسلمين، وإنهم ليعظون عامة المسلمين ألا يفكروا في غير ذكر الله، عسى أن تطمئن قلوبهم.. ولكن ما جوى ذكر الله إذا لم يعمل بهذا الذكر، إذا كنت تأكل الحرام؟!.. إن من آكلي الحرام من يستطيع أن يذكر الله ضعاف أضعاف غيره من المشغولين بالسعي في طلب الرزق!!.. ولكن ذكر الله ليس من يتحرك به لسانك، وإنما هو عمل الصالحات!.. ولقد طاف رجل على فقهاء بغداد يسألهم واحدا بعد الآخر: «بم تلين القلوب؟» قالوا: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب».. ثم لقي أحمد بن حنبل فسأله، فقال أحمد: «بأكل الحلال». فعاد الرجال يطوف بهم جميعا ويذكر لهم جواب أحمد.. وكأنه نبههم من غفلة، وفتح عيونهم على الحقيقة فقالوا: «جاءك بالجوهر.. الأصل كما قال». ألف الناس أن يسألوا أحمد بن حنبل كلما لقوه، فيجيبهم بعد التروي، وكثيرا ما كان يقول: «لا أدري».. وأغراه بعض المعجبين به أن يتخذ له حلقة في الجامع، ويجلس ليعلم الناس ويفتيهم، فيصير إماما.. ولكنه تحرج.. فقد كان يرى أنه يجب ألا يجلس للفتوى والتدريس حتى يبلغ الأربعين.. أي في سن النبوة.. ثم إنه لا يستطيع أن يفتي وبعض اشياخه حي، فالشافعي أستاذه ما يزال حيا بمصر!.. وأمر آخر: إنه يريد قبل أن يجلس للفتوى وللتدريس، وأن يفرغ من تنسيق الأحاديث التي جمعها في رحلاته البعيدة المضنية، يريد أن يسند الأحاديث الى رواتها من الصحابة ويخض كل واحد منهم مسندا.. وعمل كبير كهذا يقتضيه الإعتزال في بيته.. وبدأ يعتكف ليجمع مسنده، ويمحص ما فيه من الأحاديث. وعاتبه بعض الذين ألفوا لقاءه، فطلب منهم أن يتركوه ليعمل ما هو أجدى من غشيان مجالس ليس فيها غير أحاديث يثرثر بها قوم ألفوا السكوت على الباطل وظلم العباد.. كان قد بدأ يدون (المسند) منذ بدء عنايته بالحديث وقد تعين عليه الآن أن يجمع شتات ما كتب، وأن يسطر على الورق كل ما حظ، وأن ينظر في هذه الأحاديث مع إمعان النظر في نصوص القرآن، ليحسن استنباط الأحكام. وجمع (المسن) في كتب متفرقة، وظل يعمل فيه إلى آخر أيام حياته، لينسقه ابنه ويصنفه من بعده. وكان أحمد يكتب في مسنده كل ما يحفظه من أحاديث.. وقد قال هو فيما بعد لابنه عبدالله الذي روى فقهه وبوب مسنده، بعد أن سأله عبد الله عن حديث جاء في المسند، رويت بخلافه أحاديث أخرى، قال أحمد لابنه: قصدت في المسند المشهور، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء اليسير، ولكنك يا بني تعرف طرقتي في الحديث.. لست أخالف ما ضعف من الحديث هذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. وقد لاحظ ابن الجوزي أن بعض فقهاء الحنابلة يما بعد قد اعتبروا كل ما جاء في المسند من أحاديث صحاحا على الرغم من تنبيه أحمد بن حنبل نفسه. حزن ابن الجوزي لهذا، وكتب: «قد غمني في هذا الزمان أن العلماء لتقصيرهم صاروا كالعامة، وإذا مر بهم حديث موضوع قالوا: قد روي. والبكاء يجب أن يكون على خساسة الهمم ولا حول ولا قوة إلابالله.» أصبح أحمد بن حنبل وما في بغداد أحفظ منه للحديث، ولا أعمق مه بصرا بآثار الصحابة وفتاواهم، فضلا عن فقهه بعلوم القرآن. وشهد شيوخ بغداد بفضله وعلمه وتقواه، وجدارته بالتدريس والإفتاء. وهاهو ذا يبلغ الأربعين، وقد مات الإمام الشافعي، ووجب على أحمد أن يتخذ له حلقة للتدريس والإفتاء بالمسجد الجامع ببغداد. وحددوا موعدا لحلقته بعد صلاة العصر كما فعل الإمام أبو حنيفة من أكثر من خمسين عاما.. استقر لأحمد بن حنبل الآن منهج في استنباط الأحكام، خالف فيه أبا حنيفة ومالكا بمن أنس. وتابع فيه أستاذه الشافعي. وإذن فقد أصبح أحمد ابن حنبل إماما.. وشرع الإمام أحمد يفسر القرآن، ويروي الأحاديث ويفسرها، ويشرح للناس مذهبه في استنباط الأحكام، ويفتي فيما يطرح عليه من مسائل. وشرع الإمام أحمد يفسر القرآن، ويروي الأحاديث ويفسرها، ويشرح للناس مذهبه في استنباط الأحكام، ويفتي فيما يطرح عليه من مسائل. وفي هذه الحلقات علم الناس أن من روى حديثا صحيحا ولم يعمل به، فقد نافق! وفي هذه الحلقات تفجر فقهه أصولا وفروعا.. وأجاب على آلاف المسائل.. وازداد شهرة، وتزاحم الناس على حلقاته، وتركوا حلقات الفقهاء الآخرين، حيث وجده الناس غزير العلم، حسن الرأي، حلو الحديث، رفيق الذوق، كثير الحلم، جميل المعشر.. وجدوه حيا بالفقراء من طلاب العلم، بسواد الناس يقربهم ويهش لهم.. وقد جر عليه هذا كثيرا من العناء! فق نفس عليه بعض فقهاء بغداد، وتبدل في قلوبهم إعجابه به، ورضاهم عنه، لتشتعل الغيرة منه. ثم إن طلاب العلم تابعوه الى بيته، ولم يتركوا له وقتا للراحة أو العمل.. وعاتبه أحد أصدقائه لأنه لم يعد يلقاه كما ألف من قبل فقال له: «إن لي أحباء هم أقرب إلي ممن ألقاهم في كل يوم، لا ألقاهم مرة في العام.» أسرف عليه طلاب العلم ومحبوه، فأزعجوه، وما كان له حجاب ينظمون مواعيد الناس، كما كان للإمام مالك والإمام الليث من قبل، وما كان يستطيع أن يمتنع عن لقاء زواره إذا كان يعمل أو يستريح في بيته كما تعود مالك والشافعي.. وأثقل عليه أصحاب المسائل، وطلاب مودته، فخشي أن يفتن بنفسه، أ» يدهمه الغرور والكبر والزهو أو المراءاة وشكا همه الى الله تعالى، وتمنى عليه لو أهمل ذكره، أو ألقى به في شعب من شعاب مكة حيث لا يعرفه أحد..! ما كان للناس يتركونه ليستريح، والحياء بعد يمنعه من صدهم. ولاحظ أن في حلقاته من يكتب إجاباته وفقهه، فنهاه فما كان يحب كتابة الفقه.. وسأله سائل: لم تنهي عن كتابة الفقه وابن المبارك الذي نعرف موقعه منك كتب فقه أهل الرأي في العراق؟» أجاب: «ابن المبارك لم ينزل من السماء. وقد أمرنا أن نأخذ العلم من فوق.» (أي من القرآن والسنة). ذلك أن الإمام أحمد كان يخشى إذا دون الفقه أن تتجمد الأحكام، ويشيع التقليد فيما يأتي من العصور، والفقه ينبغي أن يتجدد بالضرورة وفق مقتضيات الزمان، يضبط هذا كله ما جاءت به نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة، فهي وحدها الجديرة بالتدوين، بوصفها المعيار الموضوعي الثابت، ووعاء الأحكام الشرعية جميعا، إما بظاهر نصوصها، أو بدلالاتها الواضحة أو الخفية، وإما بالقياس على ما في النصوص من أحكام إذا تشابهت العلل والحكم. وتعود الإمام أحمد في حلقة درسه بعد كل صلاة عصر، أن يفتي الناس وطلاب العلم عما يسألون، وأن يشغل نفسه وأهل الحلقة بما اشتعل به السلف: القرآن وتفسيره. وكان يعلمهم أن آيات القرآن يفسر بعضها بعضا، أو تفسرها الأحاديث الشريفة، وآثار الصحابة الذين تلقوا علهم من الرسول (صلى الله عليه). فموضوع الدرس إذن هو القرآن واسنة وآثار الصحابة. ثم إنه ليأخذ أهل الحلقة بإتقان اللغة العربية وآدابها وعلومها، ليسهل عليهم فهم القرآن والأحاديث.. أما سائر المعارف التي انتشرت في عصر الإمام أحمد، فما كان ليسمح بطرحها في الحلقة.. وبصفة خاصة الكلام في العقيدة.. وكان المعتزلة قد أحدثوا حركة فكرية عنيفة، وتصدوا للرد على الزنادقة والملحدين بما عرفوا من علوم المنطق والفلسفة، ثم أخذوا منه حين يطرحون هم وغيرهم من المفكرين قضايا الجبر والاختيار، والقضاء والقدر ورؤية الله، وذات الله وصفاته، ووضع القرآن: أمخلوق هو أم قديم؟ ولقد تصاول المفكرون والفقهاء من قبل حول عدد من هذه القضايا مثل الجبر والاختيار، فمنهم من ذهب إلى أن الانسان حر في حدود علم الله وتقديره. ومنهم من قال بالجبر، فالإنسان في كل افعاله مجبر فهو مسير لا اختيار له. ومنهم من أنكر هذا كله، وقال بأن الإنسان حر الاختيار، وأن حريته هي مناط التكليف واساس الحساب، فإذا لم يكن الإنسان حرا فعلام يحاسب، وفيما الثواب والعقاب؟!.. إنه لعبث إذن وهو ما يتنزه الله تعالى عنه.. ومنهم من قال إن صفات الله جزء من ذاته العلية. ومنهم من قال إن ما هو حسي من هذه الأوصاف والصفات يجب أن يؤول عن ظاهر معناه وأطالوا الحوار في اسماء الله تعالى أهي الذات أم صفات غير الذات العلية، وفي كيفية رؤيته يوم القيامة. والعلم الذي يتناول هذه الأمور جميعا يسمى بعلم الكلام.. وكان علماؤه أشداء في الجدال، متمرسون باساليب الحوار.. إلا أن الإمام أحمد بن حنبل رفض الحوار، أو التفكير في علم الكلام كله، وحث الناس على الا يتناولوا من أمور الدين إلا ما جرت عليه السنة وآثار الصحابة.. قال: «لا ارى الكلام إلا ما كان في كتاب أو سنة أو حديث عن رسول الله(صلى اله عليه) او عن أصحابه أما غير هذا فإن الكلام يه غير محمود». رفض أن يطرح في حلقته أمر من العقائد، على الرغم من أن الحياة الفكرية خارج حلقته كانت تضطرب بهذه الأفكار التي تصطرع حولها عقول المفكرين والعلماء والفقهاء. وهو صراع طرح نفسه على مجالس الخلفاء، فشجعوه وأقاموا له ندوات الحوار.. ولقد تلقى الإمام أحمد كتابا من أحد أصحابه يسأله عن مناظرة علماء الكلام، فرد عليه الإمام أحمد: «الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ.» والحق أن الإمام أحمد بن حنبل كان شديد التمسك بسيرة السلف وآثار الصحابة فيما يمس العبادات والعقائد. أما أحكام المعاملات فقد تطور بها، وتوسع فيها، ووضع لها من القواعد ما يفتح أبواب الاجتهاد للفقهاء في كل عصر كلما دعت الحاجة. فالرجوع الى الحق فضيلة وهو خير من التمادي في الباطل. من ذلك أنه أباح كتابة بعض فقهه لمصلحة رآها. وكان يغير آراءه ومواقفه، كلما تبين له وجه أصوب في الأمر. ومن ذلك أنه غير موقفه من علم الكلام.. إذ تبين له أن لا مصلحة في السكوت عن علم الكلام.. وما كان العصر ليترك مثل الإمام أحمد في صمته عما يثيره المتكلمون، فوجد أن مصلح الشريعة تقتضيه أن يقول آراءه فيما يشغل الحياة الفكرية والفقهية من حوله، فهذا اجدى على الدين من الصمت، والنهي عن الحوار أو التفكير!. فأعلن آراءه في قضايا الإيمان، والقدر، وأفعال الإنسان، وصفت الله.. ولكنه دعا عددا قليلا من خاصة العلماء والفقهاء وصفو الصحاب ليذيع فيهم هذه الآراء.. ذلك أن حلقته في الجامع كانت قد أصبحت تضم آلافا من طلاب العلم ومحبي آرائه.. وإنه ليخشى أن يتسع الحوار حول العقائد بين هذه الأعداد العديدة من الناس، فيزيغ بصر، أو يضل عقل، أو تتزل قدم بعد ثبوتها، أو يستقر خطأ ما في قلب من يؤهله علمه بعد لبحث أمور العقائد! قال الإمام أحمد في الحلقة التي يعقدها في داره: «إن الإيمان قول وعمل، وهو يزيد وينقص، زيادته إذا احسنته ونقصانه إذا اساءت. ويخرج الرجل من الإيمان الى الإسلام، فإن تاب رجع الى الايمان. ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من الفرائض جاحدا لها. فإن تركها تهاونا بها وكسلا كان في مشيئة الله. إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه» أما رأي الإمام أحمد في مرتكب الكبيرة فهو ليس كارا، ولا هو في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، وليس معفوا عنه، وإنما عليه أن يتوب، وامره الى اله.. فمن زعم أنه كافر «فقد زعم أن آدم كافر، وأن أخوة يوسف حين كذبوا أباهم كفار.».. وقال: لا يكفر أحد من أهل التوحيد وإن عمل بالكبائر. وما كان الإمام أحمد ليجهر بهذه الآراء في حلقته العامة، يسيء فهمها أحد ويجسر الناس على اقتراف الكبائر.. بل خص بآرائه أهل العلم في حلقته الخاصة في داره، حيث الجو الصالح للتفكير والحوار في أمور حرجة كتلك.. وأما عن القضاء والقدر فقد قال: «أجمع سبعون رجلا من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عنها رسول الله(صلى الله عليه) ارضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، والصبر تحت حكمه، والأخذ بما أمر اله به، وابعد عما نهى عنه، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.» وقال: «الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس كلما ازداد نظرا ازداد حيرة.» أما عن صفت الله وأسمائه مما جاء في القرآن أو السنة، فيرى الإمام أحمد روايتها واتباعها كما جاءت، فلا نقحم عيها ما لا يصلح لضبطها وهو العقل.. فهي أمور اعتقادية ينبغي على المؤمن أن يسلم بها كما هي.. وكذلك رؤية الله تعالى يوم القيامة، يجب فيها أن نؤمن بما جاء في الأحاديث الشريفة، وقد رأى الرسول ربه، ويجب أن نفهم الأحاديث بظاهرها. على أن الإمام أحمد يرى في انشغال الفكر بهذه الأمور ترفا يصلح أن يتلهى به الخلفاء والأغنياء في قصورهم! هو ترف يصلح للذين لا يعنيهم العدل، وقد تؤذيهم إقامته. والانشغال بهذا الجدل هو بعد إقصاء للفكر عن شؤون الحياة ومجافاة لمقاصد الشريعة التي تتوخى مصالح العباد.. فالفقيه الحق الفاضل يجب أن يشغل من أمور الدين بما يقيم المجتمع الفاضل الذي أراده الشارع الحكيم أي بما يحقق مصالح الناس. وإذن فينبغي الا يشغل الفقيه التقي إلا بما يفيد الناس في حياة كل يوم.. إلا بما تحته نفع كما قال الإمام مالك بن أنس من قبل، وكما صنع الأئمة العظام أبو حنيفة والليث بن سعد وابن المبارك والشافعي. أما ما يعنيه الخلفاء والأمراء والأغنياء من شغل العلماء والفقهاء والمفكرين بغير واقع حياة الناس وصرفهم الى التصارع العقلي في المتاهات، فهذا كله لا جدوى منه، وهو استدراج لهم لينشلوا عن مصالح الأمة، وعن استنباط الأحكام والضوابط التي تكفل هذه المصالح، ليخلص الخلفاء والأمراء الى ما هم فيه من ترف وظلم واستبداد؟! وليظل في الرعية من يبحث عن الطعام وسط المزابل، والرعاة متخمون!! هكذا كان الإمام أحمد ينظر الى اشتجار الخلاف من حوله في أمور العقائد والى انشغال الفكر بها، وحرص الخلفاء والأمراء على تشجيع الانصراف إليها.. لكأن ولاة الأمور لا يريدون للفقه أن يعنى بأحوال الرعية، وأن يقيم العدل وأن يضع الميزان.. إن هؤلاء الحاكمين ليشجعون الزهاد على تمجيد الفقر، والانصراف عن هموم الحياة، وكأن الإسلام دعوة الى الفقر!.. ثم إنهم في الوقت نفسه يحضون أهل الفقه والعلم والفكر على الانصراف عن الواقع في ما وراء الواقع.. عن الحياة الى ما قبل الحياة وما بعد الحياة.. فمن بعد ذلك يحاسب الحكام على ما يفعلوه للرعية، وعلى ما يقترفون!!؟ ومن ذا الذي يدافع عن العدل والحق ومصالح الناس؟!! ما كان للفقهاء الابرار الذين وقفوا جهودهم على خدمة الشريعة أن يقعوا في الفخاخ!! وهكذا جعل الإمام أحمد كل همه الى ما يفيد الناس. وفي الحق أن الإمام أحمد بن حنبل لم يهاجم ظلم الحاكم علنا، كما فعل من قبله أبو حنيفة الذي حرض صراحة على الثورة، ولكن آراء الإمام أحمد عن العدل وعن الأسوة الحسنة، وعن حقوق ذوي الحاجة، ثم فتاواه.. كل أولئك قد أوغر ضده الصدور. وكان استنباطه للأحكام والفتاوي يعتمد على نصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة وآثارهم، ثم القياس. قال أحمد عن القياس: «سألت الشافعي عن القياس فقال يصار إليه عند الضرورة». وهذا هو ما فعله أحمد، فهو لا يلجأ الى القياس إلا إذا لم يجد حكما في نص القرآن أو السنة أو أقوال السلف، والسلف عنده هم الصحابة والتابعون. فإذا اختلفت أقوال الصحابة اختار أقربها الى نصوص القرآن والسنة. وإذا اختلفت أقوال التابعين اختار منها ما هو أقرب الى القرآن والسنة أو ما وافق قول الصحابة مجتمعين او اقرب أقوالهم الى النصوص. وهو على خلاف من سبقوه، يقدم الحديث الضعيف على القياس.. ما دام الحديث قد صح عنده وتأكد أنه غير موضوع.. أما الإجماع فهو يرى أنه لم ينعقد بعد الصحابة.. وقال في ذلك: «ما يدعي الرجل فيه الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا.. ما يدريه؟ فليقل لا نعلم مخالفا». وقال: «قد كذب من ادعى الإجماع». أما الصحابة فهم معروفون بأسمائهم، والعلم بإجماعهم وخلافهم مسيور. والإمام أحمد يلحق إجمال الصحابة بالسنة، لأنهم لا يجمون إلا على ما علموه علم اليقين عن الرسول (صلى الله عليه) إما رواية عنه، أو اجتهادا منهم أقربهم عليه.. فالإمام أحمد لا ينكر الإجماع بعد الصحابة ولكنه لا يتصور حدوثه.. ولهذا اعتمد على القياس بعد النصوص وآثار الصحابة.. على أنه إذ يعتمد القياس أصلا من أصول فقهه، إنما يفعل ذلك اتباعا للسنة والسلف الصالح.. ويقول: «القياس لا يستغنى، الرسول (صلى الله عليه) أخذ به، وأخذ به الصحابة من بعده.» ويتسع القياس عن الإمام أحمد أكثر مما يتسع عند غيره من الأئمة، فالقياس عند الإمام أبي حنيفة شيخ فقهاء الرأي وشيخ القياسيين هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر منصوص على حكمه لاتحاد العلة أو تشابهها. وعلى هذا سار الفقهاء الآخرون حتى الشافعي. أما الإمام أحمد فلم يقتصر في القياس على علة الحكم وحدها، بل التفت الى الحكمة. وعلة الحكم هي سببه، أم الحكمة فهي هدفه.. وهي المصلحة التي يريد تحقيقها والمضرة التي يريد تجنبها فعلة الحكم بإفطار المسافر هي السفر، أما الحكم فهي حظ النفس ودفع المشقة.. وأخذا بالحكمة يباح إفطار من كان في عمله مشقة بحيث إذا صام لم يتمكن من العمل.. وعلى هذا النحو من التوسع في القياس الأخذ بالقياس الظاهر والخفي، وبمراعاة الحكمة الى جوار العلة، أدخل الإمام أحمد في أقيسته الأخذ بالمصالح، وهي التي لم يقم على تحريمها أو إباحتها. والإمام أحمد يأخذ بها قياسا على ورح الشريعة المستوحاة من نصوص الكتاب والسنة، وإن لم تكن قياسا على نص خاص. ثم إنه أخذ بالاستحسان وهو الحكم في مسألة بغير ما حكم به في نظيرها، رعاية للمصلحة، على خلاف أستاذه الشافعي الذي قال: «الاستحسان تلذذ». وأخذ الإمام أحمد بالاستصحاب وهو مصاحب الواقع، فما ثبت في الماضي ثابت في الحاضر والمستقبل وقطعا ما لم يوجد ما يغيره دليل.. فما هو مباح يظل مباحا حتى يقوم دليل على الحظر. كما أخذ بالذرائع وهي الطرق والوسائل المؤدية الى الفعل وتوسع فيها كما لم يتوسع إمام من قبله. فهو يرى أن الطرق لتحقيق المقاصد تابعة لها، فوسائل المحرمات محرمة ووسائل المباحات مباحة كما قال ابن القيم أحد شراحه. والاطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة اليه، وإلا فسد عليهم مايرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة التي هي أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟.. ومن تأمل مصادر الشريعة ومواردها، علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية الى المحارم بأن حرمها ونهى عنها».. من أجل ذلك اهتم الإمام أحمد بالباعث على الفعل، وبنتيجة الفعل.. فمن اراد أن يقتل رجلا بسهم ولكنه أخطأه واصاب حية كانت تريد أن تلدغ خصمه فهو آثم عند الله. لأن الباعث على فعله كان شرا وهو نية القتل.. ومن سب آلهة الوثنيين، وكانت نتيجة فعله أن سبوا هم الله ورسوله.. فهو آثم. لأن سبهم الله ورسوله نتيجة لسبه آلهة الوثنيين. ومهما يكن اعتبار الإمام للذرائع والاستحسان والاستصحاب والمصالح: أأصول مستقلة هي، أم تدخل في باب القياس، فإن اعتماد أحمد على هذه الضوابط قد وسع فقهه، وجعله خصبا، غنيا، متحررا، متجددا أبدا، قادر على مواجهة كل ما تطرحه الحياة على عقول المجتهدين والقضاة، حريصا على مصالح العباد. ويبدو هذا في فروع الإمام أحمد وإجاباته على كثير من المسائل.. وفي كل ما عرف عنه من فتاوي وأحكام.. وآراء الإمام أحمد كانت في أكثرها إجابات عن مسائل، وهي إجابات كان فيها متبعا السنة وفتاوي الصحابة.. والسنة عنده تبيان للقرآن. وفي مسائل عديدة لم يجب الإمام أحمد، لأنه لم يجد النص الذي يهتدي به، ولكنه لم يكن يسكت، بل يقول فيها كل أوجه الرأي. على أنه كان أحيانا يقول: «لا أري.. سل غيري». وقد ذكروا أمامه أن ابن المبارك سئل عن رجل رمى طيرا فوقع في أرض غيره لمن الصيد لصاحب الارض أو للرامي؟ فقال ابن المبارك: «لا أدري». وسئل الإمام أحمد عن رأيه في هذه المسألة: «فأجاب هذه دقيقة.. وما أري فيها». وسأله رجل: حلفت بيمين ما أري أي شيء هو، فقال: ليت أنك إذا دريت أنت دريت أنا. وفي اتباع الإمام أحمد للسنة وآثار السلف قال: «ما أجبت في مسالة إلا بحديث من رسول الله(صلى الله عليه) إذا وجدت السبيل إليه، أو عن الصحابة أو التابعين. فإذا وجدت عند رسول الله(صلى الله عليه) لم أعدل به الى غيره. فإذا لم أجد فمن الخلفاء الأربعة الراشدين، فإذا لم أجد فمن أصحاب رسول الله(صلى اله عليه): الأكابر فالأكابر. إن لم أجد فمن التابعين ومن تابعي التابعين. وما بلغني عمل له ثواب إلا عملت به رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة.» من أجل ذلك ظل إلى آخر حياته يبحث عن الأحايث والآثار الصحاح من فتاوي الصحابة وأقضيتهم، حتى أحاديث الآحاد، والأحاديث الضعاف، إن ثبت عنده أنها صحيحة غير موضوعة.. والضعاف من الأحاديث في عرف ذلك الزمان، غيرها في عرف أه هذا الزمان. فقد كانت الأحاديث في عصره إما صحاح أو ضعاف.. فقد نفهم نحن أن الضعيف من الحديث هو المكذوب غير الصحيح أو المختلق، أما في عرف السلف فهو الحديث الذي ليس له سند قوي، ومنه الحديث الحسن!.. كان الإمام أحمد إذا لم يجد ما يريد في الحديث، يلجأ الى القياس الذي يصار إليه عند الضرورة مع توسعه فيفهم القياس وتطبيقه. فأخذ بالمصلحة قياسا على مقاصد النصوص وروحها، لا على نص بالذات، وتحرى حكمة النص بدلا من علته فحسب، أو لجا الى الاستحسان، وما الى ذلك من أصول.. وقد سمعه بعض الناس يجادل فقيها آخر في بيته ويقول له: «إيش (أي شيء) أنتم؟ لا الى الحديث تذهبون ولا الى القياس ولا الى استحسان. ما أري إيش أنتم؟» أعمل الإمام أحمد فكره فاستنبط الأحكام من النصوص والآثار، وعن طريق القياس بمعناه الواسع فحوى المصالح والذرائع والاستصحاب.. ولجأ الى الاستحسان. وفي الحق أنه كان متشددا في كل ما يتعلق بالعبادات والحدود التي هي قوام الدين، لأنه رأى البدع تسو والناس يترخصون، ويخرجون عن الدين، أما في المعاملات فقد اتخذ فيها مذهبا متحررا ميسرا، لأنه رأى أن الذين يستغلون الناس يضيقون عليهم باسم الدين، ورأى من الزهاد الذين يلبسون الصوف ويسمون أنسهم بالصوفية، والفقراء، من يزين للناس ترك السعي، وحب الفقر، والرضا بالظلم والقعود عن طلب العدل.. وإجابات الإمام أحمد عن المسائل، وفتاواه يظهر فيه تشدده في العبادات والحدود، وتيسيره في المعاملات. من ذلك أنه عندما فشت الفاحشة في عصره، وشاع الشذوذ الجنسي حتى أصبح أهل الشذوذ يجهرون ويتبجحون، وأصبح لهم شأن في الدولة نشر الإمام أحمد أن الصديق ابا بكر أمر بإحراق أهل الشذوذ، عندما ارسل اليه خالد بن الوليد أنه بعد أن فتح الشام وجد فيها أهل قرية يتقرفون هذا المنكر، فأشار عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، بإحراقهم أسوة بقوم لوط. ومن ذلك أنه رأى الولاة يتقبلون الهدايا، روى أن الرسول (صلى الله عليه) جاءه أحد عماله يحمل مالا كثيرا فاحتجز نصف المال وقال إنه له فقد أهدي اليه، فغضب الرسول (صلى الله عليه) وأخذ المال كله للمسلمين، وحذرهم أن يقبل أّد مهم هدية إن تولى أمرا من أمور المسلمين وتساءل الرسول إن جلس أحدهم في بيت أبيه وأمه أكان يهدى إليه، أم أنه يهدى لأنه تولى أمرا؟ فإن استحل مالا بهذه الطريقة فقد استحق النار..! وتأسيسا على هذا الأثر أفتى الإمام أحمد أنه لا يحق للقاضي أن يقبل هدية، ولا أي مستخدم في الدولة، ولا لمن يسعى في مصلحة لغيره عند السلطان أو أولي الأمر. وافتى بان من زاد ماله وهو يلي منصبا، وجب على السلطان أن يأخذ نصف ماله فيرده على المسلمين. ومن ذلك أن الإمام أحمد رأى الناس قد قست قلوبهم، فافتى بأنه لا يحق لأحد أن يحمل حيوانا فوق طاقته، وأن الكلب إذا حضر طعام أحد، فعليه أن يلقي الكلب بشيء منه، وكان الناس قد فهموا منه أن ظل الكلب نجس، فسخر به بعض حساده، وما كان قد قال هذا قط، ولكنه أزرى بالأثرياء وأنكر عليهم أن يطعموا كلبهم أفخر الطعام، وفي الأمة من لا يجد طعامه إلا في المزابل، وقد لايجده حتى في المزابل!! من أجل ذلك شهروا به! على أن الإمام أحمد نفسه جلس مرة يأكل رغيفا وما لديه طعام غيره، فجاء كلب فبصبص بذنبه.. فالقى إليه الأمام أحمد باللقمة بع اللقمة حتى تقاسما الرغيف!!.. والإمام أحمد يرى في سؤر الكلب نجاسة، على غير ما رآه الإمام مالك الذي اعتمد على آية تحل أكل ما يصيده الكلب، فقال: «أحل لنا صيده فكيف يحرم سؤره؟».. ولكن من رأي الإمام أحمد كرأي غيره من الفقهاء والأئمة إلا الإمام مالك بن أنس أن الكلب إذا لعق الإناء وجب غسله بماء طاهر، سبع مرات عن بعض الائمة، وحتى يطهر عند أحمد وإن بلغت ثماني مرات أولها بالتراب عند الجميع. ولم يجز أحمد قتل الطير إلا لمصلحة أو لحاجة، ولا دودة القز إلا لاستخراج الحرير. واعتمد الإمام أحمد في هذا على الحديث الذي يحرم قتل العصفور إلا لمصلحة أو لحاجة. ومن ذلك أن الشرط في العقد الصحيح ما لم يخالف القرآن والسنة، وما لم يحلل حراما أو يحرم حلالا. وإذن فللزوجة أن تشترط على زوجها ألا يتزوج غيره. فإن خالف الشرط فسخ العقد ووقع الطلاق. ولها أن تشترط عليه ألا يسافر معها. ومن ذلك أنه إذا هلك أحد من العطش أو الجوع في بلاد المسلمين، كل أثرياء المسلمين آثمون، وعليهم الدية، وولي الأمر مسؤول وعليه الدية.. وهي دية المقتول عمدا.. نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فمن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا. * من تسبب في القتل قاتل وإن لم يقتل بيده، وإن لم يقصد اقتل.. وقد أخذ هذا الحكم من قضاء للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. فقد أدخلت فتاة في ليلة زفافها الى بيتها شابا كانت تعشقه وأخفته، واكتشفه الزوج فقتله، فحكم الإمام على الزوجة الخائنة بالقتل، وعفا عن الزوج لأنه يدافع عن عرضه. * ومن ذلك أن النية هي التي تكيف العقد وعلى هذا فزواج المحلل باطل. * يجب نفي أهل الدعارة والمجون والفسق الى مكان يؤمن فيهم شرهم. * القاعدون عن طلب الرزق اكتفاء بالعبادة، يجب إجبارهم على العمل، لأنهم ياكلون أموال الناس بالباطل، وطلب الزهد فرارا من المشقة إثم، وترك المكاسب مع الحاجة إليها كسل. * إذا حكم للمدعي بيمينه بشهادة شاه واحد، ثم ثبت كذب الشاهد، فعليه الغرم كله، أي رد ما دفع للمدعي بغير حق، فإن كانا شاهدين تقاسما الغرم. * لا يجوز الشراء ممن يرخص السلع لينزل الضرر بجاره، وعلى السلطان ان يمنعه من البيع. كذلك يطرد السلطان من السوق كل تاجر يرفع السعر ويضارب فيه.. فإذا تعدد التجار، وجب اقتلاعهم من السوق ومنعهم من التجارة. * تمنع المضاربة على السعر نزولا أو صعودا لمن لا يريد أن يشتري. * لا احتكار.. فالمحتكر ملعون. * يمنع كل بيع فيه شبهة ربا، كالبيع للمدين، كمغالاة بعض التجار في الربح فهو ربا، وتحل مصادرة هذا المال، ورده بيت المال ومنع مقترف هذا العمل من الإتجار. * أعمال السمسرة غير جائزة. والسلطان مسؤول عن مطاردة السماسرة ورد أموالهم الى المسلمين لأنه مكسب على حساب الغير بغير عمل ففيه شبهة بالقمار. وما كان الإمام ليحرم أو يحلل صراحة بل كان يتورع عن هذا كغيره من الأئمة السابقين.. ويكتفي بأن يقول «أكره أو أحب» من ذلك أنه سئل عن بيع الماء فقال: «اكرهه».. وهو يريد أنه حرام.. وسئل عن الخمر يستعمل كالخل فقال: لا يعجبني.. * ومن ذلك جواز تحويل الدين وهو استيفاء للحق.. وهي ما تسمى حوالة الحقوق.. * ومن ذلك أن الأصل في الأشياء الإباحة، فكل تصرف مباح حتى يثبت دليل المنع. * ومن ذلك: إذا شك المطلق أنه طلق واحدة أو ثلاثا.. فهي طلقة واحدة لأن الحلال ثابت بالعقد فلا يزول بالشك. * جواز إجبار المالك على أن يسكن في بيته من لا مأوى له، بأجر المثل، إذا كان في بيته فراغ لا يحتاج إليه. والحكم ينطبق على صاحب الخان (الفندق). * يجبر أصحاب السلع على بيعها بسعر المثل فإذا امتنعوا، رفعهم السلطان من السوق وصادر أموالهم ورد نصفها الى بيت المال. * ومن امتنع عن أداء الزكاة، أو ماطل، أو لم يؤدها كاملة أخذت منه قسرا، وصودر ماله ورد نصفه الى بيت المال. * يمنع تلقي السلع قبل نزولها في الأسواق، لكيلا يتحكم تاجر أو عدد من التجار في السعر. * من وقع في معصية وعاجل بالتوبة حال تلبسه بها أو بعدها فهو معفو عنه. كمن يغتصب عقارا ثم يقدم ويعترف ويخرج من العقار فهون في حال توبة، فيعفى عنه. وكان قد صح للإمام أحمد من السنة والآثار عن الشروط في العقود ما لم يبلغ غيره من الأئمة من قبل. ولذلك خالفهم جميعا في الشروط، فأجاز كل شرط في العقد مالم يحرم حلالا أو يحلل حراما.. وتوسع الإمام أحمد في ذلك حتى أجاز شرط الخيار في عقد الزواج. بحيث يكون لأحد الطرفين حق الفسخ بعد مدة معينة فإذا مضت المدة ولم يفسخ، استمر العقد.. وفي رأيه أنه لا دليل من الشرع يمنع هذا الشرط، ثم إن حق الفسخ يمنع الخديعة. فإذا خالف الزوج الشرط فسخ العقد، وبمقتضى رأيه في الشروط أجاز للبائع أن يبيع ويحتفظ بحق الانتفاع مدة معينة، فله أن يشترط الإقامة بسكنه الذي يبيعه مدة معينة. وأجاز اشتراط البائع على المشتري أنه إذا اراد بيعه فهو للبائع بثمنه الذي تقاضاه من قبل. وأجاز أشتراط البائع على المشتري أنه إذا اراد بيعه فهو للبائع بثمنه الذي تقاضاه من قبل. وأجاز أن يشترط البائع على المشتري وجوه استعمال موضوع البيع. فقد سئل عن رجل اشترى جارية فاشترط البائع عليه ألا يستخدمها إلا في التسري فحسب، فلا تخدم ولا تقوم بعمل آخر، فقال أحمد: «لا بأس». * جواز البيع من غير تحديد الثمن، إذا اتفق المتعاقدان على سعر السوق عند التسليم دون مساومة. ويسمى بقطع السعر. وما في الكتاب ولا في السنة ولا في آثار لصحابة ما يحرم هذا، فهو على قاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة. * يجب التشدد في الطهارة.. فالمضمضمة والإستنشاق من فرائض الوضوء وهي عند غيره من الأئمة سنة. * من ولي مرا من أمور المسلمين فاحتجب عنهم في داره جاز حرقه.. فقد احتجب سعد بن أبي وقاص وراء الباب عن الناس في قصره وهو أمير الكوفة، فارسل اليه الخليفة عمر بن الخطاب من أحرق عليه قصره. * للمار بثمر غيره أن يأكل حتى يشبع ما لم يكن على الثمر سور أو حارس.. ولكن لا يجوز للمار أن يحمل من الثمر. * للرجل ان يشهد على امرأته بالزنا ويقسم اليمين دون حاجة الى أربعة شهداء، إذا رأى رجلا يعرف بالفجور يدخل اليها ويخرج. وتعاقب الزوجة بحد الزنا. * للمرأة إذا تزوج عليها زوجها أن تطالبه بمؤخر صداقها وإن لم تطلق. * البينة التي تثبت الحق لصاحبه ليست محصورة في أشكال او صيغ، بل هي كل ما يبين به الحق من الأمارات والأدلة، فلو تنازع الساكن ومالك المسكن على شيء نفيس مخبأ في المسكن، فالشيء لمن وصفه منهما وصفا دقيقا منضبطا، وإن حلف الآخر وجاء بالشهود. * لا يتحقق السجود في الصلاة إلا بأن تمس الأنف الأرض، وذلك من تمام شعور العابد بالعبودية (والأرض هي ما يصلي عليه العابد مجردة أو مفروشة). * تغسل النجاسة بماء طاهر حتى يزول كل آثارها، وأقل ما تغسل به النجاسة سبع مرات. وإذا شك المتوضىء في طهارة الماء، تركه وتيمم. * السنة في الصلاة أن يخفف الإمام ففلا يطيل رعاية لحال المأمومين، وتكره إمامة من لا يرضى عنه أكثر المصلين. * الأذان في الصلاة يجب أن يكون باللغة العربية (وقد أجاز غيره من الفقهاء أن يكون بغيرها). وكذلك الصلاة. * السنة في الصيام هي الفطر في السفر. والفطر في الغزو أحرى. وقد خرج الرسول (صلى اله عليه) للفتح في رمضان، فأفطر بعد صلاة العصر، وشرب على راحلته ليراه الناس وقال: «تقووا لأعدائكم».. * طاعة الوالدين فريضة، وهي جزء من الإيمان، وقد جعلها اله بعد التوحيد، (وقضى ربك إلا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) فمعصية الوالدين أو الإساءة إليهما كالشرك به تعالى، بهذا نزل القرآن وعليه نصت الأحاديث الشريفة ورعاية الأم أولى كما جاء في الحديث. وقد سمع الرسول (صلى الله عليه) قصة زاهد شغلته العبادة عن الرد على أمه وكانت في حاجة إليه، فاصابها اذى، فعقب الرسول على سلوك العابد بأنه لو خرج من صلاته، وأجاب أمه، لكان أحب الى الله تعالى وأقرب. وقد روى الإمام أحمد عن الصحابة والتابعين أنه إذا استأذن ولد والدته للخروج مجاهدا في سبيل اله، فأذنت له، وعلم أن هواها في المقام، فليقم. وقال الإمام أحمد لطالب في حلقته تريده أمه على التجارة، وهو يريد العلم: «دارها وارضها ولا تدع الطلب.» * يجوز للأب أن يفضل أحد ولده بالهبة إذا كان هذا الولد في حاجة بسبب العجز عن الكسب لانقطاعه للعلم، أو لعاهة به، أو لكثرة عياله. * الأحكام يجب أن توق بين الظاهر والباطن، فيؤخذ بالظاهر إذا كان الحال في غنى عن البينة لأن الأمارات القوية تؤيده أو كان بينة في ذاته. كأن يظهر الحمل على امرأة ليس لها زوج، أو كأن يشاهد رجل يجري وفي يده عمامة، وعلى رأسه عمامة أخرى، يطارده رجل آخر بلا عمامة! * لا يؤخذ بالظاهر على إطلاقه، قد يثبت أنه يجافي الحقيقة. فقد حدث أن جاءت امرأة تخاصم زوجها، فارسلت عينيها وبكت، قال أحد القوم: «مهلا» فإن أخوة يوسف (جاءوا أباهم عشاء يبكون). وحدث في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أمرأة بالمدينة أحبت شابا من الأنصار، ولكنه لم يطعها فيما تريد، فجاءت ببيضة وألقت صفرتها، وسكبت البياض على فخذيها وثوبها، ثم جاءت الى الخليفة عمر صارخة فقالت: «إن ببدنها وثوبها آثار الرجل». فهم بعقوبة الشاب، فأخذ يستغيث ويقول: «يا أمير المؤمنين تثبت في أمري. فواله ما أتيت فاحشة ولا هممت بها، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت». فنظر عمر الى علي بن أبي طالب كرم اله وجهه وقال: «يا ابا الحسن ما ترى في أمرها.» فنظر علي إلى ما على الثوب، ودعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجمد البياض، وظهرت رائحة البيض، فزجر الخليفة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه المرأة اعترفت، وعاقبها. ومن رأي الإمام أحمد أنه لا يؤخذ بالظاهر على "طلاقه حتى إذا اعترف المذنب. وقد روى انه حدث في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اله عنه، أن أتي برجل وجد في خربة بيده سكين ملطخ بالدم وبين يديه قتيل يتشحط في دمه. فسأله أمير المؤمنين فقال: «أنا قتلته.» فقال: «اذهبوا به فاقتلوه.» فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعا، فقال: «يا قوم لا تعجلوا، ردوه الى علي». فردوه. فقال الرجل: «يا أمير المؤمنين، ما هذا صاحبه، أنا قتلته» فقال علي للأول: «ما حملك على أن قلت أنا قاتله ولم تقتله؟». قال: «يا أمير المؤمنين، وما استطيع أن أصنع، وقد وقف العسس على الرجل يتشحط في دمه، وأن واقف، وفي يدي سكين وفيها أثر الدم وقد أخذت في خربة؟ فخفت لا يقبل مني، فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي لله.» فقال علي: «بئس ما صنعت! فكيف كان حديثك؟». فقال الرجل إنه قصاب ذبح بقر وسلخها، وأخذه البول فأسرع الى الخربة يقضي حاجته والسكين بيده، فرأى القتيل فوقف ينظر اليه فإذا بالشرطة تمسك به. وأما القاتل فاعترف بأن الشيطان زين له أن يذبح القتيل ليسرقه ثم سمع خطو أقدام فاختفى في الظلام، حتى دخل القصاب فأدركه العسس فأمسكوا به. ولما رأى الخليفة امر بقتل القصاب، خشي أن يبوء بدمه فاعترف. وأخلى علي سبيل القاتل لأنه إن كان قد قتل نفسا، فقد أحيا نفسا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.» وأخرج الدية من بيت المال. وكان الإمام يستشهد في أحكامه بالأخبار والقصص، ففيها عبرة لأولي الألباب كما قال الله تعالى. وكان يطلب من تلاميذه أن يكثروا من قراءة اقصص ليعتبروا. ومما رواه من قصص تؤيد رأيه في عدم الأخذ بالظاهر على إطلاقه، أن امرأة في عهد الرسول (صلى الله عليه) اغتصبها رجل وهي في الطريق الى المسجد لصلاة الفجر، استغاثت برجل مر عليها، وفر المغتصب، ومر نفر وهي ما تزال تصرخ فأدركوا الرجل الذي كانت قد استغاثت به، فأخذوه وجاءوا به إليها، فقال الرجل: «أنا الذي أغثتك وقد فر الآخر» فأتوا به رسول الله(صلى الله عليه) أخبرته أنه وقع عليها وشهد عليه القوم. فقال: «إنما كنت أغيثها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني». فقالت: «كذب. هو الذي وقع علي». فقال رسول الله: «انطلقوا به فارجموه.» فقام رجل فقال: «لا ترجموه وارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل». فقال القوم: «يا رسول الله أرجمه» فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل الله منهم». * يفضل الإمام أحمد للمسلمين أن يغزوا تحت قيادة القوي وإن كان فاجرا، على الضعيف وإن كان صالحا ويقول: «أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره لنفسه. وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين. فيغزي مع القوي الفاجر جلبا للمصلحة العامة. * لا يحبس المدين في دين. فلم يحبس رسول الله(صلى الله عليه) رجلا في دين قط، ولا الخلفاء الراشدون من بعده، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الحبس في الدين ظلم». وكذلك لا يحبس الزوج في مؤخر الصداق ولم يحبس الرسول ولا أحد من الخفاء الراشدين زوجا في مؤخر صداق أصلا. ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه) ولا من بعده لامرأة بصداقها المؤخر، إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقها، كما جاء في رسالة الليث الى مالك. فالأمة مجمعة على أن المرأة لا تطالب به قبل أجله بل هو كسائر الديون المؤجلة فليس لها حق فيه إلا بالموت أو الطلاق أو الزواج بغيرها.. ولا تقوم مصلحة الناس إلا بهذا. ويضيف الإمام أحمد في ذلك: «من حين سلط النساء على المطالبة بالصدقات المؤخرة (أي مؤخر الصداق)، وحبس الأزواج عليها، حث من الشرور والمفاسد ما الله به عليم وصارت المرأة إذا أحست من زوجها بصيانتها في البيت، ومنعها من البروز والخروج من منزله والذهاب حيث شاءت، تدعي بصداقها وتحبس الزوج عليه، وتنطلق حيث شاءت. فيبيت الزوج ويظل يتلوى في الحبس، وتبيت المرأة فيما تبيت فيه»..! * كل أنواع المعاملات مباح إلا ما يحظره نص أو القياس على نص. وكل العقود واجبة الوفاء إلا إذا قام دليل شرعي على المنع. وكل ما احتاج إليه الناس في معايشهم ولم يكن سببه معصية لم يحرم عليهم، لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد. ولا يشترط لانعقاد العقد أي شكل أو صيغة بل ينعقد بالنية والإفصاح عنها. وبعض العقود لا يثبت إلا بالكتابة. وقد ينعقد العقد بممارسة الفعل أو بما يقتضيه العرف كالعقد مع صاحب الخان (الفندق) أو صاحب الحمام، ينعقد بدخول المكان ورضا صاحبه. وأكثر تصرفات التجارة قائم على العرف. ولكن النية والقبول يجب ألا يعيب أيهما شيء، فاساس المعاملات الرضا، وكل ما يشوب الرضا يفسد التعاقد إكراها كان أم خديعة أم غشا أم تدليسا أم غبنا. وقد حدث في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن تزوج شيخ كبير يخضب بالسواد بفتاة شابة حسناء وبعد حين ظهر البياض على شعر الزوج ولحيته، فكرهته العروس وقالت إنها خدعت بشبابه.. وما هو بشاب. وشكاه أهلها الى عمر قائلين: «حسبناه شابا». فضربه عمر ضربا موجعا وقال له: «غرت بالقوم». وفرق بينهما. * الغاية ترتبط بالوسيلة المؤدية إليها، وترتبط المقدمة بالنتيجة، فما هو سبيل الى المباح مباح، وما هو وسيلة الى المحظور محظور، وإذا فسدت إحداهما فسدت الأخرى، فإثبات الحق مباح بل هو مطلوب، على ألا تكون الوسيلة محظورة كشهادة الزور. وتستثنى من القاعدة حالات الضرورة أو الحاجة.. فيجوز للطبيب الاطلاع على عورة المريضة لعلاجها وإنقاذ حياتها. * من الواجب توفير كل ما فيه صلاح الناس، وفتح الطريق للتوبة وإصلاح ذات البين وصيانة كيان الأسرة. وروى أحمد: «جاءت الى علي بن أبي طالب امرأة فقالت: «إن زوجي وقع على جاريتي بغير أمري». قال للرجل: «ما تقول؟». قال: «ما وقت عليها إلا بأمرها». فقال: «إن كنت صادقة رجمته (بالزنا) وإن كنت كاذبة جلدتك الحد (للقذف). و«أقيمت الصلاة فقام أمير المؤمنين علي يصلي. وفكرت امرأة فلم تر لها فرجا في أن يرجم زوجها، ولا في أن تجلد ولت هاربة. ولم يسأل عنها أمير المؤمنين». وقد قيل للإمام أحمد «فلان يشرب». فقال: «هو أعلمكم شرب أم لم يشرب». وقال عن جماعة من العلماء يشربون النبيذ: «تلك سقطاتها لكنها لا تذهب حسناتهم». * على القادر أن ينفق على كل ذوي الأرحام الفقر يتصفح الموقع حالياً ( 20 ) زائر من الدول : الكويت ( 1 ) السويد ( 2 ) الإمارات ( 1 ) ناميبيا ( 1 ) السودان ( 1 ) السعودية ( 5 ) الأردن ( 1 ) تونس ( 1 ) فلسطين ( 1 ) مصر ( 3 ) الجزائر ( 1 ) ألمانيا ( 2 ) جميع الحقوق محفوظة لشبكة أرض الشرق Ardalsharq.com 2000-2003 webmaster@ardalsharq.com Tel: 20124501559

الجمعة، 22 يونيو 2012

إبراهيم عليه السلام3


إبراهيم عليه السلام هجرة إبراهيم عليه السلام: انطلقت شهرة إبراهيم في المملكة كلها. تحدث الناس عن معجزته ونجاته من النار، وتحدث الناس عن موقفه مع الملك وكيف أخرس الملك فلم يعرف ماذا يقول. واستمر إبراهيم في دعوته لله تعالى. بذل جهده ليهدي قومه، حاول إقناعهم بكل الوسائل، ورغم حبه لهم وحرصه عليهم فقد غضب قومه وهجروه، ولم يؤمن معه من قومه سوى امرأة ورجل واحد. امرأة تسمى سارة، وقد صارت فيما بعد زوجته، ورجل هو لوط، وقد صار نبيا فيما بعد. وحين أدرك إبراهيم أن أحدا لن يؤمن بدعوته. قرر الهجرة. قبل أن يهاجر، دعا والده للإيمان، ثم تبين لإبراهيم أن والده عدو لله، وأنه لا ينوي الإيمان، فتبرأ منه وقطع علاقته به. للمرة الثانية في قصص الأنبياء نصادف هذه المفاجأة. في قصة نوح كان الأب نبيا والابن كافرا، وفي قصة إبراهيم كان الأب كافرا والابن نبيا، وفي القصتين نرى المؤمن يعلن براءته من عدو الله رغم كونه ابنه أو والده، وكأن الله يفهمنا من خلال القصة أن العلاقة الوحيدة التي ينبغي أن تقوم عليها الروابط بين الناس، هي علاقة الإيمان لا علاقة الميلاد والدم. خرج إبراهيم عليه السلام من بلده وبدأ هجرته. سافر إلى مدينة تدعى أور. ومدينة تسمى حاران. ثم رحل إلى فلسطين ومعه زوجته، المرأة الوحيدة التي آمنت به. وصحب معه لوطا.. الرجل الوحيد الذي آمن به. بعد فلسطين ذهب إبراهيم إلى مصر. وطوال هذا الوقت وخلال هذه الرحلات كلها، كان يدعو الناس إلى عبادة الله، ويحارب في سبيله، ويخدم الضعفاء والفقراء، ويعدل بين الناس، ويهديهم إلى الحقيقة والحق. وتأتي بعض الروايات لتبين قصة إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة وموقفهما مع ملك مصر. فتقول: وصلت الأخبار لملك مصر بوصول رجل لمصر معه أمرأة هي أجمل نساء الأرض. فطمع بها. وأرسل جنوده ليأتونه بهذه المرأة. وأمرهم بأن يسألوا عن الرجل الذي معها، فإن كان زوجها فليقتلوه. فجاء الوحي لإبراهيم عليه السلام بذلك. فقال إبراهيم -عليه السلام- لسارة إن سألوك عني فأنت أختي -أي أخته في الله-، وقال لها ما على هذه الأرض مؤمن غيري وغيرك -فكل أهل مصر كفرة، ليس فيها موحد لله عز وجل. فجاء الجنود وسألوا إبراهيم: ما تكون هذه منك؟ قال: أختي. لنقف هنا قليلا.. قال إبراهيم حينما قال لقومه (إني سقيم) و (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوه) و (هي أختي). كلها كلمات تحتمل التاويل. لكن مع هذا كان إبراهيم عليه السلام خائفا جدا من حسابه على هذه الكلمات يوم القايمة. فعندما يذهب البشر له يوقم القيامة ليدعوا الله أن يبدأ الحساب يقول لهم لا إني كذب على ربي ثلاث مرات. ونجد أن البشر الآن يكذبون أمام الناس من غير استحياء ولا خوف من خالقهم. لما عرفت سارة أن ملك مصر فاجر ويريدها له أخذت تدعوا الله قائلة: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر. فلما أدخلوها عليه. مد يده إليها ليلمسها فشلّ وتجمدت يده في مكانها، فبدأ بالصراخ لأنه لم يعد يستطيع تحريكها، وجاء أعوانه لمساعدته لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء. فخافت سارة على نفسها أن يقتلوها بسبب ما فعلته بالملك. فقالت: يا رب اتركه لا يقتلوني به. فاستجاب الله لدعائها. لكن الملك لم يتب وظن أن ما حدث كان أمرا عابرا وذهب. فهجم عليها مرة أخرى. فشلّ مرة ثانية. فقال: فكيني. فدعت الله تعالى فَفَكّه. فمد يده ثالثة فشلّ. فقال: فكيني وأطلقك وأكرمك. فدعت الله سبحانه وتعالى فَفُك. فصرخ الملك بأعوانه: أبعدوها عني فإنكم لم تأتوني بإنسان بل أتيتموني بشيطان. فأطلقها وأعطاها شيئا من الذهب، كما أعطاها أَمَةً اسمها "هاجر". هذه الرواية مشهورة عن دخول إبراهيم -عليه السلام- لمصر. وكانت زوجته سارة لا تلد. وكان ملك مصر قد أهداها سيدة مصرية لتكون في خدمتها، وكان إبراهيم قد صار شيخا، وابيض شعره من خلال عمر أبيض أنفقه في الدعوة إلى الله، وفكرت سارة إنها وإبراهيم وحيدان، وهي لا تنجب أولادا، ماذا لو قدمت له السيدة المصرية لتكون زوجة لزوجها؟ وكان اسم المصرية "هاجر". وهكذا زوجت سارة سيدنا إبراهيم من هاجر، وولدت هاجر ابنها الأول فأطلق والده عليه اسم "إسماعيل". كان إبراهيم شيخا حين ولدت له هاجر أول أبنائه إسماعيل. ولسنا نعرف أبعاد المسافات التي قطعها إبراهيم في رحلته إلى الله. كان دائما هو المسافر إلى الله. سواء استقر به المقام في بيته أو حملته خطواته سائحا في الأرض. مسافر إلى الله يعلم إنها أيام على الأرض وبعدها يجيء الموت ثم ينفخ في الصور وتقوم قيامة الأموات ويقع البعث. إحياء الموتى: ملأ اليوم الآخر قلب إبراهيم بالسلام والحب واليقين. وأراد أن يرى يوما كيف يحيي الله عز وجل الموتى. حكى الله هذا الموقف في سورة (البقرة).. قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي لا تكون هذه الرغبة في طمأنينة القلب مع الإيمان إلا درجة من درجات الحب لله. قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فعل إبراهيم ما أمره به الله. ذبح أربعة من الطير وفرق أجزاءها على الجبال. ودعاها باسم الله فنهض الريش يلحق بجناحه، وبحثت الصدور عن رؤوسها، وتطايرت أجزاء الطير مندفعة نحو الالتحام، والتقت الضلوع بالقلوب، وسارعت الأجزاء الذبيحة للالتئام، ودبت الحياة في الطير، وجاءت طائرة مسرعة ترمي بنفسها في أحضان إبراهيم. اعتقد بعض المفسرين إن هذه التجربة كانت حب استطلاع من إبراهيم. واعتقد بعضهم أنه أراد أن يرى يد ذي الجلال الخالق وهي تعمل، فلم ير الأسلوب وإن رأى النتيجة. واعتقد بعض المفسرين أنه اكتفى بما قاله له الله ولم يذبح الطير. ونعتقد أن هذه التجربة كانت درجة من درجات الحب قطعها المسافر إلى الله. إبراهيم. رحلة إبراهيم مع هاجر وإسماعيل لوادي مكة: استيقظ إبراهيم يوما فأمر زوجته هاجر أن تحمل ابنها وتستعد لرحلة طويلة. وبعد أيام بدأت رحلة إبراهيم مع زوجته هاجر ومعهما ابنهما إسماعيل. وكان الطفل رضيعا لم يفطم بعد. وظل إبراهيم يسير وسط أرض مزروعة تأتي بعدها صحراء تجيء بعدها جبال. حتى دخل إلى صحراء الجزيرة العربية، وقصد إبراهيم واديا ليس فيه زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا مياه ولا شراب. كان الوادي يخلو تماما من علامات الحياة. وصل إبراهيم إلى الوادي، وهبط من فوق ظهر دابته. وأنزل زوجته وابنه وتركهما هناك، ترك معهما جرابا فيه بعض الطعام، وقليلا من الماء. ثم استدار وتركهما وسار. أسرعت خلفه زوجته وهي تقول له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه شيء؟ لم يرد عليها سيدنا إبراهيم. ظل يسير. عادت تقول له ما قالته وهو صامت. أخيرا فهمت أنه لا يتصرف هكذا من نفسه. أدركت أن الله أمره بذلك وسألته: هل الله أمرك بهذا؟ قال إبراهيم عليه السلام: نعم. قالت زوجته المؤمنة العظيمة: لن نضيع ما دام الله معنا وهو الذي أمرك بهذا. وسار إبراهيم حتى إذا أخفاه جبل عنهما وقف ورفع يديه الكريمتين إلى السماء وراح يدعو الله: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ). لم يكن بيت الله قد أعيد بناؤه بعد، لم تكن الكعبة قد بنيت، وكانت هناك حكمة عليا في هذه التصرفات الغامضة، فقد كان إسماعيل الطفل الذي ترك مع أمه في هذا المكان، كان هذا الطفل هو الذي سيصير مسؤولا مع والده عن بناء الكعبة فيما بعد. وكانت حكمة الله تقضي أن يمتد العمران إلى هذا الوادي، وأن يقام فيه بيت الله الذي نتجه جميعا إليه أثناء الصلاة بوجوهنا. ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع في الصحراء وعاد راجعا إلى كفاحه في دعوة الله. أرضعت أم إسماعيل ابنها وأحست بالعطش. كانت الشمس ملتهبة وساخنة وتثير الإحساس بالعطش. بعد يومين انتهى الماء تماما، وجف لبن الأم. وأحست هاجر وإسماعيل بالعطش.. كان الطعام قد انتهى هو الآخر. وبدا الموقف صعبا وحرجا للغاية. ماء زمزم: بدأ إسماعيل يبكي من العطش. وتركته أمه وانطلقت تبحث عن ماء. راحت تمشي مسرعة حتى وصلت إلى جبل اسمه "الصفا". فصعدت إليه وراحت تبحث بهما عن بئر أو إنسان أو قافلة. لم يكن هناك شيء. ونزلت مسرعة من الصفا حتى إذا وصلت إلى الوادي راحت تسعى سعي الإنسان المجهد حتى جاوزت الوادي ووصلت إلى جبل "المروة"، فصعدت إليه ونظرت لترى أحدا لكنها لم تر أحدا. وعادت الأم إلى طفلها فوجدته يبكي وقد اشتد عطشه. وأسرعت إلى الصفا فوقفت عليه، وهرولت إلى المروة فنظرت من فوقه. وراحت تذهب وتجيء سبع مرات بين الجبلين الصغيرين. سبع مرات وهي تذهب وتعود. ولهذا يذهب الحجاج سبع مرات ويعودون بين الصفا والمروة إحياء لذكريات أمهم الأولى ونبيهم العظيم إسماعيل. عادت هاجر بعد المرة السابعة وهي مجهدة متعبة تلهث. وجلست بجوار ابنها الذي كان صوته قد بح من البكاء والعطش. وفي هذه اللحظة اليائسة أدركتها رحمة الله، وضرب إسماعيل بقدمه الأرض وهو يبكي فانفجرت تحت قدمه بئر زمزم. وفار الماء من البئر. أنقذت حياتا الطفل والأم. راحت الأم تغرف بيدها وهي تشكر الله. وشربت وسقت طفلها وبدأت الحياة تدب في المنطقة. صدق ظنها حين قالت: لن نضيع ما دام الله معنا. وبدأت بعض القوافل تستقر في المنطقة. وجذب الماء الذي انفجر من بئر زمزم عديدا من الناس. وبدأ العمران يبسط أجنحته على المكان. الأمر بذبح إسماعيل عليه السلام: كبر إسماعيل.. وتعلق به قلب إبراهيم.. جاءه العقب على كبر فأحبه.. وابتلى الله تعالى إبراهيم بلاء عظيما بسبب هذا الحب. فقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه الوحيد إسماعيل. وإبراهيم يعمل أن رؤيا الأنبياء وحي. انظر كيف يختبر الله عباده. تأمل أي نوع من أنواع الاختبار. نحن أمام نبي قلبه أرحم قلب في الأرض. اتسع قلبه لحب الله وحب من خلق. جاءه ابن على كبر.. وقد طعن هو في السن ولا أمل هناك في أن ينجب. ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام أنه يذبح ابنه وبكره ووحيده الذي ليس له غيره. أي نوع من الصراع نشب في نفسه. يخطئ من يظن أن صراعا لم ينشأ قط. لا يكون بلاء مبينا هذا الموقف الذي يخلو من الصراع. نشب الصراع في نفس إبراهيم.. صراع أثارته عاطفة الأبوة الحانية. لكن إبراهيم لم يسأل عن السبب وراء ذبح ابنه. فليس إبراهيم من يسأل ربه عن أوامره. فكر إبراهيم في ولده.. ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذبحه.. الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قهرا ويذبحه قهرا. هذا أفضل.. انتهى الأمر وذهب إلى ولده (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى). انظر إلى تلطفه في إبلاغ ولده، وترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة.. إن الأمر مقضي في نظر إبراهيم لأنه وحي من ربه.. فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ أجاب إسماعيل: هذا أمر يا أبي فبادر بتنفيذه (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). تأمل رد الابن.. إنسان يعرف أنه سيذبح فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن والده أنه سيجده (إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). هو الصبر على أي حال وعلى كل حال.. وربما استعذب الابن أن يموت ذبحا بأمر من الله.. ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنه ينافسه في حب الله. لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر. ينقلنا الحق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل راقد على الأرض، وجهه في الأرض رحمة به كيلا يرى نفسه وهو يذبح. وإذا إبراهيم يرفع يده بالسكين.. وإذا أمر الله مطاع. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن هذا التعبير.. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) هذا هو الإسلام الحقيقي.. تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء. عندئذ فقط.. وفي اللحظة التي كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء أمره.. نادى الله إبراهيم.. انتهى اختباره، وفدى الله إسماعيل بذبح عظيم - وصار اليوم عيدا لقوم لم يولدوا بعد، هم المسلمون. صارت هذه اللحظات عيدا للمسلمين. عيدا يذكرهم بمعنى الإسلام الحقيقي الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل. ومضت قصة إبراهيم. ترك ولده إسماعيل وعاد يضرب في أرض الله داعيا إليه، خليلا له وحده. ومرت الأيام. كان إبراهيم قد هاجر من أرض الكلدانيين مسقط رأسه في العراق وعبر الأردن وسكن في أرض كنعان في البادية. ولم يكن إبراهيم ينسى خلال دعوته إلى الله أن يسأل عن أخبار لوط مع قومه، وكان لوط أول من آمن به، وقد أثابه الله بأن بعثه نبيا إلى قوم من الفاجرين العصاة. البشرى بإسحاق: كان إبراهيم جالس لوحده. في هذه اللحظة، هبطت على الأرض أقدام ثلاثة من الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل. يتشكلون في صور بشرية من الجمال الخارق. ساروا صامتين. مهمتهم مزودجة. المرور على إبراهيم وتبشيره. ثم زيارة قوم لوط ووضع حد لجرائمهم. سار الملائكة الثلاثة قليلا. ألقى أحدهم حصاة أمام إبراهيم. رفع إبراهيم رأسه.. تأمل وجوههم.. لا يعرف أحدا فيهم. بادروه بالتحية. قالوا: سلاما. قال: سلام. نهض إبراهيم ورحب بهم. أدخلهم بيته وهو يظن أنهم ضيوف وغرباء. أجلسهم واطمأن أنهم قد اطمأنوا، ثم استأذن وخرج. راغ إلى أهله. نهضت زوجته سارة حين دخل عليها. كانت عجوزا قد ابيض شعرها ولم يعد يتوهج بالشباب فيها غير وميض الإيمان الذي يطل من عينيها. قال إبراهيم لزوجته: زارنا ثلاثة غرباء. سألته: من يكونون؟ قال: لا أعرف أحدا فيهم. وجوه غريبة على المكان. لا ريب أنهم من مكان بعيد، غير أن ملابسهم لا تشي بالسفر الطويل. أي طعام جاهز لدينا؟ قالت: نصف شاة. قال وهو يهم بالانصراف: نصف شاة.. اذبحي لهم عجلا سمينا. هم ضيوف وغرباء. ليست معهم دواب أو أحمال أو طعام. ربما كانوا جوعى وربما كانوا فقراء. اختار إبراهيم عجلا سمينا وأمر بذبحه، فذكروا عليه اسم الله وذبحوه. وبدأ شواء العجل على الحجارة الساخنة. وأعدت المائدة. ودعا إبراهيم ضيوفه إلى الطعام. أشار إبراهيم بيده أن يتفضلوا باسم الله، وبدأ هو يأكل ليشجعهم. كان إبراهيم كريما يعرف أن الله لا يتخلى عن الكرماء وربما لم يكن في بيته غير هذا العجل، وضيوفه ثلاثة ونصف شاة يكفيهم ويزيد، غير أنه كان سيدا عظيم الكرم. راح إبراهيم يأكل ثم استرق النظر إلى ضيوفه ليطمئن أنهم يأكلون. لاحظ أن أحدا لا يمد يده إلى الطعام. قرب إليهم الطعام وقال: ألا تأكلون؟ عاد إلى طعامه ثم اختلس إليهم نظرة فوجدهم لا يأكلون.. رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام. عندئذ (أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً). في تقاليد البادية التي عاش فيها إبراهيم، كان معنى امتناع الضيوف عن الأكل أنهم يقصدون شرا بصاحب البيت. ولاحظ إبراهيم بينه وبين نفسه أكثر من ملاحظة تؤيد غرابة ضيوفه. لاحظ أنهم دخلوا عليه فجأة. لم يرهم إلا وهم عند رأسه. لم يكن معهم دواب تحملهم، لم تكن معهم أحمال. وجوههم غريبة تماما عليه. كانوا مسافرين وليس عليهم أثر لتراب السفر. ثم ها هو ذا يدعوهم إلى طعامه فيجلسون إلى المائدة ولا يأكلون. ازداد خوف إبراهيم. كان الملائكة يقرءون أفكاره التي تدور في نفسه، دون أن يشي بها وجهه. قال له أحد الملائكة: (لاَ تَخَفْ). رفع إبراهيم رأسه وقال بصدق عظيم وبراءة: اعترف إنني خائف. لقد دعوتكم إلى الطعام ورحبت بكم، ولكنكم لا تمدون أيديكم إليه.. هل تنوون بي شرا؟ ابتسم أحد الملائكة وقال: نحن لا نأكل يا إبراهيم.. نحن ملائكة الله.. وقد (أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) ضحكت زوجة إبراهيم.. كانت قائمة تتابع الحوار بين زوجها وبينهم، فضحكت. التفت إليها أحد الملائكة وبشرها بإسحاق. صكت العجوز وجهها تعجبا: قَالَت يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) (هود) عاد أحد الملائكة يقول لها: وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ جاشت المشاعر في قلب إبراهيم وزوجته. شف جو الحجرة وانسحب خوف إبراهيم واحتل قلبه نوع من أنواع الفرح الغريب المختلط. كانت زوجته العاقر تقف هي الأخرى وهي ترتجف. إن بشارة الملائكة تهز روحها هزا عميقا. إنها عجوز عقيم وزوجها شيخ كبير. كيف؟! كيف يمكن؟! وسط هذا الجو الندي المضطرب تساءل إبراهيم: أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) (الحجر) أكان يريد أن يسمع البشارة مرة أخرى؟ أكان يريد أن يطمئن قلبه ويسمع للمرة الثانية منة الله عليه؟ أكان ما بنفسه شعورا بشريا يريد أن يستوثق؟ ويهتز بالفرح مرتين بدلا من مرة واحدة؟ أكد له الملائكة أنهم بشروه بالحق. قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (55) (الحجر) قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ (56) (الحجر) لم يفهم الملائكة إحساسه البشري، فنوه عن أن يكون من القانطين، وأفهمهم أنه ليس قانطا.. إنما هو الفرح. لم تكن البشرى شيئا بسيطا في حياة إبراهيم وزوجته. لم يكن لإبراهيم غير ولد واحد هو إسماعيل، تركه هناك بعيدا في الجزيرة العربية. ولم تكن زوجته سارة قد أنجبت خلال عشرتها الطويلة لإبراهيم، وهي التي زوجته من جاريتها هاجر. ومن هاجر جاء إسماعيل. أما سارة، فلم يكن لها ولد. وكان حنينها إلى الولد عظيما، لم يطفئ مرور الأيام من توهجه. ثم دخلت شيخوختها واحتضر حلمها ومات. كانت تقول: إنها مشيئة الله عز وجل. هكذا أراد الله لها. وهكذا أراد لزوجها. ثم ها هي ذي في مغيب العمر تتلقى البشارة. ستلد غلاما. ليس هذا فحسب، بشرتها الملائكة بأن ابنها سيكون له ولد تشهد مولده وتشهد حياته. لقد صبرت طويلا ثم يئست ثم نسيت. ثم يجيء جزاء الله مفاجأة تمحو هذا كله في لحظة. فاضت دموعها وهي تقف. وأحس إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإحساس محير. جاشت نفسه بمشاعر الرحمة والقرب، وعاد يحس بأنه إزاء نعمة لا يعرف كيف يوفيها حقها من الشكر. وخرّ إبراهيم ساجدا على وجهه. انتهى الأمر واستقرت البشرى في ذهنيهما معا. نهض إبراهيم من سجوده وقد ذهب عنه خوفه، واطمأنت حيرته، وغادره الروع، وسكنت قلبه البشرى التي حملوها إليه. وتذكر أنهم أرسلوا إلى قوم لوط. ولوط ابن أخيه النازح معه من مسقط رأسه، والساكن على مقربة منه. وإبراهيم يعرف معنى إرسال الملائكة إلى لوط وقومه. هذا معناه وقوع عذاب مروع. وطبيعة إبراهيم الرحيمة الودودة لا تجعله يطيق هلاك قوم في تسليم. ربما رجع قوم لوط وأقلعوا وأسلموا أجابوا رسولهم. وبدأ إبراهيم يجادل الملائكة في قوم لوط. حدثهم عن احتمال إيمانهم ورجوعهم عن طريق الفجور، وأفهمه الملائكة أن هؤلاء قوم مجرمون. وأن مهمتهم هي إرسال حجارة من طين مسومة من عند ربك للمسرفين. وعاد إبراهيم، بعد أن سد الملائكة باب هذا الحوار، عاد يحدثهم عن المؤمنين من قوم لوط. فقالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. ثم أفهموه أن الأمر قد قضي. وإن مشيئة الله تبارك وتعالى قد اقتضت نفاذ الأمر وهلاك قوم لوط. أفهموا إبراهيم أن عليه أن يعرض عن هذا الحوار. ليوفر حلمه ورحمته. لقد جاء أمر ربه. وتقرر عليهم (عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) عذاب لن يرده جدال إبراهيم. كانت كلمة الملائكة إيذانا بنهاية الجدال.. سكت إبراهيم. وتوجهت الملائكة لقوم لوط عليه السلام. سنورد قصة بناء بيت الله تعالى في قصة إسماعيل عليه السلام. الصفحات : < 1 2 3 > قصص القرآن | الترتيب الزمني للأنبياء | الترتيب الهجائي للأنبياء | ألو العزم من الرسل | المراجع

إبراهيم عليه السلام2


مواجهة عبدة الأصنام: خرج إبراهيم على قومه بدعوته. قال بحسم غاضب وغيرة على الحق: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56) (الأنبياء) انتهى الأمر وبدأ الصراع بين إبراهيم وقومه.. كان أشدهم ذهولا وغضبا هو أباه أو عمه الذي رباه كأب.. واشتبك الأب والابن في الصراع. فصلت بينهما المبادئ فاختلفا.. الابن يقف مع الله، والأب يقف مع الباطل. قال الأب لابنه: مصيبتي فيك كبيرة يا إبراهيم.. لقد خذلتني وأسأت إلي. قال إبراهيم: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) (مريم) انتفض الأب واقفا وهو يرتعش من الغضب. قال لإبراهيم وهو ثائر إذا لم تتوقف عن دعوتك هذه فسوف أرجمك، سأقتلك ضربا بالحجارة. هذا جزاء من يقف ضد الآلهة.. اخرج من بيتي.. لا أريد أن أراك.. اخرج. انتهى الأمر وأسفر الصراع عن طرد إبراهيم من بيته. كما أسفر عن تهديده بالقتل رميا بالحجارة. رغم ذلك تصرف إبراهيم كابن بار ونبي كريم. خاطب أباه بأدب الأنبياء. قال لأبيه ردا على الإهانات والتجريح والطرد والتهديد بالقتل: قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48) (مريم) وخرج إبراهيم من بيت أبيه. هجر قومه وما يعبدون من دون الله. وقرر في نفسه أمرا. كان يعرف أن هناك احتفالا عظيما يقام على الضفة الأخرى من النهر، وينصرف الناس جميعا إليه. وانتظر حتى جاء الاحتفال وخلت المدينة التي يعيش فيها من الناس. وخرج إبراهيم حذرا وهو يقصد بخطاه المعبد. كانت الشوارع المؤدية إلى المعبد خالية. وكان المعبد نفسه مهجورا. انتقل كل الناس إلى الاحتفال. دخل إبراهيم المعبد ومعه فأس حادة. نظر إلى تماثيل الآلهة المنحوتة من الصخر والخشب. نظر إلى الطعام الذي وضعه الناس أمامها كنذور وهدايا. اقترب إبراهيم من التماثيل وسألهم: (أَلَا تَأْكُلُونَ) كان يسخر منهم ويعرف أنهم لا يأكلون. وعاد يسأل التماثيل: (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ) ثم هوى بفأسه على الآلهة. وتحولت الآلهة المعبودة إلى قطع صغيرة من الحجارة والأخشاب المهشمة.. إلا كبير الأصنام فقد تركه إبراهيم (لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة! ولعلهم حينئذ يراجعون القضية كلها، فيرجعون إلى صوابهم. إلا أن قوم إبراهيم الذين عطّلت الخرافة عقولهم عن التفكير، وغلّ التقليد أفكارهم عن التأمل والتدبر. لم يسألوا أنفسهم: إن كانت هذه آلهة فكيف وقع لها ما وقع دون أن تدفع عن أنفسها شيئا؟! وهذا كبيرها كيف لم يدفع عنها؟! وبدلا من ذلك (قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ). عندئذ تذكر الذين سمعوا إبراهيم ينكر على أبيه ومن معه عبادة التماثيل، ويتوعدهم أن يكيد لآلهتهم بعد انصرافهم عنها! فأحضروا إبراهيم عليه السلام، وتجمّع الناس، وسألوه (أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ)؟ فأجابهم إبراهيم (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) والتهكم واضح في هذا الجواب الساخر. فلا داعي لتسمية هذه كذبة من إبراهيم -عليه السلام- والبحث عن تعليلها بشتى العلل التي اختلف عليها المفسرون. فالأمر أيسر من هذا بكثير! إنما أراد أن يقول لهم: إن هذه التماثيل لا تدري من حطمها إن كنت أنا أم هذا الصنم الكبير الذي لا يملك مثلها حراكا. فهي جماد لا إدراك له أصلا. وأنتم كذلك مثلها مسلوبو الإدراك لا تميزون بين الجائز والمستحيل. فلا تعرفون إن كنت أنا الذي حطمتها أم أن هذا التمثال هو الذي حطمها! ويبدو أن هذا التهكم الساخر قد هزهم هزا، وردهم إلى شيء من التدبر التفكر: فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) (الأنبياء) وكانت بادرة خير أن يستشعروا ما في موقفهم من سخف، وما في عبادتهم لهذه التماثيل من ظلم. وأن تتفتح بصيرتهم لأول مرة فيتدبروا ذلك السخف الذي يأخذون به أنفسهم، وذلك الظلم الذي هم فيه سادرون. ولكنها لم تكن إلا ومضة واحدة أعقبها الظلام، وإلا خفقة واحدة عادت بعدها قلوبهم إلى الخمود: ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ (65) (الأنبياء) وحقا كانت الأولى رجعة إلى النفوس، وكانت الثانية نكسة على الرؤوس؛ كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب.. كانت الأولى حركة في النفس للنظر والتدبر. أما الثانية فكانت انقلابا على الرأس فلا عقل ولا تفكير. وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو الحجة عليهم. وأية حجة لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون؟ ومن ثم يجيبهم بعنف وضيق على غير عادته وهو الصبور الحليم. لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم: قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) (الأنبياء) وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدرن وغيظ النفس، والعجب من السخف الذي يتجاوز كل مألوف. عند ذلك أخذتهم العزة بالإثم كما تأخذ الطغاة دائما حين يفقدون الحجة ويعوزهم الدليل، فيلجأون إلى القوة الغاشمة والعذاب الغليظ: قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) (الأنبياء) نجاة إبراهيم عليه السلام من النار: وفعلا.. بدأ الاستعداد لإحراق إبراهيم. انتشر النبأ في المملكة كلها. وجاء الناس من القرى والجبال والمدن ليشهدوا عقاب الذي تجرأ على الآلهة وحطمها واعترف بذلك وسخر من الكهنة. وحفروا حفرة عظيمة ملئوها بالحطب والخشب والأشجار. وأشعلوا فيها النار. وأحضروا المنجنيق وهو آلة جبارة ليقذفوا إبراهيم فيها فيسقط في حفرة النار.. ووضعوا إبراهيم بعد أن قيدوا يديه وقدميه في المنجنيق. واشتعلت النار في الحفرة وتصاعد اللهب إلى السماء. وكان الناس يقفون بعيدا عن الحفرة من فرط الحرارة اللاهبة. وأصدر كبير الكهنة أمره بإطلاق إبراهيم في النار. جاء جبريل عليه السلام ووقف عند رأس إبراهيم وسأله: يا إبراهيم.. ألك حاجة؟ قال إبراهيم: أما إليك فلا. انطلق المنجنيق ملقيا إبراهيم في حفرة النار. كانت النار موجودة في مكانها، ولكنها لم تكن تمارس وظيفتها في الإحراق. فقد أصدر الله جل جلاله إلى النار أمره بأن تكون (بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ). أحرقت النار قيوده فقط. وجلس إبراهيم وسطها كأنه يجلس وسط حديقة. كان يسبّح بحمد ربه ويمجّده. لم يكن في قلبه مكان خال يمكن أن يمتلئ بالخوف أو الرهبة أو الجزع. كان القلب مليئا بالحب وحده. ومات الخوف. وتلاشت الرهبة. واستحالت النار إلى سلام بارد يلطف عنه حرارة الجو. جلس الكهنة والناس يرقبون النار من بعيد. كانت حرارتها تصل إليهم على الرغم من بعدهم عنها. وظلت النار تشتعل فترة طويلة حتى ظن الكافرون أنها لن تنطفئ أبدا. فلما انطفأت فوجئوا بإبراهيم يخرج من الحفرة سليما كما دخل. ووجهه يتلألأ بالنور والجلال. وثيابه كما هي لم تحترق. وليس عليه أي أثر للدخان أو الحريق. خرج إبراهيم من النار كما لو كان يخرج من حديقة. وتصاعدت صيحات الدهشة الكافرة. خسروا جولتهم خسارة مريرة وساخرة. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) (الأنبياء) لا يحدثنا القرآن الكريم عن عمر إبراهيم حين حطم أصنام قومه، لا يحدثنا عن السن التي كلف فيها بالدعوة إلى الله. ويبدو من استقراء النصوص القديمة أن إبراهيم كان شابا صغيرا حين فعل ذلك، بدليل قول قومه عنه: (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ). وكلمة الفتى تطلق على السن التي تسبق العشرين. مواجهة عبدة الملوك: إن زمن اصطفاء الله تعالى لإبراهيم غير محدد في القرآن. وبالتالي فنحن لا نستطيع أن نقطع فيه بجواب نهائي. كل ما نستطيع أن نقطع فيه برأي، أن إبراهيم أقام الحجة على عبدة التماثيل بشكل قاطع، كما أقامها على عبدة النجوم والكواكب من قبل بشكل حاسم، ولم يبق إلا أن تقام الحجة على الملوك المتألهين وعبادهم.. وبذلك تقوم الحجة على جميع الكافرين. فذهب إبراهيم عليه السلام لملك متألّه كان في زمانه. وتجاوز القرآن اسم الملك لانعدام أهميته، لكن روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب (بالنمرود) وهو ملك الآراميين بالعراق. كما تجاوز حقيقة مشاعره، كما تجاوز الحوار الطويل الذي دار بين إبراهيم وبينه. لكن الله تعالى في كتابه الحكيم أخبرنا الحجة الأولى التي أقامها إبراهيم عليه السلام على الملك الطاغية، فقال إبراهيم بهدوء: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ) قال الملك: (أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ) أستطيع أن أحضر رجلا يسير في الشارع وأقتله، وأستطيع أن أعفو عن محكوم عليه بالإعدام وأنجيه من الموت.. وبذلك أكون قادرا على الحياة والموت. لم يجادل إبراهيم الملك لسذاجة ما يقول. غير أنه أراد أن يثبت للملك أنه يتوهم في نفسه القدرة وهو في الحقيقة ليس قادرا. فقال إبراهيم: (فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) استمع الملك إلى تحدي إبراهيم صامتا.. فلما انتهى كلام النبي بهت الملك. أحس بالعجز ولم يستطع أن يجيب. لقد أثبت له إبراهيم أنه كاذب.. قال له إن الله يأتي بالشمس من المشرق، فهل يستطيع هو أن يأتي بها من المغرب.. إن للكون نظما وقوانين يمشي طبقا لها.. قوانين خلقها الله ولا يستطيع أي مخلوق أن يتحكم فيها. ولو كان الملك صادقا في ادعائه الألوهية فليغير نظام الكون وقوانينه.. ساعتها أحس الملك بالعجز.. وأخرسه التحدي. ولم يعرف ماذا يقول، ولا كيف يتصرف. انصرف إبراهيم من قصر الملك، بعد أن بهت الذي كفر. الصفحات : < 1 2 3 > قصص القرآن | الترتيب الزمني للأنبياء | الترتيب الهجائي للأنبياء | ألو العزم من الرسل | المراجع

إبراهيم عليه السلام


إبراهيم عليه السلام نبذة: هو خليل الله، اصطفاه الله برسالته وفضله على كثير من خلقه، كان إبراهيم يعيش في قوم يعبدون الكواكب، فلم يكن يرضيه ذلك، وأحس بفطرته أن هناك إلها أعظم حتى هداه الله واصطفاه برسالته، وأخذ إبراهيم يدعو قومه لوحدانية الله وعبادته ولكنهم كذبوه وحاولوا إحراقه فأنجاه الله من بين أيديهم، جعل الله الأنبياء من نسل إبراهيم فولد له إسماعيل وإسحاق، قام إبراهيم ببناء الكعبة مع إسماعيل. سيرته: منزلة إبراهيم عليه السلام: هو أحد أولي العزم الخمسة الكبار الذين اخذ الله منهم ميثاقا غليظا، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد.. بترتيب بعثهم. وهو النبي الذي ابتلاه الله ببلاء مبين. بلاء فوق قدرة البشر وطاقة الأعصاب. ورغم حدة الشدة، وعنت البلاء.. كان إبراهيم هو العبد الذي وفى. وزاد على الوفاء بالإحسان. وقد كرم الله تبارك وتعالى إبراهيم تكريما خاصا، فجعل ملته هي التوحيد الخالص النقي من الشوائب. وجعل العقل في جانب الذين يتبعون دينه. وكان من فضل الله على إبراهيم أن جعله الله إماما للناس. وجعل في ذريته النبوة والكتاب. فكل الأنبياء من بعد إبراهيم هم من نسله فهم أولاده وأحفاده. حتى إذا جاء آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، جاء تحقيقا واستجابة لدعوة إبراهيم التي دعا الله فيها أن يبعث في الأميين رسولا منهم. ولو مضينا نبحث في فضل إبراهيم وتكريم الله له فسوف نمتلئ بالدهشة. نحن أمام بشر جاء ربه بقلب سليم. إنسان لم يكد الله يقول له أسلم حتى قال أسلمت لرب العالمين. نبي هو أول من سمانا المسلمين. نبي كان جدا وأبا لكل أنبياء الله الذين جاءوا بعده. نبي هادئ متسامح حليم أواه منيب. يذكر لنا ربنا ذو الجلال والإكرام أمرا آخر أفضل من كل ما سبق. فيقول الله عز وجل في محكم آياته: (وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) لم يرد في كتاب الله ذكر لنبي، اتخذه الله خليلا غير إبراهيم. قال العلماء: الخُلَّة هي شدة المحبة. وبذلك تعني الآية: واتخذ الله إبراهيم حبيبا. فوق هذه القمة الشامخة يجلس إبراهيم عليه الصلاة والسلام. إن منتهى أمل السالكين، وغاية هدف المحققين والعارفين بالله.. أن يحبوا الله عز وجل. أما أن يحلم أحدهم أن يحبه الله، أن يفرده بالحب، أن يختصه بالخُلَّة وهي شدة المحبة.. فذلك شيء وراء آفاق التصور. كان إبراهيم هو هذا العبد الرباني الذي استحق أن يتخذه الله خليلا. حال المشركين قبل بعثة إبراهيم: لا يتحدث القرآن عن ميلاده أو طفولته، ولا يتوقف عند عصره صراحة، ولكنه يرسم صورة لجو الحياة في أيامه، فتدب الحياة في عصره، وترى الناس قد انقسموا ثلاث فئات: فئة تعبد الأصنام والتماثيل الخشبية والحجرية. وفئة تعبد الكواكب والنجوم والشمس والقمر. وفئة تعبد الملوك والحكام. نشأة إبراهيم عليه السلام: وفي هذا الجو ولد إبراهيم. ولد في أسرة من أسر ذلك الزمان البعيد. لم يكن رب الأسرة كافرا عاديا من عبدة الأصنام، كان كافرا متميزا يصنع بيديه تماثيل الآلهة. وقيل أن أباه مات قبل ولادته فرباه عمه، وكان له بمثابة الأب، وكان إبراهيم يدعوه بلفظ الأبوة، وقيل أن أباه لم يمت وكان آزر هو والده حقا، وقيل أن آزر اسم صنم اشتهر أبوه بصناعته.. ومهما يكن من أمر فقد ولد إبراهيم في هذه الأسرة. رب الأسرة أعظم نحات يصنع تماثيل الآلهة. ومهنة الأب تضفي عليه قداسة خاصة في قومه، وتجعل لأسرته كلها مكانا ممتازا في المجتمع. هي أسرة مرموقة، أسرة من الصفوة الحاكمة. من هذه الأسرة المقدسة، ولد طفل قدر له أن يقف ضد أسرته وضد نظام مجتمعه وضد أوهام قومه وضد ظنون الكهنة وضد العروش القائمة وضد عبدة النجوم والكواكب وضد كل أنواع الشرك باختصار. مرت الأيام.. وكبر إبراهيم.. كان قلبه يمتلأ من طفولته بكراهية صادقة لهذه التماثيل التي يصنعها والده. لم يكن يفهم كيف يمكن لإنسان عاقل أن يصنع بيديه تمثالا، ثم يسجد بعد ذلك لما صنع بيديه. لاحظ إبراهيم إن هذه التماثيل لا تشرب ولا تأكل ولا تتكلم ولا تستطيع أن تعتدل لو قلبها أحد على جنبها. كيف يتصور الناس أن هذه التماثيل تضر وتنفع؟! مواجهة عبدة الكواكب والنجوم: قرر إبراهيم عليه السلام مواجهة عبدة النجوم من قومه، فأعلن عندما رأى أحد الكواكب في الليل، أن هذا الكوكب ربه. ويبدو أن قومه اطمأنوا له، وحسبوا أنه يرفض عبادة التماثيل ويهوى عبادة الكواكب. وكانت الملاحة حرة بين الوثنيات الثلاث: عبادة التماثيل والنجوم والملوك. غير أن إبراهيم كان يدخر لقومه مفاجأة مذهلة في الصباح. لقد أفل الكوكب الذي التحق بديانته بالأمس. وإبراهيم لا يحب الآفلين. فعاد إبراهيم في الليلة الثانية يعلن لقومه أن القمر ربه. لم يكن قومه على درجة كافية من الذكاء ليدركوا أنه يسخر منهم برفق ولطف وحب. كيف يعبدون ربا يختفي ثم يظهر. يأفل ثم يشرق. لم يفهم قومه هذا في المرة الأولى فكرره مع القمر. لكن القمر كالزهرة كأي كوكب آخر.. يظهر ويختفي. فقال إبراهيم عدما أفل القمر (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) نلاحظ هنا أنه عندما يحدث قومه عن رفضه لألوهية القمر.. فإنه يمزق العقيدة القمرية بهدوء ولطف. كيف يعبد الناس ربا يختفي ويأفل. (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي) يفهمهم أن له ربا غير كل ما يعبدون. غير أن اللفتة لا تصل إليهم. ويعاود إبراهيم محاولته في إقامة الحجة على الفئة الأولى من قومه.. عبدة الكواكب والنجوم. فيعلن أن الشمس ربه، لأنها أكبر من القمر. وما أن غابت الشمس، حتى أعلن براءته من عبادة النجوم والكواكب. فكلها مغلوقات تأفل. وأنهى جولته الأولى بتوجيهه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفا.. ليس مشركا مثلهم. استطاعت حجة إبراهيم أن تظهر الحق. وبدأ صراع قومه معه. لم يسكت عنه عبدة النجوم والكواكب. بدءوا جدالهم وتخويفهم له وتهديده. ورد إبراهيم عليهم قال: أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) (الأنعام) لا نعرف رهبة الهجوم عليه. ولا حدة الصراع ضده، ولا أسلوب قومه الذي اتبعه معه لتخويفه. تجاوز القرآن هذا كله إلى رده هو. كان جدالهم باطلا فأسقطه القرآن من القصة، وذكر رد إبراهيم المنطقي العاقل. كيف يخوفونه ولا يخافون هم؟ أي الفريقين أحق بالأمن؟ بعد أن بين إبراهيم عليه السلام حجته لفئة عبدة النجوم والكواكب، استعد لتبيين حجته لعبدة الأصنام. آتاه الله الحجة في المرة الأولى كما سيؤتيه الحجة في كل مرة. سبحانه.. كان يؤيد إبراهيم ويريه ملكوت السماوات والأرض. لم يكن معه غير إسلامه حين بدأ صراعه مع عبدة الأصنام. هذه المرة يأخذ الصراع شكلا أعظم حدة. أبوه في الموضوع.. هذه مهنة الأب وسر مكانته وموضع تصديق القوم.. وهي العبادة التي تتبعها الأغلبية. الصفحات : < 1 2 3 > قصص القرآن | الترتيب الزمني للأنبياء | الترتيب الهجائي للأنبياء | ألو العزم من الرسل | المراجع